المطلب الخامس في العزيمة والرخصة

٦٦ فقرة، ج ١ ص ٤٢٩

الصفحة ٢ من ٢

  1. أما الإكراه على الكفر فالأخذ بالعزيمة أولى وأفضل لبقاء المحرم والحرمة، ولو تحمل المكره الإكراه، وامتنع عن الرخصة، وقتل، كان شهيدًا، لأنه بذل نفسه لإقامة حق اللَّه تعالى.

    ج ١ ص ٤٤٠
  2. والدليل على ذلك أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من الصحابة، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللَّه، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضًا، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللَّه، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: إنما أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أما الأول: فقد أخذ برخصة اللَّه، وأما الثاني: فقد صدع بالحق، فهنيئًا له" ، وحصل مثل ذلك مع عمار وخبيب بن عدي وقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في خبيب: "هو أفضل الشهداء، وهو رفيقي في الجنة (٢) " .

    1. (٢)انظر تسهيل الوصول: ص ٢٥٢، فواتح الرحموت: ١ ص ١١٦، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٣٥، الإصابة: ٢ ص ١٠٢، سيرة ابن هشام: ٢ ص ١٧٢.
  3. ٢ - الرخصة في ترك الواجباب: وهي الرخصة التي تجعل الفعل في حكم المباح مع قيام السبب الموجب لحكمه، ولكن الحكم متراخٍ عن

    ج ١ ص ٤٤١السبب حتى يزول العذر، فهذا العذر اتصل بالسبب، ومنعه من العمل (١) ، مثل إفطار المسافر والمريض في رمضان، فهذا رخصة مع قيام السبب وهو شهود الشهر الثابت، وتراخي الحكم، وهو وجوب الصوم وحرمة الإفطار في أيام أخر، وبما أن السبب قائم فيجوز لهما الصوم، وبما أنه يجب الصوم عليهما على التراخي إلى أيام أخر، فلا يجب عليهما الفدية إذا ماتا قبل وجوب الأيام الأخر.

    1. (١)كشف الأسرار: ٢ ص ٦٣٨.
  4. وحكم هذا النوع جواز الإفطار في رمضان، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] ، ولكن الأخذ بالعزيمة أولى إذا لم يضعفه الصوم، فالصوم في السفر والمرض أفضل من الإفطار، لقوله تعالى في نفس الآية: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: ١٨٤] إلا إذا أضره الصوم وأضعفه، أو منعه عن أمر أهم كالجهاد، فيكون الإفطار أفضل، وإن خاف الهلاك يجب الإفطار (٢) .

    1. (٢)تذكر كتب الحنفية أن الشافعية تقول بأن العمل في إفطار المسافر أولى، (انظر التلويح: ٣ ص ٨٥، أصول السرخسي: ١ ص ١١٩)، وهذا غير صحيح، فالثابت عند الشافعية أن الصوم أفضل، لثبوت ذلك بصريح النص، (انظر نهاية السول، الإسنوي: ١ ص ٩٠، المستصفى: ١ ص ٩٩).
  5. ٣ - نسخ الأحكام في الشرائع السابقة: وهي الأحكام التي سقطت عنا، ولم تشرع في حقنا، وكانت في الشرائع السابقة، كاشتراط قتل النفس وقطع الأعضاء في التوبة، وقص موضع النجاسة في الثوب، ودفع ربع المال في الزكاة، وغير ذلك مما خففه اللَّه عنا، ولم يشرع علينا، وجاءت مقابله أحكام ميسرة وسهلة، وهذا النوع رخصة مجازية، لأن الأصل لم يرد في شريعتنا أصلًا، ولا يجوز القيام به ولا العمل بموجبه قطعًا.

  6. ٤ - ما سقط عن العباد بإخراج سببه بأن يكون موجبًا للحكم في محل الرخصة، مع كون الساقط مشروعًا في وقت آخر كالقصر في السفر فهو رخصة مجازًا عند الحنفية، ولا تصح العزيمة عندهم (١) .

    1. (١)ذكرت الشافعية في قول أن حكم قصر الصلاة في السفر كالأفطار في رمضان، وأن الإتمام أفضل من القصر، والمشهور عندهم أن القصر أفضل من الإتمام، إذا بلغ ثلاث مراحل، والأدلة متوفرة في الفقه المقارن، انظر التوضيح: ٣ ص ٨٦، المستصفى: ١ ص ٩٨، تسهيل الوصول: ص ٢٥٢، مغني المحتاج: ١ ص ٢٧١، ٤٣٧.
    ج ١ ص ٤٤٢
  7. فالنوعان الأول والثاني رخصة حقيقية لثبوت العزيمة المقابلة لها، والعمل فيها، وتسمى عند الحنفية رخصة ترفيه، وقال الحنفية بالنوع الثالث والرابع وأنهما مجازيان للرخصة، ووافقهم الإمام الغزالي على ذلك، ويطلق عليهما اصطلاح رخصة إسقاط، فالترخيص أسقط حكم العزيمة، وصار الحكم الشرعي هو الرخصة (٢) .

    1. (٢)تسهيل الوصول: ص ٢٥٢، التوضيح: ٣ ص ٨٦، المستصفى: ١ ص ٩٨، أصول الفقه، خلاف: ص ١٤١، أصول السرخسي: ١ ص ١١٧ وما بعدها.
  8. [خاتمة: هل الأفضل الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة؟]

  9. اختلف العلماء في ترجيح الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة، وكان اختلافهم غالبًا في كل جزئية على حدة (٣) ، وجاء الشاطبي وتناول هذا الموضوع بشكل عام، ووازن بين الرخصة والعزيمة، وذكر الأدلة التي ترجح الأخذ بالعزيمة، ثم أتبعها بالأدلة التي ترجح الأخذ بالرخصة، ونستعرض أهمها:

    1. (٣)المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٧٢، أصول الفقه، الخضري: ص ٧٦، مباحث الحكم: ص ١٢٧.
  10. أولًا: أدلة ترجيح العزيمة:
  11. ١ - العزيمة هي الأصل الثابت المتفق عليه المقطوع به، أما

    ج ١ ص ٤٤٣الرخصة، وإن كان مقطوعًا بها، لكن سبب الترخيص ظني، وهو المشقة، لأنها ليست منضبطة، وتتفاوت حسب الأشخاص والأحوال.

  12. ٢ - العزيمة راجعة إلى أصل كلي في التكليف لجميع المسلمين، وهو أصل عام مطلق على جميع المكلفين، أما الرخصة فإنها ترجع إلى حالة جزئية حسب بعض المكلفين المعذورين، أو بحسب بعض الأحوال والأوقات فالرخصة عارض طارئ على العزيمة، ومن المقرر عند تعارض الأمر الكلي مع الأمر الجزئي، ترجيح الكلي، لأنه يحقق ويقتضي مصلحة عامة.

  13. ٣ - الأمر بالمحافظة على التكاليف وتحمل المشاق فيها، وإنْ فُتِح مقابلها باب الرخصة أحيانًا، قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: ٢٣] ، فوصفهم بالصدق مع حصول الزلزال الشديد والمشقة بالمؤمنين، وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) } [الزمر: ١٠] ، وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) } [آل عمران: ١٨٦] ، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: ٣٥] .

  14. ٤ - الأخذ بالرخصة قد يصبح ذريعة إلى انحلال العزائم في التعبد، أما الأخذ بالعزيمة فإنه يعوِّد على الثبات في التعبد، والأخذ بالحزم في الأمور، وإن اعتاد الشخص على الرخص صارت كل عزيمة شاقة عليه وحرجة، فيحاول التهرب منها، والخروج من مقتضاها.

  15. ٥ - إن الأصل في التشريع هو التكليف، والتكليف فيه كلفة ومشقة على العبد، واقتضت حكمة اللَّه تعالى أن تكون الكلفة حسب طاقة الإنسان وقدرته، وحسب مجرى العادات، فإن ظهرت شدة المشقة والتكليف على بعض الأفراد أو في بعض الحالات فلا تخرج العزيمة

    ج ١ ص ٤٤٤عن قصد الشارع، ولا تؤثر في مقتضى العزيمة، فالأصل البقاء على العزيمة، ولا يخرج عنها إلا لسبب قوي (١) .

    1. (١)الموافقات: ١ ص ٢٢٤، وانظر: أصول الفقه، الخضري: ٧٧.
  16. ثانيًا: أدلة ترجيح الأخذ بالرخصة:
  17. ١ - الرخصة ثابتة قطعًا بالشرع كالعزيمة، فإن وجدت المظنة وجد الحكم، لأن الشارع اعتبر الظن في ترتيب الأحكام، وأنه يجري مجرى القطع، فإنْ ظن المشقة الكبيرة والمرض في الصوم فيرخص له الإفطار.

  18. ٢ - أن أصل الرخصة وإن كان جزئيًّا فلا يؤثر عليها، لأنها تعتبر كالأمر المستثنى من العزيمة، أو هي من باب تخصيص العام أو تقييد المطلق، والخاص يقدم على العام، والمقيد يقدم على المطلق (٢) .

    1. (٢)الموافقات: ١ ص ٢٣٢.
  19. ٣ - الأدلة على رفع الحرج عن الأمة بلغت درجة القطع، وأن الشارع يقصد السهولة واليسر للمكلف، مما يدل على أن الرخصة أرجح من التمسك بالعزيمة، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: ٧٨] ، وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: ٦] ، وقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" (٣) ، ولم يُخَيَّر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وقال تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] ، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) } [النساء: ٢٨] .

    1. (٣)رواه أحمد والبيهقي والطبراني، والبزار بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه (الترغيب والترهيب ٢/ ١٣٥).
  20. ٤ - أن مقصود الشارع من الرخصة الرفق والتخفيف عن المكلف، فمن أخذ بها فيكون موافقًا لقصد الشارع، وقد نددت الآيات الكريمة

    ج ١ ص ٤٤٥بالتشدد والتكلف في أمور الدِّين، قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) } [ص: ٨٦] ، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "هلك المتنطعون" (١) ، ونهى عن التبتل في العبادة وقال: "من رغب عن سنتي فليس مني" ، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذه صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٢) .

    1. (١)رواه مسلم وأبو داود وأحمد عن ابن مسعود.
    2. (٢)رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن عمر.
  21. ٥ - إن ترك الترخص مع وجود السبب قد يؤدي إلى الانقطاع عن العمل والسآمة والملل، وهذا لا يجوز شرعًا، وحذر منه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: "خذوا من العمل ما تطيقون، فإن اللَّه لن يمل حتى تملوا" (٣) ، ونهى عبدَ اللَّه بن عمرو عن صوم الوصال، وقال عبدُ اللَّه بن عمرو بن العاص حين كبر: "يا ليتني قبلت رخصة رسول اللَّه" وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من البر الصيام في السفر" (٤) ، وغير ذلك من الآيات والأحاديث.

    1. (٣)رواه البخاري ومسلم عن عائشة.
    2. (٤)رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد.
  22. [الترجيح]

  23. لم يرجح الشاطبي رحمه اللَّه جانبًا على آخر (٥) ، والواقع أن الموضوع يرجع إلى تقدير المشقة والحرج الذي يحصل للمكلف، وإلى اجتهاده الشخصي وطاقته الخاصة وإيمانه وورعه وتقواه.

    قال الشيخ الخضري رحمه اللَّه: إن كل مكلف فقيه نفسه في الأخذ بها، ما لم يجد فيها حدًّا شرعيًّا فيقف عنده، وبيان ذلك أن سبب الرخصة المشقة، والمشقة تختلف بحسب قوة العزائم وضعفها وبحسب

    ج ١ ص ٤٤٦الأفعال، وليس كل الناس في المشاق وتحملها على حد سواء، وإذا كان كذلك فليس للمشقات المعتبرة في التخفيف ضابط مخصوص، ولا حد محدود يَطَّردُ في جميع الناس، ولذلك أقام الشارع في جملة منها المظنة مقام الحكمة، فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان المشقة، وترك جملة منها إلى الاجتهاد كالمرض (١) .

    1. (٥)الموافقات: ١ ص ٢٣٥.
    2. (١)أصول الفقه، له: ص ٧٥.
  24. أما تتبع الرخص عند الأئمة المجتهدين بقصد التشهي والتخفيف والتهرب من التكليف فغير جائز، قال ابن حزم: وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدِّين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له، غير طالبين ما أوجبه النص عن اللَّه تعالى وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - (٢) .

    1. (٢)الإحكام، له: ٥ ص ٦٤٥، وانظر: فتح العلي المالك للشيخ عليش ١/ ٧١.
  25. وأخيرًا فإن الفعل الواحد قد يشتمل على الوصف بالرخصة من جهة وبالعزيمة من جهة أخرى، ويتعلق بفعل المكلف حقان: حق اللَّه وحق العبد، فالتيمم مثلًا رخصة بحق العبد للتيسير عند عدم إمكان استعمال الماء، وهو عزيمة بحق اللَّه تعالى، فلا بد من الإتيان به (٣) .

    1. (٣)المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٧٢.
  26. إلى هنا ننتهي من الكلام عن الحكم الشرعي، وعن قسميه التكليفي والوضعي، وننتقل إلى الفصل الثاني، وهو الحاكم.