القول في أحكام الكافر
٥ فقرات، ج ١ ص ٢٥٣
- ج ١ ص ٢٥٣
ِ اُخْتُلِفَ: هَلْ الْكُفَّارُ مُكَلَّفُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عَلَى مَذَاهِبَ. أَصَحُّهَا: نَعَمْ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِفِعْلِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِ الْحَرَامِ، وَبِالِاعْتِقَادِ فِي الْمَنْدُوبِ، وَالْمَكْرُوهِ، وَالْمُبَاحِ، وَالثَّانِي: لَا، وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَالثَّالِثُ: مُكَلَّفُونَ بِالنَّوَاهِي، دُونَ الْأَوَامِرِ.
-
وَالرَّابِعُ: مُكَلَّفُونَ، بِمَا عَدَا الْجِهَادَ، أَمَّا الْجِهَادُ: فَلَا، لِامْتِنَاعِ قِتَالِهِمْ أَنْفُسَهُمْ.
-
وَالْخَامِسُ: الْمُرْتَدُّ مُكَلَّفٌ دُونَ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ، لَا يَجِب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَغَيْرُهَا مِنْ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ، وَالصَّحِيحُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْفُرُوعِ، كَمَا هُوَ مُخَاطَبٌ بِأَصْلِ الْإِيمَانِ وَلَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا غَيْرُ الْمُرَادِ هُنَاكَ، فَالْمُرَادُ هُنَاكَ أَنَّهُمْ لَا يُطَالَبُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، مَعَ كُفْرِهِمْ وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْمَاضِي وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَةِ الْآخِرَةِ وَمُرَادُهُمْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ: أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ زِيَادَةً عَلَى عَذَابِ الْكُفْرِ، فَيُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا، وَعَلَى الْكُفْرِ جَمِيعًا، لَا عَلَى الْكُفْرِ وَحْدَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْمُطَالَبَةِ فِي الدُّنْيَا، فَذَكَرُوا فِي الْأُصُولِ حُكْمَ طَرَفٍ وَفِي الْفُرُوعِ حُكْمَ الطَّرَفِ الْآخِرِ.
ج ١ ص ٢٥٤قَالَ: وَإِذَا فَعَلَ الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ قُرْبَةً، يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِصِحَّتِهَا، كَالصَّدَقَةِ، وَالضِّيَافَةِ وَالْإِعْتَاقِ، وَالْقَرْضِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَإِنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، فَلَا ثَوَابَ لَهُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ، لَكِنْ يُطْعَمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُوَسَّعُ فِي رِزْقِهِ، وَعَيْشِهِ، فَإِذَا أَسْلَمَ، فَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ، فَحَسُنَ إسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا» أَيْ قَدَّمَهَا.
-
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ قُلْت «يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْت أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ: مِنْ صَدَاقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ: أَسْلَمْت عَلَى مَا أَسْلَفْت مِنْ خَيْرٍ» فَهَذَانِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ لَا يَمْنَعهُمَا عَقْلٌ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِخِلَافِهِمَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ إثْبَاتِ ثَوَابِهِ إذَا أَسْلَمَ، وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: لَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ عِبَادَةٌ، وَلَوْ أَسْلَمَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، فَمُرَادُهُمْ لَا يُعْتَدُّ بِهَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ فَإِنْ أَطْلَقَ مُطْلِقٌ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ، فَهُوَ مُجَازِفٌ غَالِطٌ، مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا.
-
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَصْحَابُ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إذَا لَزِمَ الْكَافِرُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ، أَوْ غَيْرَهَا، فَكَفَّرَ فِي حَالَ كُفْرِهِ أَجْزَأَهُ، وَإِذَا أَسْلَمَ لَا تَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا. اهـ كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.