٥ - باب في زهده وورعه

١٨٤ فقرة، ج ١ ص ٢٨٥

الصفحة ١ من ٥

  1. قال صالح: وكان ربما خرج إلى البقال، يشتري الحزمة من الحطب والشيء فيحمله.

    ج ١ ص ٢٨٥
  2. "السيرة" لصالح ص ٣٥

    قال صالح: وولد لي مولود فأهدى لي صديق شيئًا، ثم أتى على ذلك أشهر، وأراد الخروج إلى البصرة، فقال لي: تكلم أبا عبد اللَّه يكتب لي إلى المشايخ بالبصرة. فقال: لولا أنه أهدى إليك، كتبت له، لست أكتب له.

  3. وأهدى إليه رجل وُلدَ له مولود خوانَ فالوذج، فأهدى إليه سكرًا بدراهم صالحة. وأكل يومًا في منزلي، فأخذ لقمة فناولها الخادم.

  4. وكان قديمًا قبل أن نأخذ من السلطان يأكل عندنا، وربما وجهنا بالشيء فيأكل منه.

  5. ودخل يومًا إلى منزلي، وقد غيرنا سقفًا لنا، فدعاني ثم أملى علي حديث الأحنف بن قيس، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن قال: قدم الأحنف بن قيس من سفر، وقد غير أسقف بيته حمر وشقاشق وخضروها، فقالوا له: أما ترى إلى سقف بيتك؟ فقال: معذرة إليكم، إني لم أره، لا أدخله حتى تغيروه.

  6. واعتللت من عيني ليلة فلم يزل عندي، فقلت: اللهم إني أسألك الصبر؛ فقال: سل اللَّه العافية، فإن الصبر إنما يكون مع البلاء.

  7. وكان كتب إلى إسحاق بن راهويه، فكتب إلي إسحاق: إن الأمير عبد اللَّه ابن طاهر وجه إلي، ودخلت عليه، وفي يدي كتاب أبي عبد اللَّه فقال: ما هذا الكتاب؟ فقلت: كتاب أحمد بن حنبل، فقال: هاته، فأخذه فقرأه. وقال: إني لأحبه، وأحب حمزة بن الهيصم البوشنجي، لأنهما لم يختلطا بأمر السلطان، ثم قال: لست آمنك على هذا الكتاب وأخذه، فوضعه تحت مصلات، فقرأت

    ج ١ ص ٢٨٦كتاب إسحاق على أبي فأمسك عن الكتاب إليه.

  8. وكان يتنور في البيت إلا أنه قال لي يومًا، وكان يوما شتويًا: أريد أدخل الحمام بعد المغرب، فقل لصاحب الحمام. فقلت لصاحب الحمام، فلما كان المغرب، فقال: ابعث إليه أني قد ضربت عن الدخول، وتنور في البيت.

  9. واشتريت جارية فشكت إليه أهلي، فقال: كنت أكره لهم الدنيا، وكان ربما بلغني عنكما الشيء. فقالت له: يا عم، ومن يكره الدنيا غيرك؟ ! فقال لها: فشأنك إذن.

  10. "السيرة" لصالح ص ٤٠ - ٤٢

    قال صالح: دخلت يوما على أبي أيام الواثق، واللَّه يعلم في أي حالة نحن، وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبد يجلس عليه قد أتى عليه سنون كثيرة حتى قد بلي، فإذا تحته كتاب كاغد، وإذا فيه: بلغني يا أبا عبد اللَّه ما أنت فيه من الضيق، وما عليك من الدين، وقد وجهتُ إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فلان لتقضي بها دينك، وتوسع على عيالك، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته من أبي، فقرأت الكتاب، ووضعته، فلما دخل قلت له: يا أَبَت، ما هذا الكتاب؟ فاحمر وجهه، وقال: رَفَعْتُهُ منك. ثم قال: تذهب بجوابه؟ فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إليّ ونحن في عافية، فأما الدَّيْنُ فإنه لرجل لا يُرهقنا، وأما عيالنا فهم في نعمة اللَّه والحمد للَّه، فذهبتُ بالكتاب إلى الرجل الذي كان أَوصل كتاب الرجل، فقال: ويحك، لو أن أبا عبد اللَّه قبل هذا الشيء ورمى به مثلا في دجلة كان مأجورًا؛ لأن هذا الرجل لا يفوت له معروف، فلما كان بعد حين ورد كتاب الرجل بمثل ذلك، فرد عليه الجواب بمثل ما رد، فلما مضت سنة أو أقل أو أكثر ذكرناها، فقال: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت (١) .

    ج ١ ص ٢٨٧قال صالح: وشهدت ابن الجروي أخا الحسن وقد جاءه بعد المغرب فقال: أنا رجل مشهور، وقد أتيتك في هذا الوقت وعندي شيء قد أعددته لك فأحب أن تقبله وهو ميراث، فلم يزل به، فلما أكثر عليه قام ودخل.

    قال صالح: فأخبرت عن الحسن قال: قال لي أخي لما رأيته: كلما ألححت عليه ازداد بُعدًا، قلت: أخبروه كم هي، قال: قلت: يا أبا عبد اللَّه، هي ثلاثة آلاف دينار. فقام وتركني.

    قال صالح: قال لي يومًا أنا إذا لم تكن عندي [قطعة] أفرح.

    وقال له أبو محمد فُوران: عندي خف أبعث به إليك؟ فسكت، فلما عاد إليه أبو محمد قال: يا أبا محمد، لا تبعث بالخف فقد شغل قلبي علي.

    1. (١)ذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" ١٠/ ٧٧٨ من رواية عبد اللَّه. (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: نص المؤلفون في الملاحق على تصويبها إلى ((نحو الظهيرة))، والمثبت هو الصواب والتصويب في الملحق غلط، فإنها صحيحة لا إشكال فيها، وهي هكذا في المراجع التي أوردت الخبر، والله أعلم
  11. ووجه رجل من الصين بكاغد صيني إلى جماعة من المحدثين فيهم يحيى وغيره، ووجه بقمطر إلى أبي فردّه.

    وقال أبي: جاءني ابن يحيى بن يحيى، وما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك رجل يشبه يحيى بن يحيى، فجاءني ابنه فقال: إن أبي أوصى بمبطنة له لك وقال: يذكرني بها. فقلت: جئني بها: فجاء برزمة ثياب، فقلت له: اذهب رحمك اللَّه -يعني ولم يقبلها.

    وقلت لأبي: بلغني أن أحمد بن الدورقي أعطي ألف دينار فقال: أي بني {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: ١٣١] . ذكر يومًا عنده رجل فقال: يا بني الفائز من فاز غدًا، ولم يكن لأحد عنده تبعة.

  12. وذكرت له ابن أبي شيبة وعبد الأعلى النَّرْسي ومن قدم به إلى العسكر من المحدثين؛ فقال: إنما كانت أيامًا قلائل ثم تلاحقوا، وما تخولوا منها بكثير شيءٍ.

  13. وجئت يومًا إلى المنزل فقيل لي: قد وجه أبوك أمس في طلبك. فقلت: وجهت في طلبي. فقال: جائني أمس رجل كنت أحب أن تراه، بينما أنا قاعد

    ج ١ ص ٢٨٨في نحر (*) الظهيرة، إذا برجل يسلم بالباب، فكأن قلبي ارتاح له، فقمت ففتحت الباب، فإذا أنا برجل عليه فروة وعلى أم رأسه خرقة ما تحت فروه قميص، ولا معه ركوة ولا جراب، ولا عكاز، قد لوحته الشمس. فقلت: ادخل. فدخل للدهليز. فقلت: من أين أقبلت؟ قال: من ناحية المشرق، أريد بعض هذِه السواحل، ولولا مكانك ما دخلت هذا البلد إلا أني نويت السلام عليك.

    قلت: على هذِه الحال؟ قال: نعم، ثم قال لي: ما الزهد في الدنيا؟ قلت: قصر الأمل.

    قال: فجعلت أعجب منه، فقلت في نفسي: وما عندي ذهب ولا فضة، فدخلت البيت، فأخذت أربعة أرغفة، فخرجت إليه، فقلت: ما عندي ذهب ولا فضة، وإنما هذا من قوتي. قال: أو يسركِ يا أبا عبد اللَّه أن أقبل ذلك؟ قال: قلت: نعم. قال: فأخذها، فوضعها تحت حضنه، وقال: أرجو أن تكفيني زادًا إلى الرقة، أستودعك اللَّه، قال: فلم أزل قائمًا أنظر إليه إلى أن خرج من الزقاق، وكان يذكره كثيرا.

    قال صالح: وكنت أسمع أبي كثيرًا يقول: اللَّهم سلِّم سلِّم.

  14. وكان أبي: إذا دعا له رجل، يقول: ليس يحرز المؤمن إلا حفرته، الأعمال بخواتيمها.

  15. وكان رجل يختلف مع خلف المخرمي إلى عفان يقال له: أحمد بن الحكم العطار، فختن بعض ولده، فدعا أبي وأبا خثيمة وجماعة من أصحاب الحديث، وطلب إلى أبي أن يحضر، فمضوا، ومضى أبي بعدهم وأنا معه، فلما دخل أجلس في بيت ومعه جماعة من أصحاب الحديث، فمن كان يختلف معه إلى عفان، فكان فيهم رجل يكنى بأبي بكر، يعرف بالأحول، فقال: يا أبا عبد اللَّه: هاهنا آنية من فضة، والتفت فإذا كرسي،

    ج ١ ص ٢٨٩فقام وخرج وتبعه من كان في البيت. وسأل من كان في الدار عن خروجه فأخبر، واتبعته معهم جماعة، وأخبر الرجل فخرج إلى أبي، فحلف أنه ما علم بذلك، ولا أمر به، فجعل يطلب إليه فأبى. وجاء عفان فقال له الرجل: يا أبا عثمان، اطلب إلى أبي عبد اللَّه أن يرجع فكلمه عفان، فأبى أن يرجع، فنزل بالرجل أمر عظيم (١) .

    1. (١)وانظر: "حلية الأولياء" لأبي نعيم ٩/ ١٧٨ - ١٧٩، "المناقب" لابن الجوزي ص ٢٩٩ - ٣٠٠، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
  16. "السيرة" لصالح ص ٤٣ - ٤٧

    قال صالح: [لما قدم أبي من عند المتوكل] (٢) ومكث قليلا، قال لي: يا صالح، قلت: لبيك، قال: أحب أن تدع هذا الرزق فلا تأخذه ولا توكل فيه أحدًا، فقد علمت أنكم إنما تأخذونه بسببي. فسكتُّ. فقال: ما لك؟ فقلت: أكره أن أعطيك شيئًا بلساني وأخالف إلى غيره فأكون قد كذبتك ونافقتك وليس في القوم أكثر عيالًا مني ولا أعذر، وقد كنت أشكو إليك فتقول: أمرك منعقد بأمري، ولعل اللَّه أن يحل عني هذِه العقدة، ثم قلت: وقد كنت تدعو لي فأرجو أن يكون اللَّه عز وجل قد استجاب لك، قال: ولا تفعل؟ قلت: لا! قال: قم فعل اللَّه بك وفعل، فأمر بسدّ الباب بيني وبينه، فتلقاني عبد اللَّه فسألني فأخبرته. فقال: ما أقول؟ قلت: ذاك إليك، فقال له مثل ما قال لي، فقال: لا أفعل، فكان منه إليه نحو ما كان منه إلي، فلقينا عمه فقال: لو أردتم أن تقولوا له، وما علمه إذا أخذتم شيئًا، فدخل عليه فقال: يا أبا عبد اللَّه، لست آخذ شيئًا من هذا، فقال: الحمد للَّه، وهجرنا وسدَّ الأبواب بيننا وبينه، وتحامى منزلنا أن يدخل منه إلى منزله شيء، فلما مضى نحو من شهرين كتب لنا بشيء فجيء به إلينا، فأول من

    ج ١ ص ٢٩٠جاء عمه فأخذ، فأخبر فجاء إلى الباب الذي كان سده بيني وبينه وقد كان فتح الصبيان كوة، فقال: ادعوا لي صالحًا، فجاءَ الرسول وقلت له: لست أجيء، فوجه إليّ لم لا تجيء؟ فقلت: قل له هذا الرزق يرتزقه جماعة كثيرة، وإنما أنا واحد منهم وليس فيهم أعذر مني، وإذا كان توبيخ خُصصْتُ به أنا! فمضى، فلما نادى عمه بالأذان خرج، فلما خرج، قيل لي: إنه قد خرج إلى المسجد، فجئت حتى صرت في موضع أسمع فيه كلامه، فلما فرغ من الصلاة التفت إلى عمه. ثم قال له: نافقتني وكذبتني وكان غيرك أعذر منك، زعمت أنك لا تأخذ من هذا شيئًا ثم أخذته وأنت تستغل مائتي درهم وعمدت إلى طريق المسلمين تستغله، إنما أنا أشفق أن تطوق يوم القيامة بسبع أرضين، أخذت هذا الشيء بغير حقه، فقال: قد تصدقت، قال: تصدقت بنصف درهم، ثم هجره وترك الصلاة في المسجد، وخرج إلى مسجد خارج يصلي فيه.

    قال صالح: ثم كُتب لنا بشيء فبلغه، فجاء إلى الكوة التي في الباب فقال: يا صالح انظر ما كان للحسن علي فاذهب به إلى فُوران حتى يتصدق به في الموضع الذي أخذ منه.

    فقلت: ما علم فوران من أي موضع أخذ هذا؟

    فقال: افعل ما أقول لك، فوجهت بما كان أصابهما إلى فوران، وكان إذا بلغه أنا قبضنا شيئًا طوى تلك الليلة فلم يفطر، ثم مكث أشهرًا لا أدخل عليه، ثم فتح الصبيان الباب ودخلوا غير أنه لا يدخل إليه من منزلي شيء.

    1. (٢)في "السيرة": فما انحدر إلى بغداد. والمثبت من "المناقب" لابن الجوزي ص ٤٦٥.
  17. ثم وجهت إليه: يا أَبَت قد طال هذا الأمر، اشتقت إليك، فسكت فدخلت فأكببت عليه وقلت له: يا أَبَت تدخل على نفسك هذا الغم؟ فقال: يا بني ما لا أملكه. ثم مكثنا مدة لم نأخذ شيئًا، ثم كُتب لنا بشيءٍ فقبضناها، فلما بلغه هجرنا أشهرًا، فكلمه فُوران ووجَّه إليَّ فدخلت فقال

    ج ١ ص ٢٩١له: يا أبا عبد اللَّه، صالح وحبك له، فقال: يا أبا محمد واللَّه لقد كان أعز الخلق عليَّ وأي شيءٍ أردت له إلا ما أردت لنفسي، فقلت له: يا أَبَت ومن رأيت أنت أو من لقيت قوي على ما قويت أنت عليه؟ قال: وتحتج عليَّ.

    قال صالح: ثم كتب أبي رحمه اللَّه إلى يحيى بن خاقان، يسأله ويعزم عليه أن لا يعيننا على شيء من أرزاقنا ولا يتكلم فيه، فبلغني فوجهت إلى القيم لنا وهو أبو غالب ابن بنت معاوية بن عمرو، وقد كنت قلت له: يا أبت إنه يكبر عليك وقد عزمت إذا حدث أمر أخبرتك به، فلما وصل رسوله بالكتاب إلى يحيى أخذه من صاحب الخبر، فأخذت نسخته ووصلت إلى المتوكل. فقال لعبد اللَّه: كم من شهر لولد أحمد بن حنبل؟ فقال: عشرة أشهر. قال: تحمل الساعة إليهم أربعين ألف درهم من بيت المال صحاحًا ولا يعلم بها، فقال يحيى للقيم: أنا أكتب إلى صالح وأعلمه. فورد علي كتابه، فوجهت إلى أبي أعلمه، فقال الذي أخبره: أنه سكت قليلا وضرب بذقنه ساعة ثم رفع رأسه؛ فقال: ما حيلتي إذا أردت أمرًا، وأراد اللَّه عز وجل أمرًا.

  18. "السيرة" لصالح ص ١٠٧ - ١١٠

    قال الميموني: سُئل أحمد بن حنبل: حدثنا بحديث عبد القيس عن القطيعاء؛ فقال: سلوا بعض أصحاب الغريب، فإني أكره أن أتكلم في قول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالظن فأخطيء.

  19. "العدل" رواية المروذي وغيره (٤١٣)

    قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: اليوم الذي لا يكون عندي فيه قطعة أفرح.

  20. "مسائل ابن هانئ" (٢٠١٠)

    قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل -رضي اللَّه عنه- وذكر أخلاق الورعين- فقال: أسأل اللَّه أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء! ؟

  21. "الورع" للمروذي (١)

    قال المروذي: وقيل لأبي عبد اللَّه: هل للورع حد يعرف؟ فتبسم، وقال:

    ج ١ ص ٢٩٢ما أعرفه.

  22. "الورع" للمروذي (٢)

    قال المروذي: قال أبو عبد اللَّه: كأنك بالموت وقد فرق بيننا، ما أعدل بالفقر شيئا، أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء، إني لأتمنى الموت صباحًا ومساءً، أخاف أن أفتن في الدنيا.

  23. "الورع" للمروذي (٧)

    قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: أنفقت على هذا المخرج خمسة وستين درهمًا بدين، وإنما لي فيه ربع الكراء.

    قلت: فلم لا تدع عبد اللَّه ينفق عليه؟ قال: كرهت أن يفسد علي الدراهم.

  24. "الورع" للمروذي (١٤٨)

    قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول لشجاع بن مخلد: يا أبا الفضل، إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل.

  25. "الورع" للمروذي (٢٤٥)

    قال المرّوذي: ذكرت لأبي عبد اللَّه الفضل وعريه، وفتح الموصلي وعريه وصبره، فتغرغرت عينه، وقال: رحمهم اللَّه، كان يقال: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.

  26. "الورع" للمروذي (٢٦٧)

    قال المرّوذي: وقال لي أبو عبد اللَّه يوما: إني لأفرح إذا لم يكن عندي شيء، وجاءه ابنه الصغير بعقب هذا الكلام فطلب منه، فقال: ليس عند أبيك قطعة، ولا عندي شيء.

  27. "الورع" للمروذي (٢٨٠)

    قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: قد تفكرت في هذِه الآية {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: ١٣١] ثم قال: تفكرت في رزقهم، وأشار نحو العسكر، وقال: رزق يوم فيوم خير، وقال أبو عبد اللَّه يومًا: أخاف أن أفتن بالدنيا كم بقي من عمري، الذي مضى أكثر، لي اليوم ست وسبعون سنة ما تلبست لهم بشيء، وعامة أصحابي قد كتبوا أنفسهم في الغارمين، أنا في كل نعيم.

  28. "الورع" للمروذي (٤٠٨)

    ج ١ ص ٢٩٣قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: ما أكثر الداعين لك! فتغرغرت عينه وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا، وقال: قال محمد بن واسع: لو أن للذنوب ريحًا ما جلس إليَّ منكم أحد، وقال: حدثنا يونس بن عبيد قال: دخلنا على محمد بن واسع نعوده، فقال: وما يغني عني ما يقول الناس إذا أخذ بيدي ورجلي وألقيت في النار.

  29. "الورع" للمروذي (٤٩١) - (٤٩٣)

    قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: إن بعض المحدثين قال لي: أبو عبد اللَّه لم يزهد في الدراهم وحدها، قد زهد في الناس.

    فقال أبو عبد اللَّه: ومن أنا حتى أزهد في الناس؟ الناس يريدون يزهدون فيَّ. وقال أبو عبد اللَّه: أسأل اللَّه أن يجعلنا خيرًا مما يظنون، ويغفر لنا ما لا يعلمون.

  30. "الورع" للمروذي (٤٩٤)

    قال المرّوذي: ذكرت لأبي عبد اللَّه رجلًا من المحدثين، فقال: إنما أنكرت عليه أن ليس زيه زي النساك.

  31. "الورع" للمروذي (٥٦٢)

    قال المرّوذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: أنا منذ أكثر من سبعين سنة في كل نعيم، وقال: ما قل من الدنيا أقل للحساب.

    قلت له: إن رجلًا قال: إن أحمد بن حنبل وبشر بن الحارث ليسا عندي زهادا، أحمد له خبز يأكله، وبشر له دراهم تجيئه من خراسان، فتبسم أبو عبد اللَّه وقال: أمن الزهاد أنا!

  32. "الورع" للمروذي (٦٢٣)

    قال المرُّوذي: قال لي أبو عبد اللَّه: قد جاء يحيى بن خاقان ومعه شُوَي، فجعل يقلله أبو عبد اللَّه ويقلله.

    قلت له: قالوا: إنها ألف دينار. قال: هكذا قال، وقال: فرددتها عليه، فبلغ الباب، ثم رجع، فقال: إن جاءك أحد من أصحابك بشيءٍ تقبله؟ قلت: لا، قال: إنما أُريد أن أخبر الخليفة بهذا.

    ج ١ ص ٢٩٤قلت لأبي عبد اللَّه: أي شيءٍ كان عليك لو أخذتها فقسمتها؟ فكلح وجهه، وقال: إذا أنا قسمتها، أي شيءٍ كنت أريد؟ أكون له قهرمانا!

  33. "أخبار الشيوخ وأخلاقهم" للمروذي (٢٠٤)

    قال عبد اللَّه: كان هاهنا شيخ قال: رأيت على يد أبي عبد اللَّه جَرَبًا، فجئت بدواء فقلت: ضع هذا عليه، فأخذه فرده، فقلت له: لم رددته؟

    فقال: أنتم [تسمعون مني] (١) .

    1. (١)بياض في "الزهد"، والمثبت من "المناقب" لابن الجوزي ص ٣٣٤.
  34. "الزهد" رواية عبد اللَّه ص ٣٤٥

    قال أحمد بن سنان الواسطي: بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز على طعام أخذه منه عند خروجه من اليمن، وأكرى نفسه من ناس من الحمالين عند خروجه وعرض عليه عبد الرزاق دراهم صالحة فلم يقبلها منه.

  35. "الجرح والتعديل" ١/ ٣٠١، "حلية الأولياء" ٩/ ١٧٥، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٠٣، "المناقب" لابن الجوزي ص ٢٩٢، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٠٦

    قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول -وذكر الدنيا- فقال: قليلها يجزئ وكثيرها لا يجزئ. وذكر عنده الفقر، فقال: الفقر مع الخير. وسمعته يقول: وددت أني نجوت من هذا الأمر كفافا لا عليّ ولا لي.

  36. "الجرح والتعديل" ١/ ٣٠٥، "حلية الأولياء" ٩/ ١٨٤، "المناقب" لابن الجوزي ص ٣٥٤، ٢٥٦، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٠٨، ٢٢٧

    قال عبيد القاري: دخل عم أحمد بن حنبل على أحمد بن حنبل ويده تحت خده، فقال له: يا ابن أخي أي شيءٍ هذا الغم؟ أي شيءٍ هذا الحزن؟ فرفع أحمد رأسه فقال: يا عم طوبى لمن أخمل اللَّه عز وجل ذكره.

  37. "الجرح والتعديل" ١/ ٣٠٦، "طبقات الحنابلة" ١/ ٢٧، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٠٩، "المناقب" لابن الجوزي ص ٣٥٢، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٠٧

    قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كان أحمد بن حنبل إذا رأيته تعلم

    ج ١ ص ٢٩٥أنه لا يُظهر النسك، رأيت عليه نعلا لا يشبه نعل القراء، له رأس كبير معقف، وشراك مسبل كأنه اشتري له من السوق، ورأيت عليه إزارًا وجبة برد مخطط آسماجوني.

    قال ابن أبي حاتم: أراد بهذا واللَّه أعلم ترك التزين بزي القرَّاء، وإزالته عن نفسه ما يشتهر به.

  38. "الجرح والتعديل" ١/ ٣٠٦

    قال الحسين بن الحسن الرازي: حضرت أحمد بن حنبل وجاءه فيج بكتاب، أظنه من البسطامي، فوضعه ولم يقرأه وقال: ما عندنا شيء نعطيك إلا -أستغفر اللَّه- الخبز إن رضيت به.

  39. "الجرح والتعديل" ١/ ٣٠٧

    قال عبد اللَّه: ما رأيت أبي حدث من حفظه من غير كتاب إلا بأقل من مائة حديث.

  40. "حلية الأولياء" ٩/ ١٦٥، "المناقب" ص ٣٢٨، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢١٣

    قال سليمان بن داود الشاذكوني: علي بن المديني يتشبَّه بأحمد بن حنبل! أيهات، ما أشبه السّكُّ باللّكِّ (١) ، لقد حضرت من ورعه شيئًا بمكة (٢) أنه رهَنَ سَطْلا عند فامِيّ فأخذ منه شيئًا يتقوته، فجاء فأعطاه فكاكه، فأخرج إليه سَطْلين فقال: انظر أيهما سطلك فخذه، فقال: لا أدري، أنت في حل منه ومما أعطيتك في حل، ولم يأخذه.

    قال سليمان: فقلت للفامي: أخرجت سطلين إلى رجل من أهل الورع، والسطول تتشابه حتى شك في سطله. فقال الفامِيّ: واللَّه إنه لسَطْلُه، وإنما أردت أن أمتحنه فيه.

    1. (١)السُّكُّ ضرب من الطيب يُرَكَّبُ من مِسْك ورَامَكٍ عربيٌّ، واللَّكُّ صِبْغ أحمر يصبغ به جلودُ المِعْزى للخِفات وغيرها، واللُّك بالضم ثُفْلُه. "لسان العرب" مادة [سكك]، [لكك].
    2. (٢)في "تاريخ دمشق"، "البداية والنهاية": باليمن.