فصل في وضع الديوان، وذكر أحكامه
١٥٢ فقرة، ج ١ ص ٢٣٦
الصفحة ٢ من ٤
- ج ١ ص ٢٥٤
وَالثَّانِي: اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْقَابِضِينَ لَهَا مِنْ الْعُمَّالِ. فَأَمَّا اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْعَامِلِينَ فيعمل فيه على إقرار العمال بقبضها. فأما الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى خُطُوطِ الْعُمَّالِ بِقَبْضِهَا، فَاَلَّذِي عَلَيْهِ كُتَّابُ الدَّوَاوِينِ: أَنَّهُ إذَا عُرِفَ الْخَطُّ كان حجة بالقبض، سواء اعترف العامل أنه خَطُّهُ أَوْ أَنْكَرَهُ إذَا قِيسَ بِخَطِّهِ الْمَعْرُوفِ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ العامل أنه خطه أو أنكره لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي الْقَبْضِ، ولا يجوز أَنْ يُقَاسَ بِخَطِّهِ فِي الْإِلْزَامِ إجْبَارًا، وَإِنَّمَا يُقَاسُ بِخَطِّهِ إرْهَابًا لِيَعْتَرِفَ بِهِ طَوْعًا، وَإِنْ اعترف بالخط وأنكر القبض فإنه يَكُونُ فِي الْحُقُوقِ السُّلْطَانِيَّةِ خَاصَّةً حُجَّةً لِلْعَامِلَيْنِ بالدفع وحجة على العمال بالقبض، اعتبارا بالعرف.
- ج ١ ص ٢٥٥
وَأَمَّا اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْعُمَّالِ، فَإِنْ كَانَتْ خَرَاجًا إلَى بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يُحْتَجْ فِيهَا إلَى تَوْقِيعِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَكَانَ اعْتِرَافُ صَاحِبِ بَيْتِ الْمَالِ بِقَبْضِهَا حُجَّةً فِي بَرَاءَةِ الْعُمَّالِ مِنْهَا. والكلام في خطه إذَا تَجَرَّدَ عَنْ إقْرَارِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ في خطوط العمال أنه يكون حجة. وَإِنْ كَانَتْ خَرَاجًا مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ ولم تكن خراجا إليه لم يمض للعمال إلَّا بِتَوْقِيعِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَكَانَ التَّوْقِيعُ إذَا عُرِفَتْ صِحَّتُهُ حُجَّةً مُقْنِعَةً فِي جَوَازِ الدَّفْعِ. فأما في الاحتساب به، فيحتمل أَنْ يَكُونَ الِاحْتِسَابُ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى اعْتِرَافِ صاحب الحق الْمُوَقَّعِ لَهُ بِقَبْضِ مَا تَضَمَّنَهُ، لِأَنَّ التَّوْقِيعَ حُجَّةٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِحَجَّةٍ فِي الْقَبْضِ منه. ويحتمل: أن يحتسب به للعامل فِي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ. فَإِنْ أَنْكَرَ صَاحِبُ التَّوْقِيعِ الْقَبْضَ حَاكَمَ الْعَامِلَ فِيهِ، وَأَخَذَ الْعَامِلُ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَدِمَهَا أُحْلِفَ صَاحِبُ التَّوْقِيعِ وَأَخَذَ الْعَامِلُ بِالْغُرْمِ. وَهَذَا الْوَجْهُ أَخَصُّ بعرف الديوان، والأول أَشْبَهُ بِتَحْقِيقِ الْفِقْهِ. فَإِنْ اسْتَرَابَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ بالتوقيع لم يحتسب به للعامل على الاحتمالين مَعًا حَتَّى يُعْرِضَهُ عَلَى الْمُوَقِّعِ فَإِنْ اعْتَرَفَ به صح ن وكان في الاحتساب عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ لِلْعَامِلِ.
-
وَنُظِرَ فِي وَجْهِ الْخَرَاجِ، فَإِنْ كان في حاضر مَوْجُودٍ رَجَعَ بِهِ الْعَامِلُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ في جهات لا يمكن الرجوع فيها سأل إحلاف الموقع على إنكاره، فإن لم يعرف صحة الخراج لم يكن للعامل إحلاف الموقع، لَا فِي عُرْفِ السَّلْطَنَةِ وَلَا فِي حُكْمِ القضاء، وإن علم صحة الخراج فهو في عرف السلطنة ممنوع عَنْ إحْلَافِ الْمُوَقِّعِ، وَفِي حُكْمِ الْقَضَاءِ يُجَابُ إليه. وأما الثالث وهو إثبات الرقوع. فينقسم ثلاثة أقسام: رقوع مساحة، ورقوع قبض واستيفاء: ورقوع خرج ونفقة فأما رقوع الْمِسَاحَةِ وَالْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَتْ أُصُولُهَا مُقَدَّرَةً فِي الديوان، اعتبر صحة الدفع بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ وَأُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ إنْ وَافَقَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الدِّيوَانِ أُصُولٌ عُمِلَ فِي إثْبَاتِهَا عَلَى قَوْلِ رَافِعِهَا. وَأَمَّا رقوع الْقَبْضِ وَالِاسْتِيفَاءِ، فَيُعْمَلُ فِي إثْبَاتِهَا عَلَى مُجَرَّدِ قول رافعها، لأنه مقر على نفسه به لا لها. وأما رقوع الْخَرَاجِ وَالنَّفَقَةِ، فَرَافِعُهَا مُدَّعٍ لَهَا فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ إلَّا بِالْحُجَجِ الْبَالِغَةِ، فَإِنْ احْتَجَّ بِتَوْقِيعَاتِ ولاة الأمر استعرضها، وكان الحكم فيها على ما قدمناه مِنْ أَحْكَامِ التَّوْقِيعَاتِ
ج ١ ص ٢٥٦وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ مُحَاسَبَةُ الْعُمَّالِ، فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا باختلاف ما تقلدوه، وقد قدمنا القول فيه. فَإِنْ كَانُوا مِنْ عُمَّالِ الْخَرَاجِ لَزِمَهُمْ رَفْعُ الْحِسَابِ، وَوَجَبَ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَى صِحَّةِ مَا رَفَعُوهُ. وَإِنْ كَانُوا مِنْ عُمَّالِ العشر لم يلزم عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَفْعُ الْحِسَابِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْعُشْرَ عند صَدَقَةٌ لَا يَقِفُ مَصْرِفُهَا عَلَى اجْتِهَادِ الْوُلَاةِ. ولو انفرد أهلها بمصرفها أَجْزَأَتْ، وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَفْعُ الْحِسَابِ. وَيَجِبُ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَيْهِ: لأن عنده أن مصرف العشر والخراج مشترك. فإذا حوسب من وجبت مُحَاسَبَتُهُ مِنْ الْعُمَّالِ نُظِرَ. فَإِنْ لَمْ يَقَعْ بين العامل وكاتب الديوان خلف كَانَ كَاتِبُ الدِّيوَانِ مُصَدَّقًا فِي بَقَايَا الْحِسَابِ. فَإِنْ اسْتَرَابَ بِهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ كَلَّفَهُ إحْضَارَ شَوَاهِدِهِ، فَإِنْ زَالَتْ الرِّيبَةُ عَنْهُ سَقَطَتْ الْيَمِينُ فيه.
