باب بيان أقسام السنة
٧١ فقرة، ج ١ ص ١٢٨
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ١٢٨
(السُّنة: هي المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً) .
-
وهذا غير جامع لخروج التقرير، وغير مانع لشمول القرآن.
-
وإصلاحه: بأنها المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً أو فعلاً أو تقريراً.
-
وهي تشترك مع الكتاب في الأقسام المتقدمة، ويختصّ هذا الباب بكيفية اتصالها بنا، وحال نقلها إلينا، ومتعلقات ذلك، فلذلك قال:
(وبيان وجوه) أي طرق (اتصالها بنا أقسام) أربعة بالاستقراء:
(منها المتواتر) وهو لغة المتتابع (وهو الكامل) لعدم الشبهة، وفي العرف: هو (الذي رواه قوم لا يحصى عددهم ولا يتوهم) عادة (تواطؤهم) : أي توافقهم (على الكذب) .
-
وفيه خلل لفوته ذكر دوام هذا في الطرفين والوسط، ولأنَّ عدم الإحصاء ليس بشرط بل الكثرة.
- ج ١ ص ١٢٩
فالأولى: أنه خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه.
-
وموجبه: علم اليقين.
-
٢ - (والمشهور هو الذي في اتصاله) بنا (شبهة) صورة،
ج ١ ص ١٣٠وهذا غير محتاج إليه في التعريف، ويكفي فيه قوله وهو الذي (انتشر من الآحاد) في القرن الثاني والثالث (حتى صار كالمتواتر) .
-
وحكمه: أنه يوجب علم الطمأنينة، وهو دون اليقين وفوق أصل الظن.
-
٣ - وخبر الواحد وهو الذي في اتصاله بنا شبهة صورة ومعنى، وعرف بما لم يبلغ حد الشهرة.
-
وحكمه: أنه يوجب العمل، ولا يوجب العلم.
-
وتركه المصنف سهواً لأنه معظم السنة، وعليه مدار معظم الأحكام.
-
(والمنقطع) وهو القسم الثاني من الأقسام الأربعة (وهو نوعان: ظاهر وباطن) : أي ظاهر انقطاعه بمعنى أنه منقطع في الصورة
ج ١ ص ١٣١الظاهرة، وباطن: أي انقطاعه، بمعنى أن نسبته على القائل منقطعة في باطن الأمر، وإن اتصلت في الظاهر.
-
(فالظاهر) انقطاعه (هو المرسل وهو المنقطع الإسناد) وهو طريق المتن، بأن سقطت الواسطة بين الراوي وبين النبي صلى الله عليه وسلم كأن يقول لما لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو لما لم يره فعله: فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فُعل بين يديه كذا، ونحوه.
- (وهو) أي المرسل على (أربعة أوجه:
-
أحدها: ما أرسله الصحابي، وهو مقبول بالإجماع) للإجماع على عدالتهم، فلم يضر الجهل بالساقط من الإسناد.
-
(والثاني: ما أرسله أهل القرن الثاني) وهم التابعون، (وهو حجة عند الحنفية) ، وجميع أهل عصرهم إلى ما بعد المئتين، كما قاله أبو داود في رسالته إلى أهل مكة
ج ١ ص ١٣٢وابن جرير الطبري.
- ج ١ ص ١٣٣
وذلك لثبوت عدالة الساقط بالحديث الذي استدلّ به لقبول مرسل الصحابي، وهو حديث ((خير القرون) ) كما استدلّ به الخطيب في ((الكفاية) ) وغيره من أئمة الحديث، وكذا المرسل لأنه يستحيل أن يشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء إلا بعد ثبوته عنده، ولا ثبوت إلا بعد عدالة الراوي.
- ج ١ ص ١٣٤
(والثالث: ما أرسله العدل في كل عصر) بعد القرن الثاني والثالث (وهو حجّة عند الكرخي) ؛ لأن علّة القبول في القرون الثلاثة العدالة والضبط، فمهما وجدا وجب القبول.
وقال عيسى بن أبان: لا يقبل؛ لأن الزمان زمان الفسق وفشو الكذب، فلا بُدَّ من البيان.
-
وقد يقال: إن كان العدل عالماً بأحوال الرواة فالقول ما قاله الكرخي لاتفاق أئمة الحديث بعد البخاري على قبول معلقاته المجزومة.
- ج ١ ص ١٣٥
(والرابع ما أرسل من وجه وأسند من وجه) ، مثل حديث ((لا نكاح إلا بولي) ) ورواه شعبة وسفيان مرسلاً عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه إسرائيل بن يونس مسنداً عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم (فلا شبهة في قَبوله عند مَن يقبل المرسل) ، وعند المحققين من غيرهم أيضاً.
- (والباطن) انقطاعه (على وجهين) :
-
(أحدهما: المنقطع لنقص الناقل) بفوت شرط من شروط الرواية، وهي: عقل البالغ، وإسلامه، وعدالته - وهي رجحان جهة الدين والعقل على طريق الهوى والشهوة بعدم اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر - وضبطه بسماع الكلام كما يحقّ سماعه، ثم فهم معناه، ثم الثبات عليه إلى حين أدائه.
-
فلا يقبل خبر مَن فَقَدَ شيئاً من هذه الشروط.
- ج ١ ص ١٣٦
وللجرح والتعديل عند أئمة الحديث مراتب، ولهم كلمات تستعمل في أهل تلك المراتب، والتي تستعمل في الجرح منها ما يرجع إلى العدالة، ومنها ما يرجع إلى الضبط.
- وأنا أذكرها لك على سبيل التدلي:
-
فأعلى التعديل: أوثق الناس، وأثبت الناس، وإليه المنتهى في التثبت.
-
ثم ثقة ثقة، أو ثقة ثبت، أو ثبت ثبت، أو ثقة حافظ، أو عدل حافظ.
-
ثم ثقة، أو متقن، أو ثبت، أو حجة.
-
ثم صدوق، أو محلة الصدق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
-
ثم شيخ، ثم صالح، وقيل: صالح، ثم شيخ.
-
وأعلى الجرح: أكذب الناس، وإليه المنتهى في الكذب أو في الوضع، أو ركن الكذب، ونحو ذلك.
-
ثم دجال، أو وضاع، أو كذاب.
-
ثم متروك، أو ساقط، أو فاحش الغلط، أو منكر الحديث.
-
ثم ضعيف، أو ليس بالقوي، أو فيه مقال.
-
ثم لين، أو سيء الحفظ، أو فيه أدنى مقال.
-
(والثاني المنقطع) باطناً (بدليل معارض) يقدم عليه.
-
ومثَّل لذلك بحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: لم يجعل لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفقة ولا سكنى.
- ج ١ ص ١٣٧
عارضه قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} ، وقراءة ابن مسعود ((وأنفقوا عليهنّ من وجدكم) ).
-
وحديث القضاء بشاهد ويمين عارض قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا
ج ١ ص ١٣٨شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم}، وعند عدم الرجلين أوجب رجلاً وامرأتين، وحيث نقل إلى ما ليس بمعهود في مجالس الحكام دلّ على عدم قبول الشاهد الواحد مع اليمين، وعارض السنة المشهورة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ).