القاعدة الثانية: اليقين لا يزال بالشك

٢٠ فقرة، ج ١ ص ٥٠

  1. ِّ وَدَلِيلُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِد حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن زَيْدٍ قَالَ " شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ «: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ

    ج ١ ص ٥١أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ: وَاحِدَةً صَلَّى، أَمْ اثْنَتَيْنِ؟ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ: صَلَّى اثْنَتَيْنِ، أَمْ ثَلَاثًا؟ فَلْيَبْنِ عَلَى اثْنَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ: أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلَاثٍ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» .

    ج ١ ص ٥٠
  2. اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ تَدْخُلُ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَالْمَسَائِلُ الْمُخَرَّجَةُ عَلَيْهَا تَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْفِقْهِ وَأَكْثَرَ، وَلَوْ سَرَدْتهَا هُنَا لَطَالَ الشَّرْحُ وَلَكِنِّي أَسُوقَ مِنْهَا جُمْلَةً صَالِحَةً فَأَقُولُ: يَنْدَرِجُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَة عِدَّةُ قَوَاعِدَ:

    مِنْهَا: قَوْلُهُمْ: " الْأَصْل بَقَاء مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ " .

  3. فَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ. أَوْ تَيَقَّنَ فِي الْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَهُوَ مُحْدِثٌ.

  4. وَمِنْ فُرُوع الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ أَنْ يَشُكَّ هَلْ نَامَ أَوْ نَعَسَ؟ أَوْ مَا رَآهُ رُؤْيَا، أَوْ حَدِيثُ نَفْسٍ؟ أَوْ لَمَسَ مُحَرَّمًا أَوْ غَيْرَهُ؟ أَوْ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؟ أَوْ بَشَرًا أَوْ شَعْرًا؟ أَوْ هَلْ نَامَ مُمَكَّنًا أَوْ لَا؟ أَوْ زَالَتْ إحْدَى أَلْيَتَيْهِ، وَشَكَّ: هَلْ كَانَ قَبْلَ الْيَقَظَةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ أَوْ مَسَّ الْخُنْثَى أَحَدَ فَرْجَيْهِ، ثُمَّ مَسَّ مَرَّة ثَانِيَةً وَشَكَّ: هَلْ الْمَمْسُوسُ ثَانِيًا: الْأَوَّلُ، أَوْ الْآخَرُ؟

  5. وَمِنْ ذَلِكَ: عَدَمُ النَّقْضِ بِمَسِّ الْخُنْثَى، أَوْ لَمْسِهِ أَوْ جِمَاعِهِ.

  6. وَمِنْ ذَلِكَ: مَسْأَلَةُ: مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ أَوْ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّذَكُّرِ فِيمَا قَبْلَهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ ; لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَدَثِ وَشَكَّ فِي انْتِقَاضِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي: هَلْ الْحَدَثُ الثَّانِي قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا؟ وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَإِنْ كَانَ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ، فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ، لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ حَدَثًا بَعْدَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ، وَشَكَّ فِي زَوَالِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي: هَلْ الطَّهَارَةُ الثَّانِيَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ، أَمْ لَا؟ بِأَنْ يَكُونَ وَالَى بَيْن الطَّهَارَتَيْنِ.

  7. وَنَظِيرُ ذَلِكَ: مَا لَوْ عَلِمْنَا لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفًا، فَأَقَامَ عَمْرو بَيِّنَةً بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ، فَأَقَامَ زَيْدٌ بَيِّنَةً أَنَّ عَمْرًا أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ مُطْلَقًا، لَمْ يَثْبُتْ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ شَيْءٌ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْأَلْفَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ هُوَ الْأَلْفُ الَّذِي عَلِمْنَا وُجُوبَهُ، وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِإِبْرَائِهِ، فَلَا نَشْغَلْ ذِمَّتَهُ بِالِاحْتِمَالِ.

  8. وَفَرَّعَ فِي الْبَحْرِ عَلَى قَوْلِنَا " يَأْخُذُ بِالضِّدِّ " فَرْعًا حَسَنًا: وَهُوَ مَا إذَا قَالَ: عَرَفْت قَبْل هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ حَدَثًا وَطُهْرًا أَيْضًا، وَلَا أَدْرِي أَيّهمَا السَّابِقُ؟ قَالَ: فَيُعْتَبَرُ مَا كَانَ قَبْلَهُمَا

    ج ١ ص ٥٢أَيْضًا، وَنَأْخُذُ بِمِثْلِهِ، بِعَكْسِ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ ضِدُّ هَذِهِ الْحَالَةِ. قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فِي الْأَوْتَارِ يَأْخُذُ بِضِدِّ مَا قَبْلَهُ، وَفِي الْأَشْفَاعِ يَأْخُذُ بِمِثْلِهِ.

  9. شَكَّ فِي الطَّاهِرِ الْمُغَيِّرِ لِلْمَاءِ: هَلْ هُوَ قَلِيلٌ، أَوْ كَثِيرٌ؟ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّهُورِيَّةِ. أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ بِالْحَجِّ، وَشَكَّ: هَلْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ طَوَافِهَا، فَيَكُونُ صَحِيحًا، أَوْ بَعْدَهُ فَيَكُونُ بَاطِلًا؟ حُكِمَ بِصِحَّتِهِ.

    قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَهُ قَالَ وَهُوَ كَمَنْ تَزَوَّجَ وَأَحْرَمَ وَلَمْ يَدْرِ، هَلْ أَحْرَمَ قَبْلَ تَزَوُّجِهِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ نِكَاحِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِحْرَامِ وَنَصَّ فِيمَنْ وَكَّلَ فِي النِّكَاحِ، ثُمَّ لَمْ يَدْرِ: أَكَانَ وَقَعُ عَقْدُ النِّكَاحِ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ، أَوْ قَبْلَهُ؟ أَنَّهُ صَحِيحٌ أَيْضًا.

  10. أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ شَكَّ: هَلْ كَانَ فِي أَشْهُر الْحَجِّ، أَوْ قَبْلَهَا؟ كَانَ حَجًّا لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ، وَعَلَى شَكِّ مِنْ تَقَدُّمِهِ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.

  11. أَكَلَ آخِرَ اللَّيْلِ، وَشَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وَكَذَا فِي الْوُقُوفِ.

  12. أَكَلَ آخِرَ النَّهَارِ، بِلَا اجْتِهَادٍ وَشَكَّ فِي الْغُرُوبِ بَطَلَ صَوْمُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ.

  13. نَوَى ثُمَّ شَكَّ: هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَمْ لَا؟ صَحَّ صَوْمُهُ بِلَا خِلَافٍ.

  14. تَعَاشَرَ الزَّوْجَانِ مُدَّةً مَدِيدَةً ; ثُمَّ ادَّعَتْ عَدَم الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُمَا فِي ذِمَّتِهِ، وَعَدَمُ أَدَائِهِمَا.

  15. زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ، مُعْتَقِدًا بَكَارَتهَا، فَشَهِدَ أَرْبَع نِسْوَةٍ بِثُبُوتِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَبْطُلْ لِجَوَازِ إزَالَتهَا بِأُصْبُعٍ أَوْ ظُفْرٍ، وَالْأَصْلُ الْبَكَارَةُ.

  16. اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي التَّمْكِينِ، فَقَالَتْ: سَلَّمْت نَفْسِي إلَيْكَ مِنْ وَقْتِ كَذَا، وَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّمْكِينِ.

  17. وَلَدَتْ وَطَلَّقَهَا، فَقَالَ: طَلَقَتْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، فَلِي الرَّجْعَةُ، وَقَالَتْ: قَبْلَهَا فَلَا رَجْعَةَ. وَلَمْ يُعَيِّنَا وَقْتًا لِلْوِلَادَةِ وَلَا لِلطَّلَاقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ سَلْطَنَةِ النِّكَاحِ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى يَوْمِ الْوِلَادَةِ، كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: طَلُقَتْ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَالَتْ: الْخَمِيسِ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَعَدَمُ الطَّلَاقِ، أَوْ عَلَى وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْوِلَادَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوِلَادَةِ إذْ ذَاكَ.

  18. أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي لَحْم، فَجَاءَ بِهِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا لَحْمُ مَيْتَةٍ، أَوْ مُذَكَّى مَجُوسِيٍّ، وَأَنْكَرَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ الْقَابِضِ قَطَعَ بِهِ الزُّبَيْرِيُّ فِي الْمُسْكِتِ وَالْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ وَالْعَبَّادِيُّ فِي آدَابِ الْقَضَاءِ وَقَالَ: لِأَنَّ الشَّاةَ فِي حَالَ حَيَاتهَا مُحَرَّمَةٌ، فَيُتَمَسَّكُ بِأَصْلِ التَّحْرِيمِ إلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ زَوَالُهُ.

  19. اشْتَرَى مَاءً، وَادَّعَى نَجَاسَتَهُ، لِيَرُدّهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِع لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الْمَاءِ. ادَّعَتْ الرَّجْعِيَّةُ امْتِدَادَ الطُّهْرِ وَعَدَمَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ صُدِّقَتْ وَلَهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا.

    ج ١ ص ٥٣
  20. وَكَّلَ شَخْصًا فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ، وَوَصَفَهَا فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ جَارِيَةً بِالصِّفَةِ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِلْمُوَكِّلِ، لَمْ يَحِلَّ لِلْمُوَكِّلِ وَطْؤُهَا ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ الْجَارِيَةَ بِالصِّفَاتِ الْمُوَكَّلِ بِهَا ظَاهِرًا فِي الْحِلّ، وَلَكِنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ.