الأول: الاستثناء

٨ فقرات، ج ١ ص ٥٣٠

  1. وفيه مسألتان:
  2. المسألة الأولى: اختلف في الاستثناء، فقال أصحابنا، وأصحاب الشافعي: يقتضي نقيض حكم صدر الجملة في المستثني، ـ فإذا قال: عندي عشرة إلا سبعة، فالعشرة مرادة برمتها، وإنما أخرج منها المستثني لمعارض، فكأن الاستثناء معارض للصدر يقتضي نقيض حكم الصدر في المستثني.

    وقال أصحاب أبي حنيفة: الاستثناء كأنه تكلم بالباقي من جنس المستثني، وسكوت عن حكم المستثني فإذا قال: عندي عشرة إلا ثلاثة، فكأنه قال: سبعة، وسكت عن الثلاثة.

  3. وعلى ذلك جرى الخلاف بين الفريقين في بيع الحفنة بالحفنتين، فأصحابنا يقولون بالمنع، ويحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم، لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء، فإنه يقتضي بصدره المنع من بيع الطعام بالطعام، قليلا كان بحيث لا يمكن كيله، أو كثيرا، متفاضلا كان الكثير أو مساويا، لكن عارض الاستثناء صدر الكلام في التساوي، فحكمنا فيه بنقيض حكم الصدر، وهو الجواز، فبقي الصدر محكومًا عليه بالمنع في القليل والكثير غير المتساوي.

    ج ١ ص ٥٣١
  4. وأصحاب أبي حنيفة يقولون: لما قال: إلا سواء بسواء، وكانت

    ج ١ ص ٥٣٢المساواة في العرف إنما هي حال من أحوال المكيل، كان ذلك كأنه تكلم بالباقي من جنس المساواة، وهو الكيل الذي ينقسم إلى المفاضلة والمساواة، فكأنه قال: لا تبيعوا الطعام بالطعام، كيلا متفاضلا، وحينئذ تخرج الحفنة بالحفنتين عن حكم المنع.

  5. وعلى هذا الأصل اختلف المذهب عندنا في القائل لزوجته: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، إلا واحدة، فقيل: تلزمه طلقة واحدة، لأنه لما قال في المستثني ثلاثا إلى واحدة، فكأنه تكلم بانتين، فقال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين ولو قال كذلك لزمته واحدة.

  6. وقيل: تلزمه طلقتان، وهو المشهور لأنه لما قال: إلا ثلاثا صار ذلك كالمعارض للصدر المستثني منه، ولما استغرقه بطل لبطلان الاستثناء المستغرق، فوجب أن يلغى ويرد الاستثناء الاخر إلى الصدر الأول، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، ولو قال كذلك لزمته اثنتان.

  7. المسألة الثانية: الاستثناء إذا ورد بعد جمل منسوقة بالواو، فإنه يرجع إلى الأخيرة اتفاقا، وفي رجوعه إلى إلى ما قبلها خلاف.

  8. وعلى ذلك، اختلفت الشافعية والحنفية في قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، فالشافعية تقبلها، والحنفية لا تقبلها، وسبب الخلاف بينهم قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا} فالشافعية تصرف الاستثناء إلى الجميع،

    ج ١ ص ٥٣٣