-
وإن لم تزل الريبة أراد ولي الأمر الإحلاف عليه أُحْلِفَ الْعَامِلُ دُونَ كَاتِبِ الدِّيوَانِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى الْعَامِلِ دُونَ الْكَاتِبِ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْحِسَابِ نُظِرَ. فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي دَخْلٍ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْعَامِلِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وإن كان اختلافهما في خرج فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْكَاتِبِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَإِنْ كان اختلافهما في مساحة يمكن إعادتها أعيدت بعد الاختلاف وعمل فيها بما يخرج به صحيح الاعتبار، وإن لم يمكن إعادتها أحلف عليها رب المال دون الماسح. وأما الخامس وهو إخراج الأموال، فَهُوَ اسْتِشْهَادُ صَاحِبِ الدِّيوَانِ عَلَى مَا ثَبَتَ فيه من قوانين وحقوق، فصار كالشهادة فاعتبر فِيهِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُخْرِجَ مِنْ الْأَمْوَالِ إلَّا مَا عَلِمَ صِحَّتَهُ، كَمَا لَا يشهد حتى يستشهد، والمستدعي لإخراج الأموال مَنْ نَفَذَتْ تَوْقِيعَاتُهُ، كَمَا أَنَّ الْمَشْهُودَ عِنْدَهُ من نفذت أحكامه. فإذا أخرج حالا ما لزم الموقع بإخراجها الأخذ بِهَا وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا، كَمَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ تَنْفِيذُ الحكم بما شهد بِهِ الشُّهُودُ عِنْدَهُ. فَإِنْ اسْتَرَابَ الْمُوَقِّعُ بِإِخْرَاجِ الحال جاز أن يسأله من أين أخرجها وَيُطَالِبُهُ بِإِحْضَارِ شَوَاهِدِ الدِّيوَانِ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يجز للحاكم أن يسأل الشاهد عَنْ سَبَبِ شَهَادَتِهِ.
- ج ١ ص ٢٥٧
فَإِنْ أَحْضَرَهَا وَوَقَعَ فِي النَّفْسِ صِحَّتُهَا زَالَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ، وَإِنْ عَدِمَهَا وَذَكَرَ أَنَّهُ أَخْرَجَهَا من حفظه، لتقدم علمه بها، صار معلوما القول، والموقع مخير في قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ رَدِّهِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِخْلَافُهُ. وَأَمَّا السَّادِسُ وَهُوَ تَصَفُّحُ الظَّلَّامَاتِ، فهو مختلف بحسب اختلاف المتظلم وَلَيْسَ يَخْلُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُتَظَلِّمُ مِنْ الرَّعِيَّةِ أَوْ مِنْ الْعُمَّالِ. فَإِنْ كَانَ الْمُتَظَلِّمُ مِنْ الرَّعِيَّةِ تَظَلَّمَ مِنْ عَامِلٍ تَحَيَّفَهُ فِي معاملة، كَانَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ فِيهَا حَاكِمًا بَيْنَهُمَا، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَفَّحَ الظَّلَّامَةَ وَيُزِيلَ التَّحَيُّفَ، سَوَاءٌ وقع الناظر إليه بذلك أو لم يوقع، لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِحِفْظِ الْقَوَانِينِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ، فَصَارَ بعقد الولاية مستحقا لتصفح الظلامات، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا امْتَنَعَ وَصَارَ عَزْلًا عَنْ بَعْضِ مَا كَانَ إلَيْهِ.
-
وَإِنْ كَانَ الْمُتَظَلِّمُ عاملا جوزف في حسابه، أو غولط في معاملته فصار صاحب الديوان فيها خصما، فكان المتصفح لها ولي الأمر.
-
فصل في أحكام الجرائم
الجرائم: محظورات بالشرع، زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ. وقد قيل: إن حالها عند التهمة بها، وقيل: ثبوتها وصحتها معتبرة بحال الناظر فيها. فإن كان حاكما رفع إليه من قَدْ اُتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ، أَوْ زِنًا، لَمْ يَكُنْ للتهمة بها تأثيرا عنده، ولم يجز حبسه لكشف ولا لإستبراء ولا أخذه بأسباب الإقرار إجبارا. ولا تسمع الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إلَّا مِنْ خَصْمٍ مستحق لما قرف بسرقته، ويعتبر بعد ذلك إقرار المتهوم أو إنكاره. وإن اتهم بالزنا لم تسمع الدَّعْوَى عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ التي زنى بها ويصف الفعل الموجب للحد، فإن أقر أخذه بموجبه، وإن أنكر سمع إنكاره واستحلفه فيما كان حقا لآدمي دون حق الله تعالى. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا المتهوم أميرا، أو من ولاة الأحداث كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالِاسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ، وَذَلِكَ من تسعة أوجه:
ج ١ ص ٢٥٨أحدها: أنه يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أعوان الإمارة من غير تحقيق للدعوى المفسرة. وَيَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ، وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لا؟ فإن برأوه من مثل ذلك خفت التهمة وضعفت وَعُجِّلَ إطْلَاقُهُ وَلَمْ يُغْلَظْ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَرَفُوهُ بأمثاله غلظت التهمة، وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا سَنَذْكُرُهُ، وليس هذا للقضاة.
-
الثاني: أَنَّ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ، وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتْ التهمة بزنا، وكان المتهوم متصنعا لِلنِّسَاءِ، ذَا فُكَاهَةٍ وَخِلَابَةٍ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ. وَإِنْ كَانَتْ التُّهْمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ، أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارُ ضَرْبٍ، أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مِنْقَبٌ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضعفت وليس هذا للقضاء أيضا.
-
الثالث: أن للأمير تعجيل حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالِاسْتِبْرَاءِ.
-
وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حبسه فقيل: حَبْسَهُ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لَا يتجاوزه. وقيل: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإمام واجتهاده. وظاهر كلام أحمد رحمه الله ورضي عنه: أن للقضاة الحبس في التهمة. فقال في رواية حنبل " إذا قامت عليه البينة أو الاعتراف أقيم عليه الحد، ولا يحبس بعد إقامة الحد، وقد حبس النبي - صلى الله عليه وسلم - في تهمة وذلك حتى يتبين للحاكم أمره. ثم يخليه بعد إقامة الحد" . ولفظ الحديث: ما روى أبو بكر الخلال في أول كتاب الشهادات بإسناده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة" . وبإسناده عن أبي هريرة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة يوما وليلة استظهارا واحتياطا" . ويشهد لذلك قوله تعالى (٢٤: ٨ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله) . وحملنا العذاب على الحبس لقوة التهمة في حقها بامتناعها من اللعان.
- ج ١ ص ٢٥٩
الرابع: أنه يَجُوزَ لِلْأَمِيرِ، مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ، أَنَّ يَضْرِبَ ضرب تعزير لا ضرب حدّ ليأخذه بالصدق عن حاله الذي قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اُعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ. فَإِنْ ضُرِبَ ليقر لم يصح الإقرار، وإن ضرب ليصدق عن حاله فأقر تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إقْرَارُهُ، فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالْإِقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ , لم تضيق عليه أن يعمل بإقراره الأول وإن كرهناه.
-
الخامس: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ - فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ، وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ - أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ، حَتَّى يَمُوتَ بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكُسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرُهُ عَنْ النَّاسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذل للقضاة.
-
السادس: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ إحْلَافُ الْمَتْهُومِ، اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَلَا نضيق عليه أن يحلفه بالطلاق والعتاق والصدقة، كالإيمان في البيعة السلطانية.
-
وليس للقضاء إحْلَافُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلَا أَنْ يتجاوز الإيمان بالله تعالى إلى طلاق أو عتق.
- ج ١ ص ٢٦٠
السابع: أَنَّ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إجبارا، ويظهر عليهم من الوعيد ما يقودهم إليها طوعا ولا نضيق عليه الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ لِأَنَّهُ وَعِيدُ إرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إلى حيز التعزير".
-
الثامن: أنه يجوز للأمير أن يسمع شهادات أهل المهن وَمَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إذا كثر عددهم.
-
التاسع: أَنَّ لِلْأَمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ، وَإِنْ لَمْ توجب غُرْمًا وَلَا حَدًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وإن كان بأحدهما أثر، فقد قيل: يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الْأَثَرُ وَلَا يُرَاعِي السَّبْقَ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا، وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا.
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِحَسَبِ اختلافهما في الاقتراف. والثاني: بحسب اختلافهما في الهيئة وَالتَّصَاوُنِ. وَإِذَا رَأَى مِنْ الصَّلَاحِ فِي رَدْعِ السَّفَلَةِ أَنْ يُشْهِرَهُمْ وَيُنَادِيَ عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ له ذلك. فقد وقع الفرق بين الأمراء والقضاة في حال الاستبراء وقبول ثبوت الحق، لاختصاص الأمراء بالسياسة، واختصاص القضاة بالأحكام. فأما بَعْدَ ثُبُوتِ جَرَائِمِهِمْ، فَيَسْتَوِي فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ عليهم أحوال الأمراء والقضاة. وثبوتها عليهم من وجهين: إقرار، وبينة. فَأَمَّا الْحُدُودُ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. فَأَمَّا الْمُخْتَصَّةُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا وَجَبَ فِي تَرْكِ مَفْرُوضٍ. والثاني: ما وجب بارتكاب محظور.
- ج ١ ص ٢٦١
أما ما وجب في ترك مفروض فكتارك الصلاة حتى يخرج وقتها يسئل عَنْ تَرْكِهِ لَهَا. فَإِنْ قَالَ: لِنِسْيَانٍ أُمِرَ بِهَا قَضَاءً فِي وَقْتِ ذِكْرِهَا، وَلَمْ يَنْتَظِرْ بها مثل وقتها قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَذَلِكَ وقتها لا كفارة لهم غيره" . وَإِنْ تَرَكَهَا لِمَرَضٍ صَلَّاهَا بِحَسَبِ طَاقَتِهِ: مِنْ جلوس، أو اضطجاع.
-
وَإِنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا كَانَ كَافِرًا حُكْمُهُ حكم المرتد يقتل بالردة، إن لَمْ يَتُبْ وَإِنْ تَرَكَهَا اسْتِثْقَالًا لِفِعْلِهَا، مَعَ اعترافه بوجوبها، ففيه روايتان. إحداهما: يصير بتركها كافرا يقتل بالردة. والثانية: لا يكفر بتركها ويقتل حَدًّا، وَلَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا وَلَا يُقْتَلُ إلَّا بعد استتابة، فَإِنْ تَابَ وَأَجَابَ إلَى فِعْلِهَا تُرِكَ وَأُمِرَ بِهَا. فَإِنْ قَالَ: أُصَلِّيهَا فِي مَنْزِلِي وُكِّلَتْ إلَى أَمَانَتِهِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى فِعْلِهَا بِمَشْهَدٍ من الناس. فإن امْتَنَعَ مِنْ التَّوْبَةِ وَلَمْ يُجِبْ إلَى فِعْلِ الصلاة لم يقتل إلا بعد ثلاثة أيام. ويقتل بوحي السيف نص على ضرب عنقه في رواية الجماعة: صالح، وحنبل وأبي الحارث. وأما الصلوات الفوائت إذا امتنع من قضائها، فإنه يقتل بها كالمواقيت. وأما تارك الصيام فقال في رواية الميموني " من قال: أعلم أن الصوم فرض ولا أصوم، يستتاب، فإن تاب ,إلا ضربت عنقه، فقد نص على أنه يقتل بترك الصوم، كالصلاة. وقال في رواية أبي طالب: إذا قال: الصوم فرض ولا أصوم، ليس الصوم مثل الصلاة والزكاة لم يجئ فيه شيء، فلم يجعله مثل الصلاة والزكاة.
ج ١ ص ٢٦٢وقال أيضا في رواية الأثرم: وقد سئل عن تارك صوم رمضان مثل تارك الصلاة؟ فقال، الصلاة آكد، إنما جاء في الصلاة، وليست كغيرها ". وظاهر هذا: أنه فرق بين الصلاة وبين الصوم، بأنه لا يقتل ويترك إلى أمانته. وأما تارك الزكاة فيأخذها الإمام منه قهرا، فإن تعذر أخذها منه لِامْتِنَاعِهِ حُورِبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَفْضَى الْحَرْبُ إلَى قَتْلِهِ حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْهُ كَمَا حَارَبَ أَبُو بكر - رضي الله عنه - مانعي الزكاة، وإن قتل في حال قتله، فهل يقتل كافرا مرتدا؟ فقال في رواية الميموني: فيمن منع الزكاة: " يقاتل، قيل له: فيورث، ويصلى عليه قال: إذا منعوا الزكاة كما منعوا أبا بكر وقاتلوا عليها: لم يورث ولم يصلى عليه، وإن منع الزكاة، يعني من بخل أو تهاون، لم يقاتل ولم يحارب على المنع، بل يقاتل عليها ويورث ويصلى عليه ".
-
فقد نص على أنه إن منعها وقاتل عليها قوتل، وإن قتل كافرا، لا يصلى عليه ولا يورث، وإن لم يقاتل عليها لكن منعها شحا وبخلا، لم يحكم بكفره. فإن تعذر أخذها منه لعدم الوصول إلى ماله، ولم يوجد منه قتال عليها استتيب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل، ولم يحكم بكفره. نص عليه في رواية أبي طالب في رجل قال: الزكاة على، ولا أزكي، " يقال له مرتين أو ثلاثا: زك، فإن لم يزك يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا ضربت عنقه ". وروى أبو حفص العكبري في هذه الرواية زيادة قلت: فلان روى عنك أنك قلت في الزكاة: يضرب عنقه على المكان، ولا يستتاب، قال: لم يحفظ" . وما الحج ففرض عند أحمد على الفور، فيتصور تأخيره عن وقته. وقد قال أحمد في رواية الجماعة: منهم عبد الله، وإسحاق، وإبراهيم، وأبو الحارث " ومن كان موسرا وليس به أمر يحبسه فلم يحج لا تجوز شهادته" . وهذا مبالغة في الفور، لأنه قد أسقط عدالته في الموضع الذي يسوغ فيه الاجتهاد. وهل يقتل بتأخيره؟ قال أبو بكر في مسائل البغاة من كتاب الخلاف " الحج والزكاة والصيام، والصلاة سواء، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل" . ويشهد لهذا ما حكيناه عن أحمد " أنه لا تقبل شهادته" . وظاهر هذا أنه لا يسوغ الاجتهاد في تأخيره، ويحتمل أن لا يقتل لأنه بفعله بعد الوقت يكون أَدَاءً لَا قَضَاءً.
- ج ١ ص ٢٦٣
فَإِنَّ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهِ حَجَّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ. وَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ من ديون، وغيرها، فتؤخذ جبرا إذا أمكنت، وَيُحْبَسُ بِهَا إذَا تَعَذَّرَتْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بها معسرا فينظر إلى ميسرته. فأما مَا وَجَبَ بِارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: حد الزنا، وحد الخمر، وقطع السرقة، وحد المحاربين. والضرب الثاني: ما كان من حقوق الآدميين وهو شيئان: أحدهما: حد القذف بالزنا. والثاني: القود في الجنايات. أما حد الزنا فيجب بغيبوبة حشفة ذكر البالغ العاقل فِي أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ: مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، ممن لا عصمة بينهما لا شبهة.
-
ويستوي في حكم الزِّنَا حُكْمُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالَتَانِ: بِكْرٌ، وَمُحْصَنٌ. أَمَّا الْبِكْرُ فَهُوَ الَّذِي لم يطأ زوجته بِنِكَاحٍ، فَيُحَدُّ إنْ كَانَ حُرًّا، مِائَةَ سَوْطٍ تُفَرَّقُ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ إلَّا الْوَجْهَ وَالْمَقَاتِلَ، ليأخذ كل عضو حقه، بسوط لا جديد فيقتل، ولا خلق فلا يؤلم. ويغربا عاما عن بلدهما إلى مسافة تقصر فيها الصلاة وحد المسلم والكافر سواء في الجلد، والتغريب، فأما الْعَبْدُ وَمَنْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الرِّقِّ مِنْ الْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، فَحَدُّهُمْ فِي الزِّنَا خمسون جلدة على النصف من حد الحر، ولا يغرب. وأما المحصن الذي أصاب زوجته بعقد نكاح، فحده الرجم بالأحجار وما قَامَ مَقَامَهَا، حَتَّى يَمُوتَ، وَلَا يَلْزَمُ تَوَقِّي مَقَاتِلِهِ، بِخِلَافِ الْجَلْدِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّجْمِ الْقَتْلُ.
