المسألة الثالثة في نسخ القرآن بالسنة المتواترة

٤ فقرات، ج ٣ ص ٣٤٧

  1. نسخ الكتاب بالسنة المتواترة جائز وواقع وقال الشافعي رضي الله عنه لم يقع احتج المثبتون بصورتين أحداها أنه كان الواجب على الزانية الحبس في البيوت لقوله تعالى فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ثم أن الله تعالى نسخ ذلك بآية الجلد ثم إنه ص نسخ الجلد بالرجم

    ج ٣ ص ٣٤٨فإن قلت بل نسخ ذلك بما كان قرآنا وهو قوله الشيخ والشيخة إذ زنيا فارجموهما البته قلت إن ذلك لم يكن قرآنا ويدل عليه أن عمر رضي الله عنه قال لولا أن يقول الناس إن عمر زاد في كتاب الله شيئا لألحقت ذلك بالمصحف ولو كان ذلك قرآنا في الحال أو كان ثم نسخ لما قال ذلك ولقائل أن يقول لما نسخ الله تعالى تلاوته وحكم بإخراجه من المصحف كفى ذلك فصحة قول عمر رضي الله عنه ولم يلزم منه القطع بأنه لم يكن البتة قرآنا وثانيها نسخ الوصية للأقربين بقوله عليه السلام لا وصية لوارث لأن آية المواريث لا تمنع الوصية إذ الجمع ممكن وهذا ضعيف لأن كون الميراث حقا للوارث يمنعه من صرفه إلى الوصية فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية ولأن قوله ص لا وصية

    ج ٣ ص ٣٤٩لوارث خبر واحد إذ لو قلنا إنه كان متواترا لوجب أن يكون الآن متواترا لأنه خبر في واقعة مهمة تتوفر الدواعي على نقله وما كان كذلك وجب بقاؤه متواترا وحيث لم يبق الآن متواترا علمنا أنه ما كان متواترا في الأصل فالقول بأن الآية صارت منسوخة به يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز بالإجماع واحتج الشافعي رضي الله عنه بأمور الأول قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها والاستدلال من وجوه أربعة أحدها أنه تعالى أخبر أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منه وذلك يفيد أنه تعالى يأتي بما هو من جنسه كما إذا قال للإنسان ما أخذ منك من ثوب آتك بخير منه أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه وأذا ثبت أنه لا بد وأن يكون من جنسه فجنس القرآن قرآن وثانيها أن قوله تعالى نأت بخير منها يفيد أنه هو المتفرد بالإتيان

    ج ٣ ص ٣٥٠بذلك الخير وذلك هو القرآن الذي هو كلام الله تعالى دون السنة التي يأتي بها الرسول عليه السلام وثالثها أن قولتعالى نأت بخير منها يفيد أن المأتي به خير من الآية

    ج ٣ ص ٣٤٧
  2. والسنة لا تكون خيرا من القرآن ورابعها أنه تعالى قال ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير دل على أن الذي يأتي بخير منها هو المختص بالقدرة على إنزاله وهذا هو القرآن دون غير الثاني قوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم فوصفه بأنه مبين للقرآن ونسخ العبادة رفعها ورفعها ضد بيانها الثالث قوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية أخبر تعالى بأنه هو الذي يبدل الآية بالآية الرابع أنه تعالى حكى عن المشركين أنهم قالوا عند تبديل الآية بالآية إنما أنت مفتر ثم إنه تعالى أزال هذا الإبهام بقوله قل نزله روح

    ج ٣ ص ٣٥١القدس من ربك وهذا يقتضي أن ما لم ينزله روح القدس من ربه لا يكون مزيلا للإبهام الخامس قوله تعالى قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي وهذا يدل على أن القرآن لا تنسخه السنة السادس

  3. أن ذلك يوجب التهمة والنفرة والجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها في الآية الأولى بوجه عام ثم بما يخص كل واحد من تلك الوجوه أما العام فهو أن قوله تعالى نأت بخير منها ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخا بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئا مغايرا للناسخ يحصل بعد حصول النسخ والذي يدل على تحقق هذا الاحتمال أن هذه الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ

    ج ٣ ص ٣٥٢الآية الأولى فلو كان نستلك الآية مرتبا على الإتيان بذلك الخير لزم ترتب كل واحد منهما على الآخر وهو دور وأما الوجوه الخاصة فالجواب عن الأول لا نسلم أن ذلك الخير لا بوأن يكون من جنس الآية المنسوخة فليس تعلقهم بالمثال الذي ذكروه أولى من مثاآخر وهو أن يقول القائل من يلقني بحمد وثناء جميل محمد ألقه بخير منه في أنه لا يقتضي أن الذي يلقاه به من جنس الحمد والثناء أو من قبيل المنحة والعطاء وعن الثاني وهو أن قوله نأت بخير منها يفيد أنه هو المتفرد بالإتيان بذلك الخير أن نقول المراد بالإتيان شرع الحكم وإلزامه والسنة في ذلك كالقرآن في أن المثبت لهما هو الله تعالى

  4. وعن الثالث وهو قوله السنة لا تكون خيرا من القرآن أن نقول

    ج ٣ ص ٣٥٣إذا كان المراد بالخير الأصلح في التكليف والأنفع في الثواب لم يمتنع أن يكون مضمون السنة خيرا من مضمون الآية وعن الرابع أن النسخ رفع الحكم سواظهر ذلك بالقرآن أو بالسنة وعلى التقديرين فالله تعالى هو المتفرد به والجواب عن الحجة الثانية أن النسخ لا ينافي البيان لأنه تخصيص للحكم بالأزمان كما أن التخصيص تخصيص للحكم بالأعيان والجواب عن الحجة الثالثة أن الناسخ سواء كان قرآنا أو خبرا فالمبدل في الحقيقة هو الله تعالى والجواب عن الحجة الرابعة أن من يتهم الرسول عليه الصلاة والسلام فإنما يتهمه لأنه يشك