[الدليل الرابع على تحريم قتل الكافر لمجرد كفره]
٥ فقرات، ج ١ ص ٢٠٠
- ج ١ ص ٢٠٠
وَأَيضًا: فَلَو كَانَ مُجَرَّدُ الكُفْرِ مُبِيحًا: لمَا أَنْزَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قُرَيظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ (١) فَيهِمْ، وَلَو حَكَمَ فِيهِمْ بِغَيرِ القَتْلِ لَنَفَذَ حُكْمُهُ، بَلْ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ ابْتِدَاء، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ لمَّا حَكَمَ فِيهِمْ بِالقَتْلِ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ" (٢) .
-
لأَنَّ قَتْلَ تِلْكَ الطَّائِفَةِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الكُفَّارِ كَانَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بهِ رَسُولَهَ، وَكَانَ أَرْضَى للهِ وَرَسُولِه، فَإِنَّهُمْ لَو أُطْلِقُوا لَعَادَ عَلَى الإِسْلامِ مَنْ شَرِّهِمْ مَا لا يُطْفَأْ، وَلَكِنْ هَذَا مَا كَانَ ظَاهِرًا.
-
وَكَانَ لهمْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ فِي الجاهِلَيَّةِ مِنَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَخْتَارُ المَنَّ عَلَيهِمْ، فَلَمَّا حَكم فَيهِمْ سَعَدٌ بِالقَتْل، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ" . وَهَذَا يَدَلُّ عَلَى أَنْ بَعْضَ الكُفَّارِ يَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ دُونَ
ج ١ ص ٢٠١بَعْضٍ، وَهَذَا حُجَّةٌ لِكَوْنِ مُجَرَّدِ الكُفْرِ لَيْسَ هُوَ المُوْجِبُ لِلْقَتْلِ.
-
وَإِنَّمَا المُوْجِبُ كُفْرٌ مَعَهُ إِضْرَارٌ بِالدِّيْنِ وَأَهْلِهِ (١) ، فَيُقْتَلْ لِدَفْعِ ضَرَرَهِ وَأَهْلِه، لِعَدَمِ العَاصِم، لَا لِوُجُودِ المُوْجِب، فَإِنَّ الكُفْرَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوْجِبًا [لِلْقَتْلِ] (٢) - فَصَاحِبُهُ لَيْسَ بِمَعْصُوْمِ الدَّمِ وَلَا المَال، بَلْ
ج ١ ص ٢٠٢هُوَ مُبَاحُ الدَّمِ وَالمَالِ، فَلَمْ تَثْبُتْ فِي حَقِّهِ العِصْمَةُ المُؤْثِمِةُ، فَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ وَلَا عَهْدَ لَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ بِشَيءٍ، حَتَّى نِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ لَوَ قتلَهُمْ قَاتِلٌ لَمْ يَضْمَنَهُمْ (١) ، وَمَا نَعْلَمُ فِي هِذَا نِزَاعًا بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ.
-
مَعَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ، مِثْلَ كَثِيرٍ مِنْ الحَيوَان، لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ لَمْ يَضْمَنْهُ بِشَيءٍ، وَهُوَ مُبَاحُ الدَّمِ وَالمَال، كَمَا نَقَوْلُ فِيْمَا خُلِقَ مِنَ النَّبَاتِ وَالصَّيْدِ هُوَ مُبَاحٌ، ثُمَّ مَعَ هَذَا لَا يَجُوْزُ إِتْلَافُهُ بِلَا فَائِدَةٍ، فَلَا يَجُوْزُ قَتْلُ الصَّيْدِ لِغَيْرِ مَأْكَلِه، وَلَا إِتْلَافُ المُبَاحَاتِ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ، فَإِنَّ هَذَا فَسَادٌ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ.