أقوال العلماء في الشك ما هو؟
٤ فقرات، ج ٢٤ ص ٧
- ج ٢٤ ص ٧
فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاتِهِ وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا لِأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ} . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَفِيهِ الْأَمْرُ بِسَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ. وَقَوْلُهُ: " إذَا شَكَّ " هُوَ مَوْضِعُ اخْتِلَافِ فَهْمِ النَّاسِ. مِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَقْطَعْ فَهُوَ شَاكٍّ وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ رَاجِحًا عِنْدَهُ فَجَعَلُوا مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَإِنْ وَافَقَهُ الْمَأْمُومُونَ شَاكًّا وَأَمَرُوهُ أَنْ يَطْرَحَ مَا شَكَّ فِيهِ وَيَبْنِيَ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ وَقَالُوا الْأَصْلُ عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ فَرَجَّحُوا اسْتِصْحَابَ الْحَالِ مُطْلَقًا وَإِنْ قَامَتْ الشَّوَاهِدُ وَالدَّلَائِلُ بِخِلَافِهِ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا التَّحَرِّيَ بِحَالِ. وَمِنْهُمْ: مَنْ فَسَّرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ " فَلْيَتَحَرَّ " أَنَّهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ. وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَالُوا: إنْ كَانَ إمَامًا فَالْمُرَادُ بِهِ الشَّكُّ الْمُتَسَاوِي وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْمُرَادُ بِهِ مَا قَالَهُ أُولَئِكَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ: بَلْ الْمُرَادُ بِالشَّكِّ مَا اسْتَوَى فِيهِ الطَّرَفَانِ أَوْ تَقَارَبَا وَأَمَّا إذَا تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالرَّاجِحِ وَهُوَ التَّحَرِّي وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ كَالْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ. وَالْأَوَّلُ: هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد.
- ج ٢٤ ص ٨
وَالثَّانِي: قَوْلُ الخرقي وَأَبِي مُحَمَّدٍ وَقَالَ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَد. وَالثَّالِثُ: قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَا إذَا تَكَرَّرَ السَّهْوُ قَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: بَيْنَ التَّحَرِّي وَالْيَقِينِ فَرْقٌ أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَيَقُولُ: {إذَا لَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَوْ اثْنَتَيْنِ؟ جَعَلَهُمَا اثْنَتَيْنِ} . قَالَ: فَهَذَا عَمِلَ عَلَى الْيَقِينِ فَبَنَى عَلَيْهِ وَاَلَّذِي يَتَحَرَّى يَكُونُ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا. فَيَدْخُلُ قَلْبَهُ شَكٌّ أَنَّهُ إنَّمَا صَلَّى اثْنَتَيْنِ إلَّا أَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي نَفْسِي أَنَّهُ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا وَقَدْ دَخَلَ قَلْبَهُ شَيْءٌ فَهَذَا يَتَحَرَّى أَصْوَبَ ذَلِكَ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ قَالَ: فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ. قُلْت: حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَد هُوَ نَظِيرُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ فِي السُّنَنِ وَقَدْ صَحَّحَهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَزَادَ أَمْ نَقَصَ فَإِنْ كَانَ شَكَّ فِي الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ فَلْيَجْعَلْهُمَا وَاحِدَةً فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلَاثًا فَلْيَجْعَلْهُمَا اثْنَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَجْعَلْهُمَا ثَلَاثًا حَتَّى يَكُونَ الشَّكُّ فِي الزِّيَادَةِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ يُسَلِّمُ} .
- ج ٢٤ ص ٩
وَمِنْ أَصَحِّ أَحَادِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّحَرِّي فَإِنَّهُ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ؛ لَكِنْ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَاهِدٌ لَهُ فَهُمَا نَظِيرُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: {صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ. إبْرَاهِيمُ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْت كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأَتْكُمْ بِهِ وَلَكِنْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ. فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ} . وَلِلْبُخَارِيِّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ {قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْت كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لَا يَدْرِي زَادَ فِي صَلَاتِهِ أَوْ نَقَصَ فَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَيُتِمُّ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ} وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ {فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ} وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ {فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إلَى الصَّوَابِ} وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ {فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ صَوَابٌ} وَفِي رِوَايَةٍ {فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إلَى الصَّوَابِ} .
- ج ٢٤ ص ١٠
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: {صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِمَّا زَادَ أَوْ نَقَصَ. قَالَ إبْرَاهِيمُ: وَأَيْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ إلَّا مِنْ قِبَلِي فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا فَقُلْنَا لَهُ الَّذِي صَنَعَ فَقَالَ: إذَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ} وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْقَوْلِ عَلَى أَنَّ التَّحَرِّيَ هُوَ طَرْحُ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِوُجُوهِ: مِنْهَا: أَنَّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِمَا {إذَا كُنْت فِي صَلَاةٍ فَشَكَكْت فِي ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ وَأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ تَشَهَّدْت ثُمَّ سَجَدْت وَأَنْتَ جَالِسٌ} . وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ يَتَحَرَّى مَا يَرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الزَّائِدَ أَوْ النَّاقِصَ وَلَوْ كَانَ مَأْمُورًا مُطْلَقًا بِطَرْحِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَحَرٍّ لِلصَّوَابِ. وَمِنْهَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ وَعَنْهُ أَخَذَ ذَلِكَ أَهْلُ الْكُوفَةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كَإِبْرَاهِيمَ وَأَتْبَاعِهِ. وَعَنْهُ أَخَذَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ هُنَا أَمَرَ بِالسَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي