الباب الأول: في قياس الطرد
٢٠٩ فقرة، ج ١ ص ٦٥٢
الصفحة ١ من ٦
- ج ١ ص ٦٥٢
والكلام فيه منحصر في شرح حده، وبيان أركانه، وبيان أقسامه، وفي الاعتراضات الوارادة عليه، فهذه مقدمة وفصلان، وخاتمة.
- المقدمة:
-
اعلم أن القياس عبارة عن الحاق صورة مجهولة الحكم بصورة معلومة الحكم، لأجل أمر جامع بينهما يقتضي ذلك الحكم.
-
والصورة المعلومة الحكم تسمى: اصلا، والصورة المجهولة الحكم تسمىى: فرعا، كما إذا قسنا النبيذ الذي هو مجهول الحكم ومحل النزاع
ج ١ ص ٦٥٣على الخمر الذي هو معلوم الحكم ومحل الاتفاق، فالخمر هو الأصل، والنبيذ هو الفرع، والجامع الإسكار، والحكم المطلوب، إثباته في الفرع التحريم.
- ج ١ ص ٦٥٤
[الفصل الأول: في أركان القياس]
-
وهي أربعة: الأصل، والعلة، والفرع، والحكم.
-
[الركن الأول: الأصل]
- وشروطه خمسة:
-
الشرط الأول: أن يكون الحكم فيه ثابتا، فإنه إن لم يكن ثابتًا لم يتوجه القياس عليه، لأن المقصود ثبوت الحكم في الفرع، وثبوت الحكم في الفرع فرع عن ثبوته في الأصل، وكذلك في المناظرة إذا قاس المستدل على أصل لا يقول به، فإنه لا تقوم به الحجة على خصمه، وإن كان خصمه يقول به في الأصل، لأن المستدل معترف بفساد قياسه.
- ج ١ ص ٦٥٥
ومثاله: احتجاج الشافعية على الحنفية في أن نية التطوع في الحج تجزيء عن نية الفريضة فيه، خلافا للحنفية بقياسهم ذلك على الصوم، فإن مذهب الحنفية فيه أن نية التطوع فيه تجزيء عن نية الفريضة خلافا للشافعية، وقد قاست الشافعية على أصل لا تقول به.
-
الشرط الثاني: أن يكون الأصل مستمرا في الحكم، أي غير منسوخ، لأنه إذا نسخ حكم الأصل وكان الوصف الجامع حاصلا فيه لزم أن يكون ذلك الوصف علة لتخلف الحكم عنه، وإذا لم يكن علة لم
ج ١ ص ٦٥٦يصح الجمع به، لأن ما ليس بعلة لا يقتضي حكم العلة.
-
فإن قلت قد يجمع بين الأصل والرفع بغير علة، قلنا: لا بد من كون ذلك الجامع متضمنا للعلة، أما إن لم يكن الوصف الجامع علة ولا متضمنا للعلة لم يصح الجمع به.
-
واعلم أنه قد ينسخ حكم من أحكام الأصل فيتوهم، سريان النسخ إلى الحكم الذي يطلب مثله في الفرع.
-
مثاله: قول أصحاب أبي حنيفة: في أن التبييت غير واجب في صوم رمضان، لأنه صوم متعين، فلا يجب التبييت قياسًا على صوم يوم عاشوراء، فإنه لا يجب فيه التبييت للحديث الوارد.
-
فيقول أصحابنا: قد نسخ حكم الأصل، ومن شروط الأصل المقيس عليه أن لا يكون منسوخًا.
- ج ١ ص ٦٥٧
والجواب عند الحنفية أن قالوا: إنا لم نقس الفرع على الأصل في الحكم المنسوخ، بل في حكم آخر: ولا يلزم من نسخ حكم الوجوب نسخ حكم التبييت، المقيس على الأصل فيه.
-
ومما ينظر فيه مسألة ظهار الأمة، فقد يقال بأن الظهار كان طلاقا مخصوصًا بملك النكاح، فلو لم ينسخ لم ينعقد في الأمة ظهار، لأن الطلاق لا ينعقد في الأمة، لكنه لما نسخ منه حكم الطلاق صرف إلى مجرد تحريم الاستمتاع، والاستمتاع مشترك فيه بين الزوجة والأمة، وجب أن ينعقد الظهار في الزوجة والأمة.
-
وقد يقال: كان الظهار حكم مخصوص وهو الطلاق، ومحل مخصوص وهو الزوجة، وقد نسخ حكمه، فلا يلزم منه نسخ محله، ألا ترى أن الإيلاء كان طلاقا ثم نسخ، وبقي محله وهو الزوجة - غير منسوخ.
-
الشرط الثالث: أن لا يكون الأصل مخصوصا بالحكم فإنه إذا كان
ج ١ ص ٦٥٨مخصوصاً تعذر إلحاق غيره به في الحكم وإلا بطل الخصوص.
-
وهذا الشرط يتفصل إلى ثلاثة أقسام:
قسم نص الشرع على الخصوص فيه، أو ثبت الإجماع على ذلك.
-
وقسم لم ينص الشرع على الخصوص، فيه، إلا أنه لا يعقل معناه فيتعذر إلحاق غيره به لأجل الجهل بالمعنى الذي لأجله شرع الحكم في الأصل.
-
وقسم عقل معناه إلا أنه فقد ما شاركه في ذلك المعنى.
-
فأما القسم الأول: فمثاله: قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادة خزيمة
ج ١ ص ٦٥٩وحده فإنه كان مخصوصا بذلك، ومشتهرا به من بين الصحابة رضوان الله عنهم، ولأنه لو ألحق به غيره لجرى، القياس في كل شاهد وبطل اعتبار العدد في الشهود.
-
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة في العناق، تجزيء عنك ولا
ج ١ ص ٦٦٠تجزيء عن أحد بعدك، وكاختصاص سالم بالرضاع، وهو كبير، حتى صار يدخل على عائشة رضي الله عنها من غير حجاب
وفي معني هذا ما اختص به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحكام، ولا يحلق به غيره فيها.
- ج ١ ص ٦٦١
وقد اختلف في فروع بناء على أنه صلى الله عليه وسلم مختص بتلك الأحكام أم لا.
-
فمن ذلك: الخلاف في جواز العقد في النكاح بلفظ الهبة، فالشافعية تمنع منه، وترى أنه مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} .
-
والحنفية: يردون ذلك إلى سقوط المهر، لأن به يظهر الشرف ورفع الحرج، بخلاف الاختصاص بلفظ يوجد ما يقوم مقامه من الألفاظ.
-
والشافعية: ترى أن اختصاصه صلى الله عليه وسلم باللفظ تابع لاختصاصه بمعناه ولأجل ذلك اختلف فيه عندنا في المذهب على قولين.
-
ومن ذلك: جواز جعل عتق الأمة صداقها، فإن ذلك عندنا من خواصه صلى الله عليه وسلم، فلا يحلق به غيره وأمثال هذا القسم كثير.
-
أما إذا وقع النزاع بين الخصمين في كون الأصل مخصوصا بالنص، فإن الظاهر حمله على عدم الخصوص حتى يثبت الخصوص بنص أو إجماع
ج ١ ص ٦٦٢ومن ذلك: اختلاف العلماء في الإحرام، هل ينقطع بالموت أو لا؟ وينبني على هذا جواز تطييب المحرم إذا مات.
-
واختلافهم في الشهيد: هل يغسل ويصلي عليه ام لا؟ وقد ورد في الخبر: أن أعرابيا وقصت به ناقيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا، وقال صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم
ج ١ ص ٦٦٣القيامة وجراحهم تشخب دما، اللون لون الدم والريح ريح المسك.
-
فالحنفية ترى أن ذلك مخصوص بالأعرابي وبشهداء قتلى أحد فلا يلحق بهم غيرهم والشافعية ترى: أن ذلك غير مخصوص بهم، فيلحق بهم غيرهم.
-
وأما أصحابنا المالكية ففصلوا ورأوا: أن حديث الأعرابي مخصوص فلا يلحق به غيره وحديث الشهداء عام.
-
القسم الثاني: وهو ما لا يعقل معناه، فمثاله: معظم التقديرات، فإنها غير معقولة المعنى فلا يقاس عليها.
- ج ١ ص ٦٦٤
فإن قيل: قد قستم تقدير أقل الصداق على تقدير أقل نصاب السرقة، وقستم تحديد اليد بالكوع في التيمم على تحديدها في القطع بالسرقة على مشهور المذهب، وذلك تقدير ثبت بالقياس.
-
قلنا: ليس ذلك قياسا، وإنما هو استشهاد على أقل ما هو معتبر، وتقديره: أن الشرع أوجب المال في النكاح فقال تعالى: {أن تبتغوا بأمولكم} وذلك إظهار لخطر النكاح، والخطر لا يحصل بأقل م يسمى مالا، فإن الفلس والحبة يصدق على كل واحد منهما أنه مال، ولا بد من اعتبار ماله، خطر وبال، وذلك مختلف شرعا وعرفا، فوجب الرجوع فيهما إلى الشرع، إذ هو الموجب لأصل المال في النكاح تشريعًا له، ووجب اعتبار أقل الأموال التي جعل الشرع لها خطرا، ولا أقل من نصاب السرقة، فإن اليد ذات خطر، فلما قطعت من ربع دينار،
ج ١ ص ٦٦٥دل ذلك على أن ربع دينار له خطر، ولما لم نجد أقل منه يشهد الشرع بخطرهـ، علمنا أن أقل الأموال التي لها خطر في الشرع ربع دينار، فلذلك حددنا به المهر.
-
وأما تحديد اليد بالكوع، فإنه ليس بقياس أيضا، بل أخذ بتلك الطريقة نفسها، فإن اليد مطلقة تقبل التحديد بحدود كثيرة، فكان أصل تحديدات اليد إنما هو بالكوع، فلذلك تحدد به اليد في الأجزاء عندنا على المشهور وحكمنا عليه بالإعادة في الوقت طلبا للكمال، وأمثال ما لا يعقل معناه كثير.
-
وأما القسم الثالث: وهو ما عقل معناه إلا أنه لا نظير له في الشرع، ولا يظهر له ما يشاركه في ذلك المعنى، فإما أن يكون ذلك المعنى بسيطا وإما أن يكون جملة معان لا يوجد جميعها في نوع واحد.
-
أما الأول: فكالسفر، فإنه مشتمل على نوع من المشقة معقول التأثير
ج ١ ص ٦٦٦في القصر، ولا يشاركه غيره من الصنائع في ذلك النوع من المشقة، المناسبة للقصر، فلا يلحق به غيره فيه، وأما المرض: فإنما ثبت فيه الفطر والجمع بالنص لا بالقياس.
-
وأما القصر: فإن مشقة المرض لا تناسبه، بل تناسب التخفيف على المريض بمشروعية الجلوس والإيماء في الصلاة.