- ج ١ ص ٢٦٤
واختلفت الرواية عن أحمد: هل يجلد مع الرجم فروي عنه " لا يجلد" وروي " يجلد مائة" . وليس الإسلام شرطا في الحصانة ويرجم الكافر كالمسلم. فأما الحرية فهي من شروط الحصانة. فإذا زنا الْعَبْدُ لَمْ يُرْجَمْ، وَإِنْ كَانَ ذَا زَوْجَةٍ جلد خمسين جلدة. وَاللِّوَاطُ وَإِتْيَانُ الْبَهَائِمِ زِنًا، يُوجِبُ جَلْدَ الْبِكْرِ، ورجم المحصن. وروي عن أحمد " يوجب الفعل في حق البكر والثيب" . وروى عن أحمد رواية في إتيان البهائم " لا حد، وفيه تعزير" . وإذا زنى البكر بمحصنة، أو زنى المحصن ببكر، جُلِدَ الْبِكْرُ مِنْهُمَا وَرُجِمَ الْمُحْصَنُ. وَإِذَا عَاوَدَ الزنا بعد الحد حد: وإذا زنا مِرَارًا قَبْلَ الْحَدِّ حُدَّ لِلْجَمِيعِ حَدًّا وَاحِدًا. وَالزِّنَا يَثْبُتُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا بِإِقْرَارٍ، أَوْ بينة: أما الإقرار البالغ العاقل مختارا أربع دفعات وجب عليه الحد: وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ رَجَعَ عنه قبل الحد سقط عنه الحد. وأما البينة: فهي أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الزِّنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عدول، يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ شَاهَدُوا دُخُولَ ذَكَرِهِ فِي الْفَرْجِ، كَدُخُولِ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ: فَإِنْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذلك على هذه الصفة لم تكن شهادة. ومن شرط الشهادة: اجتماع الشهود في الأداء: فإن تفرقوا كانوا قذفة. وإذا شهدوا بالزنا بعد حين قبلت شهادتهم.
-
وَإِذَا لَمْ يُكْمِلْ شُهُودُ الزِّنَا أَرْبَعَةً فَهُمْ قذفة، يحدون: نص عليه.
- ج ١ ص ٢٦٥
وإن شهدوا بالزنا أربعة فساق أو عبيد، أو عميان ففيه روايتان: إحداهما: أنهم قذفة يحدون. والثانية: لا حد عليهم، لأن لكمال العدد تأثيرا في إسقاط الحد عن الشهود مع الحكم برد شهادتهم. وإذا شهد أربعة بالزنا، وشهد نساء ثقات بأنها بكر، لم يجب الحد على المرأة، ولا على الشهود، ولو نقص عددهم وجب الحد، ولأن العدد قد كمل، وهم من أهل الشهادة في الجملة، لأن العبيد والعميان عند أحمد رحمه الله من أهلها في الجملة، وأما الفسق فطريقه الاجتهاد، فقد يرد شهادتهم حاكم ويقبلها آخر، فهو غير مقطوع عليه، ونقصان العدد مقطوع عليه. والثالثة: أنهم إن كانوا عميانا وجب عليهم الحد، وإن كانوا عبيدا أو أحدهم عبدا لم يحدوا لأنا على كذب العميان، لأن الزنا طريقة المشاهدة: والعبيد لا يمكن القطع على كذبهم، نقلها سندي بن عبد الله الجوهري. وإذا شهدت البينة على إقراره بالزنا، لم يجز الاقتصار على شاهدين، ولا يجوز أقل من أربعة. وإذا رجم الزاني لم يحفر له بئر عند رجمه ويحفر للمرأة. وإذا رجم الزاني فهرب: نظرت. فإن رجم بالبينة اتبع حتى الموت بالرجم، وإن رجم بإقراره لم يتبع. وإذا ثبت الرجم بشهادة لم يجب علىالشهود حضور الرجم والبداءة به: وكذلك إن ثبت بإقراره، لم يجب على الإمام حضور الرجم والبداءة به ذكره أبو بكر. ولا تحد الحامل حَتَّى تَضَعَ: وَلَا بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى يُوجَدَ لولدها من يرضعه. وَإِذَا ادَّعَى فِي الزِّنَا شُبْهَةً مُحْتَمَلَةً: مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ، أَوْ جهل تحريم الزنا، وهو حديث عهد بالإسلام، درء بها سنة الحد.
- ج ١ ص ٢٦٦
وإذا أصاب ذات محرم بنكاح حُدَّ، وَلَا يَكُونُ الْعَقْدُ مَعَ تَحْرِيمِهَا بِالنَّصِّ شبهة في درء الحد. وَإِذَا تَابَ الزَّانِي بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ، وَلَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ سقط عنه الحد، وكذلك السارق والمحارب.
-
والمنصوص عنه في السارق في رواية أبي الحارث، وحنبل " إذا تاب قبل أن يقدر عليه ولم يقطع" . وقد نقل الميموني عنه لفظين في الزاني، فقال: " إذا أقر أربع مرات ثم تاب قبل أن يقام عليه الحد، تقبل توبته، ولا يقام عليه الحد " . وقال: أي الميموني وناظرته في مجلس آخر فقال: " إذا رجع عما أقر به لم يرجم، فإن تاب فمن توبته أن يطهر بالرجم" . فاللفظ الأول يقتضي قبول توبته بعد القدرة عليه، لأن إقراره إنما يكون عند الحاكم، واللفظ الثاني لا تقبل توبته بعد القدرة عليه، لأنه قال " من توبته أن يطهر بالرجم" ويحتمل أن يكون هذا بعد القدرة عليه. وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْفَعَ فِي إسْقَاطِ الحد عَنْ زَانٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمَشْفُوعِ إليه أن يشفع فيه. فأما قطع السرقة فكل مال بلغت قيمته نصابا إذاسرقه بَالِغٌ عَاقِلٌ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْمَالِ، وَلَا فِي حِرْزِهِ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، مِنْ مِفْصَلِ الْكُوعِ، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيَةً بَعْدَ قَطْعِهِ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مِفْصَلِ الْكَعْبِ، فَإِنْ سرق ثالثة، ففيه روايتان: إحداهما: لا يقطع فيهما. والثانية: تقطع في الثالثة يده اليسرى، وتقطع في الرابعة رجله اليمنى، فإن سرق الخامسة عزر ولم يقتل. وإذا سَرَقَ مِرَارًا قَبْلَ الْقَطْعِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قطع واحد. والنصاب الذي يقطع فيه مقدر بأحد شيئين: ربع دينار فصاعدا من غالب الدنانير الجيدةن أو ثلاثة دراهم من غالب الدراهم الجيدة، أو قيمة ثلاثة دراهم من جميع الأشياء. والمال الذي تقطع فيه اليد: كل ما يتمول في العادة، وإن كان أصله مباحا: كالصيد والحشيش والحطب، وكذلك في الطعام الرطب لايقطع سارقه ويقطع بسرقته أستار
ج ١ ص ٢٦٧الكعبة وقناديل المساجد، والمنصوص عنه ستارة الكعبة. وَإِذَا سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ، أَوْ أعجميا لا يفهم، قطع. ولو سرق حرا لم يقطع: نص عليه. ونقل صالح عنه إذا سرق صبيا صغيرا عليه قطع.
-
والحرز معتبر في وجوب القطع، ويختلف بحسب اختلاف الأموال، اعتبارا بالعرف فيخفف الْحِرْزُ فِيمَا قَلَّتْ قِيمَتُهُ مِنْ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ، ويغلظ فيما كثرت قيمته من الفضة والذهب: فلا يجعل حرز الخشب كحرز الذهب، فَيُقْطَعُ سَارِقُ الْخَشَبِ مِنْهُ. وَلَا يُقْطَعُ سَارِقُ الفضة والذهب مِنْهُ. وَيُقْطَعُ نَبَّاشُ الْقُبُورِ إذَا سَرَقَ أَكْفَانَ الموتى. ويقطع جاحد العارية. وإذا شد رجل متاعه على بهيمة سائرة - كما جرت بمثلة العادة - فَسَرَقَ سَارِقٌ مِنْ الْمَتَاعِ مَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ربع دينار: قطع، وَلَوْ سَرَقَ الْبَهِيمَةَ وَمَا عَلَيْهَا: لَمْ يُقْطَعْ لأنه سرق الحرز والمحرز. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: في الصناديق التي في السوق " هي حرز، فإن حمله كما هو أو أدخل يده فيه فهو سارق، عليه القطع" . وَلَوْ سَرَقَ إنَاءً مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ قطع، وإن كان استعماله محظورا، لأنه مختلف في اتخاذها.
- ج ١ ص ٢٦٨
ويفارق هذا آلة اللهو أنه لا يقطع بسرقتها، لأنه متفق على تحريم اتخاذها، ومتفق على أنه لا قيمة للتالف منها، ومختلف في ضمان الصنعة في الأواني. وإذا اشترك جماعة في نقب ودخلوا الحرز وأخرج بعضهم نصابا، ولم يخرج الآخر. فالقطع على جماعتهم. وإذا اشترك اثنان في نقب، ودخل أحدهما فأخرج المسروق، وناوله الآخر خارج الحرز، فالقطع على الداخل دون الخارج، وهكذا إذا رمى به إليه فأخذه. فإن اشترك اثنان في النقب، فدخل أحدهما وترك المتاع بقرب النقب، وأدخل الآخر يده فأخذه، قطعا جميعا. فإن اشْتَرَكَ اثْنَانِ، فَنَقَبَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَأْخُذْ، وَأَخَذَ الْآخَرُ، وَلَمْ يَنْقُبْ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وإذا هتك الحرز ودخله واستهلك المال فيه، أغرم وَلَمْ يُقْطَعْ. وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ وَالْمَالُ بَاقٍ رُدَّ عَلَى مَالِكِهِ، فَإِنْ عَادَ السَّارِقُ بَعْدَ قطعه فسرقه ثانية بعد إحرازه، قطع. فإن استهلك السارق ما سرقه قطع وأغرم، وَإِذَا وُهِبَتْ لَهُ السَّرِقَةُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ القطع وَإِذَا عَفَا رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْقَطْعِ، لَمْ يسقط. وَيَسْتَوِي فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ. وَلَا يُقْطَعُ صَبِيٌّ وَلَا مجنون.
-
ويقطع السكران إذا سرق في سكره وَلَا يُقْطَعُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا سَرَقَ فِي إغْمَائِهِ. وَلَا يُقْطَعُ عَبْدٌ سَرَقَ مِنْ مَالِ سيده، ولا أب سرق من مال ولده. ويقطع الأقارب بسرقة بعضهم من بعض، سوى الوالدين والمولودين. وأما حدّ الخمر فكل ما أسكر كثيره من خمر أو نبيذ، حُدَّ شَارِبُهُ، سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يسكر.
- ج ١ ص ٢٦٩
وفي قدر الحد روايتان: إحداهما: ثمانون، والثانية: أربعون بالسوط، كسائر الحد. وقيل: بِالْأَيْدِي وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ. وَيُبَكَّتَ بِالْقَوْلِ الْمُمِضِّ، وَالْكَلَامِ الرادع. ولو حد ثمانون، أو أربعون - على اختلاف الروايتين - فإن حدّ زيادة على ذلك فَمَاتَ، ضُمِنَتْ نَفْسُهُ. وَفِي قَدْرِ مَا يُضْمَنُ وجهان، خرجهما أبو بكر. أحدهما: جميع ديته، لأن نصف حده نص، ونصف حده مزيد، والأول أشبه بكلام أحمد، لأنه قد نص في الإجارة " إذا أخذ أجرة حمل أرطال معلومة، فزاد عليها: ضمن القيمة، ولم يسقط الضمان" . ولو شربها لعطش، حد، لأنها لا تروي، وكذلك لو شربها لدواء لأنه ممنوع من شربها للدواء، لما روى أحمد بإسناده عن طارق بن سويد " أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر، وقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: إنها ليست بدواء، ولكن داء" . وَإِذَا اعْتَقَدَ إبَاحَةَ النَّبِيذِ حُدَّ، وَإِنْ كَانَ على عَدَالَتِهِ. وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يُقِرَّ بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ، أَوْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّهُ شَرِبَ مختارا، وهو يعلم أنه مسكر.
- ج ١ ص ٢٧٠
وَحُكْمُ السَّكْرَانِ: فِي جَرَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ كَالصَّاحِي، إذَا كَانَ عَاصِيًا بِسُكْرِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ حكم المعصية، بأن شرب ما لا يعلم أنه مسكر، أو أكره على شربه على إحدى الروايتين لم يجر عليه قلم، كالمغمى عليه.
-
فأما حد السكران الذي يمنع صحة العبادات ويوجب الفسق على شارب النبيذ، فهو الذي يجمع بَيْنَ اضْطِرَابِ الْكَلَامِ فَهْمًا وَإِفْهَامًا، وَبَيْنَ اضْطِرَابِ الحركة مشيا وقياما، فيتكلم بِلِسَانٍ مُنْكَسِرٍ، وَمَعْنًى غَيْرِ مُنْتَظِمٍ، وَيَتَصَرَّفَ بِحَرَكَةِ مختبط، ومشي متمايل، أومأ إليه أحمد في رواية حنبل، فقال: " السكران الذي إذا وضع ثيابه في ثياب لم يعرفها، وإذا وضع نعله بين تعال لم يعرفها، وإذا هذي فأكثر كلامه، وكان معروفا بغير ذلك" . وحكى عن أبي حنيفة حده مازال مَعَهُ الْعَقْلُ، حَتَّى لَا يُفَرِّقَ بَيْنَ الْأَرْضِ والسماء، ولا يعرف أمه من زوجته. وأما حد القذف واللعان فحد القذف بالزنا ثمانون جلدة وهي حق لآدمي يستحق بالطلب ويسقط بالعفو. فإذا اجتمعت بالمقذوف بالزنا خمسة شروط، وفي قاذفه ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ وَجَبَ الْحَدُّ فِيهِ. أَمَّا الشُّرُوطُ الخمسة التي في المقذوف، فيهي أن يكون بالغا، عاقلا، حرا، مسلما، عَفِيفًا، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ عبدا، أو كافرا، أو ساقط العفة بِزِنًا حُدَّ فِيهِ، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ لكن يغزر لأجل الأذى ولتبرئة اللسان. وقد قال الخرقي " ومن قذف عبدا أو مشركا، أو مسلما له دون العشر سنين، أو مسلمة لها دون التسع سنين، أدب ولم يحد" . وظاهر هذا: أنه إذا كان له عشر سنين، أو تسع سنين حد القاذف، وإن لم يبلغ يحد قاذفه. وَأَمَّا الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ فِي الْقَاذِفِ: فَهِيَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا، حُرًّا، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يُحَدَّ وَلَمْ يُعَزَّرْ، وَإِنْ كان عبدا حد أربعين، نصف حد الحر لنقصه بالرقز ويحد الكافر كالمسلم، والمرأة كالرجل. ويفسق القاذف ولا تقبل شهادته، فَإِنْ تَابَ زَالَ فِسْقُهُ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الحد وبعده. والقذف باللواط وإتيان البهائم كالقذف بالزنا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ. وَلَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ بِالْكُفْرِ وَالسَّرِقَةِ، وَيُعَزَّرُ لِأَجْلِ الْأَذَى. وَالْقَذْفُ بِالزِّنَا مَا كان صريحا، كقوله: يا زاني، أو قد زنيت ن أو رأيتك تزني، فإن قال ثا فَاجِرُ، أَوْ يَا فَاسِقُ، أَوْ يَا لُوطِيُّ، كَانَ كِنَايَةً لِاحْتِمَالِهِ، فَلَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، إلا أن يريد القذف.
- ج ١ ص ٢٧١
فإن قال: يا عاهر.
-
احتمل أن يكون كناية أيضا، واحتمل أن يكون صريحا، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " وللعاهر الحجر" . واختلفت الرواية عن أحمد في التعريض: هل يوجب الحد كالصريح؟ على روايتين:
إحداهما: يجب به الحد كالصريح. والثانية: لا يجب به الحد، حتى يقر أنه أراد به القذف. والتعريض: أن يقول في حال الغضب جوابا لمن سابه: يا حلال ابن الحلال، خلقت من نطفة حلال، ما أنت بزان، ولا أمك بزانية، ولا يعرفك الناس بالزنا، ونحو قوله لزوجته، فضحتيني، وغطيت رأسي، وصيرت لي قرونا وتعلقين على الأولاد من غيري وقد نكست رأسي ونحو ذلك. وإذا قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ كَانَ قَاذِفًا لِأَبَوَيْهِ، فيحد لهما إذا طالبا به. وإذا مات المقذوف سقط الحد عن القاذف، إذا لم يطالب، فإن كان طالب لم يسقط. فإن قذف ميتا، فهل يثبت لوارثه المطالبة بحد القذف، اختلف أصحاب أحمد. فقال أبو بكر في كتاب الخلاف " لا يملك الوارث المطالبة، كما لو قذف حيا ومات قبل المطالبة " . وقال الخرقي " ولو قذف أمه – وهي ميتة – مسلمة، كانت أو كافرة، حرة أو أمة حد القاذف إذا طالب الابن وكان حرا مسلما" . فقد أثبت المطالبة بحد القذف، لأن الحق هماك ثبت للوارث ابتداء: ولهذا اعتبرنا حصانة الوارث دون الموروث، لأن هذا القذف يعود بالقدح في نسبه. وَلَوْ أَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ حَدِّ القذف بمال، لم يجز. وَإِذَا لَمْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ لم يسقط القذف. وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا حُدَّ لَهَا إلَّا أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهَا. وَاللِّعَانُ أَنْ يَقُولَ في الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ عِنْدَهُ، بِمَحْضَرٍ مِنْ الحاكم وشهود أقلهم أربعة: " أشهد بالله إنني لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي هَذِهِ مِنْ الزِّنَا بِفُلَانٍ، وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْ زنى، ماهو مني" . إن أراد أن ينفي ولدا، وَيُكَرِّرَ ذَلِكَ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَقُولَ فِي الْخَامِسَةِ " وعلىّ لعنة الله إنْ كُنْتُ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ من الزنى بِفُلَانٍ" .
