شروط حمل الكلام في الأفعال
١٦ فقرة، ج ١ ص ٥٧١
- ج ١ ص ٥٧١
وإن لم يظهر منه قصد قربة، ففعله ذلك محمول على الإباحة، لأن صدوره منه دليل على الإذن فيه، والزيادة على ذلك منتفية بالأصل، وذلك هو معنى الإباحة.
-
إذا تقرر هذا فحمل الكلام في الأفعال مشروط بأربعة شروط:
الشرط الأول: أن لا يكون جبليا، كالأكل والشرب والنوم والقيام والقعود، فإن الأفعال الجبلية لا يلزمنا أن نتأسي به صلى الله عليه وسلم فيها، فلا يلزمنا أن نأكل إذا أكل، أو ننام إذا نام.
- ج ١ ص ٥٧٢
الشرط الثاني: أن لا يكون الفعل خاصاً به صلى الله عليه وسلم كالتهجد بالليل فإنه خاص به في الوجوب، وكالزيادة على أربع زوجات فإنه خاص به في الإباحة، ومن ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، فلا يجوز ذلك لغيره عندنا، والمخالف يرى أن ذلك ليس بخاص به.
- ج ١ ص ٥٧٣
الشرط الثالث: أن لا يكون بيانا لما ثبت مشروعيته، فإنه إذا كان بيانا فحكمه تابع لما هو بيان له، فقد يكون البيان بالقول، كقوله صلى الله عليه وسلم، صلوا كما رأيتموني أصلي، فإنه بيان لقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: خذو عني مناسككم، وقد يكون البيان بقرينة، كما روى: أنه صلى الله عليه وسلم قطع السارق من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} .
- ج ١ ص ٥٧٤
الشرط الرابع: أن لا يكون قد علم حكمه قبل ذلك، فإنه إن علم أنه واجب أو سنة في أصل المشروعية له فأمته مثله.
- فإذا تقررت هذه الشروط فنقول:
-
أما القسم الأول: وهو الذي يظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى: فلا يخلو إما أن يثبت الفعل إجمالا في محل الحكم، أو تفصيلا.
-
أما الإجمال: فكاحتجاج الشافعية على أن مسح الرأس يستحب فيه التكرار ثلاثا، بما روى: أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا.
- ج ١ ص ٥٧٥
فيقول أصحابنا: هذا ليس بصريح في تكرار المسح، بل الظاهر أنه لا يتناوله، لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة، والنظافة مخصوصة بالغسل، فكأنه قال: غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثلاثا.
-
والجواب عند الشافعية أن الوضوء في لسان الشرع يتناول مسح الرأس، ويتأيد هذا بما ورد في الخبر من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ومعلوم أن الصلاة لا تقبل إلا بوضوء مشتمل على مسح الرأس، فعلمنا، أن الوضوء مشتمل على مسح الرأس في قوله توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ثلاثاً.
- ج ١ ص ٥٧٦
وأما التفصيل: فكاحتجاج أصحابنا على وجوب الطهارة في الطواف بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وهو على طهارة.
-
فتقول الحنفية: لا يلزم من ذلك الوجوب، لأن فعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على الوجوب، والجواب عند أصحابنا: إما بيان أنه دليل على الوجوب بما يذكرونه في أصول الفقه، وإما أنه بيان للطواف الوجب في قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} وهو من المناسك وقد قال صلى الله عليه وسلم: {خذوا عني مناسككم} وإذا كان بيانا للواجب فهو واجب.
-
ومثال ذلك: احتجاج أصحابنا على الوجوب القيام في الخطبة
ج ١ ص ٥٧٧بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما.
-
والحنفية لا تحمل فعله صلى الله عليه وسلم على الوجوب، فلا توجب القيام، وأصحابنا يبينون أنه للوجوب بما في أصول الفقه، ويرون أنه بيان لصلاة الجمعة، وتابعها الواجب، وبيان الواجب واجب.
-
ومثال ذلك: احتجاج الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا على وجوب الترتيب في الوضوء، بما روى: أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه، وربما يثبتون، أنه توضأ مرتبًا
ج ١ ص ٥٧٨بطريقة أخرى، فيقولون: لو لم يتوضأ مرتبا لتوضأ منكسا، ولو توضأ منكسا لوجب التنكيس لأن فعله صلى الله عليه وسلم دليل على الوجوب، فدل أنه توضأ مرتبًا، وإذا توضأ مرتبا كان الترتيب واجبا، لما تقدم من دلالة فعله صلى الله عليه وسلم على الوجوب.
-
وأما القسم الثاني: وهو الذي لا يظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى: فغاية ما يدل عليه جواز الفعل، وهذا كاحتجاج الحنفية على جواز نكاح المحر، بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو
ج ١ ص ٥٧٩محرم. فإذا كان ذلك مباحًا في حقه فهو في حقنا كذلك، وقد أباح له صلى الله عليه وسلم نكاح زوج دعيه زيد بن حارثة بقوله سبحانه: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، وعلله بقوله سبحانه: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، فأفادت العلة اقتداءنا به في الإباحة ورفع الحرج.