[مناقشة بعض الإعتراضات]
٩ فقرات، ج ١ ص ٢٠٦
- ج ١ ص ٢٠٦
فَإِنْ قِيْلَ: فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ لا يُقْتَلَ تَارِكُ الصَّلاةِ؛ لأَنَّ ضَرَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
-
قِيلَ: مَنْ يَقُول: إِنَّه يَكْفُرُ: يَقْتُلُهُ (١) لِرِدَّتِه، وَمَعْلُوْمٌ أَنَّهُ لَا يُدْعَى أَحَدٌ إِلَى الصَّلَاة، فَيَمْتَنَعُ عَنْهَا حَتَّى يُقْتَلَ إِلَّا وَهُوَ كَافِرٌ، وَنَحْنُ لَا نَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً، بَلْ يُدْعَى إِلَيْهَا، وَيُعَاقَبُ بِمَا دُوْنَ القَتْل، فَإِنْ صَلَّى وَإِلَّا فَإِذَا أَصَرَّ حَتَّى يُقْتَلَ وَلَا يُصْلِّي فَهُوَ كَافِر قَطْعًا (٢) .
- ج ١ ص ٢٠٧
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مَعَ صَبْرِهِ عَلَى القَتْلِ يَكُونُ مُسْلِمًا في البَاطِنِ فَخَطَؤُهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيْحِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ" (١) ، وَقَالَ: "العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاة فَمَنْ ترَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ" (٢) .
-
وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا: فَهَذَا مِمَّا أنكَرَهُ كَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاء، وَقَالُوا هُوَ خِلَافُ النُّصُوْصِ (٣) .
- ج ١ ص ٢٠٨
وَأَيْضًا (١) : دَمُ المُسْلِمِ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِرِدَّةٍ، أَوْ زِنًا مَعَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ، وَلِهَذَا كَانَ المَانِعُوْنَ لِلزَّكَاةِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالمُسْلِمِينَ مُرْتَدِّيْنَ، لَمْ يَجْعَلُوْا فِيْهِمِ أَحَدًا مُسْلِمًا، فَمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ حَتَّى قُتِلَ وَلَمْ يُزَكِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا كَافِرًا، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالحَجُّ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قِيْلَ لَهُ: إِنْ لَمْ تَصُمْ وَإِلَّا قتلْنَاكَ، فَامْتَنَعَ مِنَ الصِّيْامِ وَالحَجِّ حَتَّى قُتِلَ، كَانَ كَافِرًا، وَمِثْلُ هَذِهِ الأُمُوْرِ الَّتِي بُنِي الإِسْلَامِ عَلَيْهَا، فَهِي كَالشَّهَادَتَيْن، فَلَا يَكُوْنُ مُسْلِمًا بِدُوْنِهَا.
-
وَدَارُ الإِسْلَامِ لَا يُتْرَكُ فِيْهَا إِلَّا مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ بِجِزْيَةٍ وَصَغَارٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَافِرًا بِجِزْيَةٍ وَصَغَارٍ فَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَا يَكُوْنُ مُسْلَمًا
ج ١ ص ٢٠٩حَتَّى يَقُوْمَ بِمَبَانِي الإِسْلامِ (١) ، فَصَارَ قَتُلْ هَذَا كَقَتْلِ مَنْ أَتَى بِإِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ دَوْنَ الأُخْرَى، وَكَقَتْلِ مَنْ كَذَّبَ بِالقُرْآنِ أَوْ بَعْضِه، أَوْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاة، فَإِنَّ هَذَا يُقْتَلُ بِالإِجْمَاعِ؛ لِكَوْنِهِ كَافِرًا غَيْرُ مُسْلِمٍ (٢) .
-
وَمَنْ قَالَ هَذَا يَقُوْلُ: قَولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" (٣) لَا يَدْخُلُ فِيْهِ مَنْ تَرَكَ إِحْدَى المَبَانِي؛ لَأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُسْلِمِيْنَ، وَهَذَا قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ يَعُوْدُ إِلَى أَنَّهُمْ مُرْتَدُّوْنَ، وَقَدْ يُقَالُ: لَيْسُوْا مُرْتَدِّيْنَ وَلَكِنْ أَتَوا بِبَعْضِ الإِسْلَامِ وَترَكُوا بَعْضَهُ، فَيُقْتَلُوْنَ عَلَى مَا تَرَكُوُهُ، وَالمُنَافِقُونَ ظَاهِرُهُمْ الإِسْلَام، وَهُمْ كُفَّارٌ فِي البَاطِنِ.
- ج ١ ص ٢١٠
وَكَذَلِكَ الأَعْرَابُ الَّذيْنَ قَالُوْا آمَنَّا، فَقِيْلَ لَهُمْ: {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} لَيْسُوْا كُفَّارًا مُبَاحِيِّ الدِّمَاء، وَلَيْسُوْا - أَيْضًا - مُؤْمِنِيْنَ مُسْتَحِقِيْنَ لِلثَّوَاب، بَلْ قَدْ يَسْتَوُون مَعَ المُسْلِمينَ فِي الدُّنْيَا، وَالمُنَافِقُونَ يَكُوْنُونَ فِي الآخِرَةِ مَعَ الكُفَّار، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالمَبَانِي يُشْبِهُ هَؤُلَاءِ.
-
أَمَّا مَنْ تركَ المَبَانِي أَوْ بَعْضَهَا: فَهَذَا قَدْ يَكُوْنُ مُنَافِقًا يُحْشَرُ مَعَ المُنَافِقِيْنَ، وَلَابُدَّ مِنْ عُقُوْبَتِه، فَإِنْ أَصَرَّ حَتَّى قُتِلَ، فَهَذَا كَافِرٌ، إِمَّا مُنَافِقٌ، وَإِمَّا مُرْتَدٌّ، وَإِمَّا زِنْدِيْقٌ ظَهَرَ نِفَاقُهُ وَزَنْدَقَتُهُ (١) .