-
إنْ كَانَ ذَكَرَ الزَّانِيَ بِهَا " وَأَنَّ هذا الولد من زنا ما هُوَ مِنِّي" فَإِذَا قَالَ هَذَا فَقَدْ أَكْمَلَ لعانه وسقط به حدّ القذف عنه.
- ج ١ ص ٢٧٢
وتلاعن هي فَتَقُولَ " أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ زَوْجِي هَذَا لَمِنْ الكاذبين فيما رماني به من الزنى بفلان. وأن هذا الولد منه ما هو من زنى، تُكَرِّرُ ذَلِكَ أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ " وعليّ غضب الله إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنى بفلان" فإذا قالت ذلك فلا حدّ عليها وانتفى الولد عن الزوج، ولم تقع الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما. فإن التعن الزوج ولم تلتعن هي فلا حد عليها: وهل تحبس حتى تلاعن أو تقر؟ على روايتين. إحداهما: تحبس. والثانية: لا تحبس. وإذا قذفت المرأة زوجها. حدت ولم تلتعن. وإذا أكذب الزوج نفسه بعد لعانه لحق به الولد، وحد القذف، ولم تحل له الزوجة في إحدى الروايتين، والأخرى تحل له. وأما قود الجنايات وعقلها. فالجنايات على النفوس ثلاث: عمد، وخطأ، وشبه الْخَطَإِ. فَأَمَّا الْعَمْدُ الْمَحْضُ. فَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَ النَّفْسِ بِمَا يُقْطَعُ بِحَدِّهِ، كَالْحَدِيدِ، أَوْ بِمَا يَمُورُ فِي اللَّحْمِ مَوْرَ الْحَدِيدِ أَوْ يَقْتُلُ غَالِبًا بِثِقَلِهِ، كَالْحِجَارَةِ، وَالْخَشَبِ، فَهُوَ قَتْلٌ عمد يوجب القود. وحكم العمد: أن يكون ولي المقتول فيه مخيرا، مع تكافؤ الدمين، بين القود أو الدية، وَوَلِيُّ الدَّمِ هُوَ وَارِثُ الْمَالِ، مِنْ ذَكَرٍ أو أنثى، بفرض أو تعصيب. وَلَا قَوَدَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى اسْتِيفَائِهِ. فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمْ سَقَطَ الْقَوَدُ وَوَجَبَتْ الدية. وَإِذَا كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ لَمْ يكن للبالغ أو العاقل أن ينفرد حتى يبلغ الصبي، ويفيق المجنون. وتكافؤ الدمين: أَنْ لَا يَفْضُلَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ بِحُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ. فَإِنْ فَضُلَ الْقَاتِلُ عَلَيْهِ بِأَحَدِهِمَا، فَقَتَلَ حُرٌّ عَبْدًا أَوْ مُسْلِمٌ كَافِرًا، فَلَا قود.
- ج ١ ص ٢٧٣
وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَإِنْ فَضُلَتْ قِيمَةُ الْقَاتِلِ على المقتول. وإذا اختلفت أديان الكفار أقيد بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. وَيُقَادُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ، وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالْعَاقِلُ بِالْمَجْنُونِ.
-
وَلَا قَوَدَ عَلَى صبي ولا مجنون، ولا يقاد والد بولده ويقاد الولد بوالده والأخ بأخته. وأما الخطأ المحض فهو أن ينتسب إليه القتل من غير قصد لإيقاع الفعل بالمقتول كرجل رمى هدفا فأصاب إنْسَانًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، أَوْ أَشْرَعَ جَنَاحًا فَوَقَعَ عَلَى إنْسَانٍ، أَوْ ركب دابة فرمحت إنسانا، أو وضع حجرا في طريق فتعثر به إنسان، فهذا وما أشبهه إذا حدثت عَنْهُ الْمَوْتُ: قَتْلٌ خَطَأٌ مَحْضٌ، يُوجِبُ الدِّيَةَ دُونَ الْقَوَدِ، وَتَكُونُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي، لَا فِي مَالِهِ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ حين يموت القتيل. والعاقلة: من عدا الآباء والأبناء من العصبات، فلا يتحمل الْأَبُ وَإِنْ عَلَا، وَلَا الِابْنُ وَإِنْ سَفَلَ في إحدى الروايتين، والأخرى: الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ مِنْ الْعَاقِلَةِ. وَلَا يَتَحَمَّلُ الْقَاتِلُ مع العاقلة شيئا من الدية. وَاَلَّذِي يَتَحَمَّلُهُ الْمُوسِرُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ نصف دينار، أو بقدره من الإبل، ويتحمل المتوسط ربع دينار أو بقدره مِنْ الْإِبِلِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ الْفَقِيرُ شَيْئًا مِنْهَا، ومن أيسر بعد فقر تحمل ومن افتقر بعد يسار لم يتحمل. وهذا الذي ذكرنا من التقدير اختيار أبي بكر، وذكره في مختصره التنبيه. وظاهر كلام أحمد: أن ما يوضع على كل واحد من العاقلة غير مقدر، وإنما هو على حسب الاجتهاد فيما يمكن ويسهل، ولا يضر به. وفي رواية الميموني " على قدر ما يحتمل القوم" .