فصل في وضع الديوان، وذكر أحكامه
١٥٢ فقرة، ج ١ ص ٢٣٦
الصفحة ٣ من ٤
- ج ١ ص ٢٧٤
ودية الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، إنْ قُدِّرَتْ ذَهَبًا: أَلْفُ دِينَارٍ مِنْ غَالِبِ الدَّنَانِيرِ الْجَيِّدَةِ، وَإِنْ قُدِّرَتْ وَرِقًا: اثنا عشر ألف دِرْهَمٍ. وَإِنْ كَانَتْ إبِلًا فَهِيَ مِائَةُ بَعِيرٍ أخماسا: عشرون ابن مخاض، وعشروة ابنة مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. وإن قدرت بالبقر فمائتي بقرة أسنان الزكاة. وإن قدرت غنما ألفا شاة أسنان الزكاة. وللدية أصول خمس: إبل، وبقر، وغنم وذهب، وفضة. واختلف الرواية عن أحمد في الحلل، فروى عنه مائتا حلة من حلل اليمن، قيمتها ستون درهما، وروي عنه ليست بأصل.
-
ودية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس، وأما في الأطراف فتساوي دية الرجل إلى ثلث الدية، فإذا زادت على الثلث فعلى النصف من دية الرجل. واختلف الرواية عن أحمد في دية اليهودي والنصراني، فروي عنه نصف دية المسلم. وروي عنه ثلث دية المسلم. فأما الْمَجُوسِيُّ فَدِيَتُهُ ثُلُثَا عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، ثَمَانِمِائَةِ درهم، وهذا في قتله الخطأ. فأم قتله عمدا، فدية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم، ودية المجوسي: الضعف من ديته ألف وستمائة. وَدِيَةُ الْعَبْدِ: قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ، وَإِنْ زَادَتْ على دية الحر أضعافا. وَأَمَّا الْعَمْدُ شِبْهُ الْخَطَإِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَامِدًا فِي الْفِعْلِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْقَتْلِ، كَرَجُلٍ ضرب رجلا بخشبة أو رماه بحجر يجوز أن يسلم من مثلها وأن يتلف، فأفضى إلى تلفه فلا قود في هذا، وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُغَلَّظَةً. وَتَغْلِيظُهَا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ: أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا ثُلُثُهَا، وَفِي الإبل: أن يكون أرباعا: خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة ,وخمس وعشرون جذعة.
- ج ١ ص ٢٧٥
وفي رواية أخرى: أنها أثلاثا: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. ودية الخطأ المحض، في الجرم، وفي الأشهر الحرم، والإحرام، وعلى ذي الرحم مغلظة. ودية العمد المحض إذا عفا فِيهِ عَنْ الْقَوَدِ: مُغَلَّظَةٌ، تُسْتَحَقُّ فِي مَالِ القاتل حالة وقد ذكرنا صفة التغليظ. وإذا اشترك الجماعة في قتل الواحد، وجب القود على جميعهم، وإن كثروا، ولولي الدم أن يعفو عمن شاء منهم، ويقتل باقيهم، فإن عفا عن جميعهم فعليهم دية واحدة تقسط بينهم على أعداد رؤوسهم. فإن كان بعضهم جارحا وبعضهم ذابحا أو موجئا فالقود في النقس على الذابح والموجئ والجارح مأخوذ بالجراحة دون النفس. وفيه رواية أخرى: على كل واحد منهم دية كاملة، نقلها الفضل بن زياد واختارها أبو بكر في جملة مسائل أفردها. فإن قتل الواحد جماعة، فحضر أولياء الجميع، فطلبوا القصاص، قتل بجماعتهم، ولا دية عليه.
-
وإن طلب بعضهم القود، وبعضهم الدية، قتل لمن طلب القصاص، ووجبت الدية لمن طلب الدية، سواء كان المطالب للدية ولي المقتول أولا أو ثانيا. أما إذا طلب جيمعهم القصاص فإنما سقط حقهم من الدية، لأن القصاص قد ثبت لولي كل واحد منهم على الانفراد، بدليل أنه لو عفا ولي المقتول الأول وجب القصاص لولي الثاني ولو سبق الثاني بقتل القاتل كان آخذا بحقه، فإذا رضيا جميعا بالقصاص فقد رضي كل واحد منهما بنصف حقه بعد ثبوته وأسقط الباقي، فيجب أن يسقط، كما قلنا في أشلّ قطع يده صغيرة فالمجني عليه بالخيار بين أخذ الدية - وهو بدل يده - وبين القصاص من الشلاء، ولا شيء له. وإذا طلب بعضهم القود وبعضهم الدية، كان لكل واحد منهم ما طلب، أنها جنايات لو كانت خطأ لم تتداخل، فإذا كانت عمدا لم تتداخل كما لو قطع يمنى رجلين: أنه يقطع لأحدهما ويغرم للآخر. وَإِذَا أَمَرَ الْمُطَاعُ رَجُلًا بِالْقَتْلِ، فَالْقَوَدُ عَلَى الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ مَعًا، وَلَوْ كَانَ الْآمِرُ غَيْرَ مُطَاعٍ، كَانَ الْقَوَدُ عَلَى الْمَأْمُورِ، دُونَ الْآمِرِ. وكذلك لو أكره رجل على القتل، وجب القود على المكره والمكره.
- ج ١ ص ٢٧٦
وَأَمَّا الْقَوَدُ فِي الْأَطْرَافِ فَكُلُّ طَرَفٍ قُطِعَ من مفصل ففيه القود، فتقاد اليد باليد، والرجل بالرجل، والأصبع بالأصبع، والإبهام بالإبها، وَالسِّنِّ بِمِثْلِهَا، وَلَا تُقَادُ يُمْنَى بِيُسْرَى، وَلَا عليا بسفلى، ولا ضرس بسن، لا ثَنِيَّةٌ بِرُبَاعِيَّةٍ، وَلَا يُؤْخَذُ بِسِنِّ مَنْ قَدْ ثغر سن لَمْ يَثْغَرْ. وَلَا تُؤْخَذُ يَدٌ سَلِيمَةٌ بِيَدٍ شلاء، ولا لسان ناطق بأخرس، وَتُؤْخَذُ الْيَدُ الْكَاتِبَةُ وَالصَّانِعَةُ بِيَدِ مَنْ لَيْسَ بكاتب ولا صانع، وَلَا تُؤْخَذُ الْعَيْنُ الْقَائِمَةُ وَالْيَدُ الشَّلَّاءُ إلَّا بمثها. ويقاد أنف الذي يشم بأنف الأخشم، وأذن السميع بأذن الأصم. وَيُقَادُ مِنْ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيِّ، وَمِنْ الشَّرِيفِ بِالدَّنِيءِ.
-
فإن عفي عن القود في هذه الأطراف إلى الدية، ففي اليدين، الدية كاملة، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ: عُشْرُ الدِّيَةِ، وَهُوَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي كل واحدة من أنامل الأصابع: ثلاثة أبعرة وثلث، وإلا أُنْمُلَةَ الْإِبْهَامِ، فَفِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ. وَدِيَةُ الرجلين كاليدين إلَّا فِي أَنَامِلِهِمَا فَيَكُونُ فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ. وَفِي الْعَيْنَيْنِ: الدِّيَةُ. وَفِي الجفون الأربع: جميع الدية، وفي كل عضو مِنْهَا: رُبْعُ الدِّيَةِ وَفِي الْأَنْفِ: الدِّيَةُ، وَفِي الْأُذُنَيْنِ: الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا: نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي اللسان: الدية وفي الشفتين: الدية، وفي إحداهما نصف الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ سِنٍّ: خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، ولا فضل لضرس على سن، ولا لثنية على ناجذ. وفي ذهاب السمع: الدية، وفي ذهاب الشم، الدية، فإن قطع أذنه فأذهب سمعه فعليه ديتان، وكذا لو قطع أنفه فذهب شمه، فعليه ديتان. وفي ذهاب الْكَلَامِ: الدِّيَةُ، فَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَأَذْهَبَ كَلَامَهُ، فعليه دية واحدة، وفي ذهاب العقل: الدية، وفي الذكر: الدية. وفي ذكر الخنثي والعنين حكومة مقدرة بثلث الدية. وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ: الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا: نِصْفُ الدِّيَةِ، وفي الإليتين: الدية، وفي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ: دِيَتُهَا، وفي أحدهما: نصف الدية، وفي ثديي الرجل: الدية.
- ج ١ ص ٢٧٧
وأما شجاج الرأس فأولهما: الحارصة: وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي الْجِلْدِ، وَلَا قَوَدَ فيها، وفيها حكومة. ثم الدامية: وهي التي قد أَخَذَتْ فِي الْجِلْدِ، وَأَدَمَتْ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ. ثُمَّ الدامعة: وهي التي قد خرج دمها من قطع الجلد كالدمعة، وَفِيهَا حُكُومَةٌ. ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ: وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ الجلد وَأَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ. ثُمَّ الْبَاضِعَةُ: وهي التي قطعت اللحم بعد الجلد، حتى ظهر، وَفِيهَا حُكُومَةٌ. ثُمَّ السِّمْحَاقُ: وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ جَمِيعَ اللَّحْمِ بَعْدَ الْجِلْدِ وَأَبْقَتْ عَلَى عَظْمِ الرَّأْسِ غِشَاوَةً رَقِيقَةً، وَفِيهَا حُكُومَةُ. وَحُكُومَاتُ هَذِهِ الشِّجَاجِ: تَزِيدُ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهَا. ثُمَّ الْمُوضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ الْجِلْدَ وَاللَّحْمَ وَالْغِشَاوَةَ وَأَوْضَحَتْ عن العظم، وفيها القود، فإن عفا عَنْهَا فَفِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ.
-
ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وهي التي أوضحت عن العظم حتى ظهر وشهمت عَظْمَ الرَّأْسِ حَتَّى تَكَسَّرَ وَفِيهَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، فَإِنْ أَرَادَ الْقَوَدَ مِنْ الْهَشْمِ لَمْ يكن له، وإن أراد من الموضحة أقيد لَهُ مِنْهَا، وَأُعْطِي فِي زِيَادَةِ الْهَشْمِ خَمْسًا من الإبل، هذا قياس قول أحمد، وأنه يجمع بين القصاص فيما يصح القصاص فيه، والأرض فيما لم يقتض منه. لأنه قال في رواية ابن منصور: في صحيح فقأ عين أعور عمدا " فإن أحب أن يستقيد من إحدى عينيه فله نصف الدية، وإن أحب أخذ الدية كاملة" . وقياس قول أبي بكر: إن اختار القصاص لم يكن له أرش، لأنه قال: " فيمن قطع يدا تامة الأصابع ويده ناقصة أصبع، فاختار القصاص وأخذ دية إصبع قال" ليس له دية الأصبع" وحكم المسألتين سواء.
- ج ١ ص ٢٧٨
ثم المنقلةك وهي التي قد أَوْضَحَتْ وَهَشَّمَتْ حَتَّى شَظِيَ الْعَظْمُ وَزَالَ عَنْ موضعه فاحتاج إلَى نَقْلِهِ وَإِعَادَتِهِ، وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الإبل، فإن استقاد من الموشحة أعطى في الهشم والتنقيل عشر مِنْ الْإِبِلِ. ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ، وَتُسَمَّى الدَّامِغَةَ، وَهِيَ الواصلة إلى أم الدماغ وفيها ثلث الدية. فأما جراح الجسد فلا يتقدر دية شيء منها إلا الجائفة، وَهِيَ الْوَاصِلَةُ إلَى الْجَوْفِ، وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ. ولا قود في جراح الجسد إلا في الموضحة عن عظم، وفيها حكومة. وإذا قطع أطرافه واندملت وجب عَلَيْهِ دِيَاتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَافَ دِيَةِ النَّفْسِ، وَلَوْ مَاتَ مِنْهَا قَبْلَ انْدِمَالِهَا كَانَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ النَّفْسِ، وَسَقَطَتْ دِيَاتُ الْأَطْرَافِ، وَلَوْ مَاتَ بعد اندمال بعضها وجب عليه دية النفس وفيها لم يندمل مع دية الأطراف فيما اندمل. وفي لسان الأخرس، ويد الأشل، والأصبع الزائدة، والعين القائمة، حكومة وهي مقدرة بثلث دية اللسان، واليد، والأصبع والعين. والشجاج التي دون الموضحة فيها حكومة غير مقدرة. وَالْحُكُومَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، أَنْ يُقَوِّمَ الْحَاكِمُ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يُجْنَ عليه، ثم يفوم لو كان عبدا بع الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَيُعْتَبَرَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ، فَيَكُونَ قَدْرُ الْحُكُومَةِ فِي جِنَايَتِهِ.
-
وَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ مِنْ الضَّرْبِ جَنِينًا مَيِّتًا، فَفِيهِ - إذَا كَانَ حُرًّا - غُرَّةُ: عَبْدٍ، وأمة يستوي فيه الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. وَعَلَى كُلِّ قَاتِلِ نَفْسٍ ضَمِنَ ديتها: الكفارة عامدا كان أو خاطئا، وفيها رواية أخرى، لا كفارة في قتل العمد. وَالْكَفَّارَةُ: عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ المضرة بالعمل، فإن أعسر بها صام شهين متتابعين، فإن عجز عنهما فهل ينتقل إلى الإطعام؟ على وجهين: أحدهما: يطعم ستين مسكينا، والثاني: لا شيء عليه.
-
وَإِذَا ادَّعَى قَوْمٌ قَتْلًا عَلَى قَوْمٍ وَمَعَ الدعوى لوث (٣) . -وهو العداوة الظاهرة- فيكون القول قول المدعى. فيحاف خمسين يمينا. ويحكم له بالدية فى الدعوى الخطأ. وفى العمد القود. ولو نكل المدعى عن الأيمان او بعضها, حلف المدعى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا. وَبَرِئَ.
- ج ١ ص ٢٧٩
وَإِذَا وَجَبَ الْقَوَدُ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِيفَائِهِ إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ فَإِنْ كَانَ فِي طَرَفٍ لَمْ يُمَكِّنْهُ السُّلْطَانُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ حَتَّى يَتَوَلَّاهُ غَيْرُهُ. وأجرة إلي يتولاه في مال المقتص منه. ذكره أبو بكر. فَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي نَفْسٍ جَازَ أَنْ يأذن له السلطان في استيفائه بنفسه، إن كان ثابت النفس عند استيفائه، وإلا استوفاه السلطان بأوحى سيف وأمضاه. فإذا انفرد وَلِيُّ الْقَوَدِ بِاسْتِيفَائِهِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، ولم يتعد، عزره السلطان، لاقتنائهئن وقد صار إلى حقه بالقود، فلا شيء عليه. وما التعزير فهو تأديب على ذنوب لم تشرح فيها الحدود. ويختلف حكمه باختلاف حاله وأحواله فاعله. فيوافق الحدود من وجه، وهو أنه تأديب استصلاح وزجر، ويختلف بحسب اختلاف الذنب، ويخالف الحدود من وجهين. أحدهما: أن تأديب ذي الهيئة مِنْ أَهْلِ الصِّيَانَةِ أَخَفُّ مِنْ تَأْدِيبِ أَهْلِ البذاء وَالسَّفَاهَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" . فَإِنْ تُسَاوَوْا فِي الْحُدُودِ الْمُقَدَّرَةِ، فَيَكُونُ تَعْزِيرُ مَنْ جَلَّ قَدْرُهُ، بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ. وَتَعْزِيرُ مَنْ دونه: بزاجر الكلام، وغاية الاستخفاف الذي لا قذف فيه ولا سب، ثم يعد بمن دون ذلك إلى الحبس، الذي ينزلون فيه على حسب رتبهم، وَبِحَسَبِ هَفَوَاتِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ يَوْمًا، وَمِنْهُمْ من يحبس أكثر منه إلى غير غاية مقدرة، ثُمَّ يُعْدَلُ بِمَنْ دُونَ ذَلِكَ إلَى النَّفْيِ والإبعاد، إذا تعدت ذنوبه إلى اجتلاب غيره إليها، واستضراره بها.
-
وقد قال أحمد رحمه الله، ورضي عنه: في المخنث في رواية المروزي " حكمه أن ينفي" وقال في رواية إسحاق - وقد سئل عن التعزير في الخمر- قال: " لا، إلا في الزنا والمخنث" . وعامة نفيه مقدر بما دون الحول، ولو بيوم، لئلا يصير مساويا لتغريب الحول في الزنا.
- ج ١ ص ٢٨٠
ثُمَّ يُعْدَلُ بِمَنْ دُونَ ذَلِكَ إلَى الضَّرْبِ، ينزلون عَلَى حَسَبِ الْهَفْوَةِ، فِي مِقْدَارِ الضَّرْبِ وَبِحَسَبِ الرتبة في الامتهان والصيانة، وأكثر ما ينتهي إليه الضرب في التعزير، معتبر بالجرم. فإن كان الذنب في التعريض بالزنا روعي ما كان منه، فإن أصاب منها بوطء دون الفرج ضرب تسعة وتسعين سوطا، إن كان حرا، وإن كان عبدا تسعة وأربعين سوطا لينقص عن أكثر الحدود، وفي معناه وطء الشريك في الفرج للأمة المشتركة، ووطء الأب جارية ابنه، ووطء جارية نفسه بعد أن زوجها، أو وطء جارية امرأته بعد أن أذنت له في وطئها، وقد نص على هذا في رواية أبي الحارث، وأبي طالب، والميموني في الرجل يطأ جارية بينة وبين شريكه " يجلد إلا سوطا" كذا قال سعيد بن المسيب. وقال في رواية، ابن نختان في رجل فجر بامرئ فيما دون الفرج يضرب مائة، لأن عليا أتى برجل وجد مع امرأة في لحافها، فضربه مائة. وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم، وصالح، "إذا وطئ جارية امرأته وقد أحلتها له، يرجم" . وإن وجدوهما في إزار ولا حائل بينهما متباشرين غير متعاطيين للجماع، أو وجدوهما غير مباشرين، أو وجدوهما في بيت متبذلين عريانين غير مباشرين، أو وجدوهما يشير إليها وتشير إليه بغير الكلام، أو وجدوه يتبعها ولم يقفوا على ذلك، فضربه مبني على أدنى الحدود، فإن قلنا: أدناهما ثمانون في تحد الشرب، ضرب تسعة وتسعين، إن كان حرا وتسعة وثلاثين إن كان عبدا، لينقص عن أدنى الحد ". قال في رواية ابن منصور: في رجل وجد مع امرأة في لحافها، قال علي " يجلد مائة " وعلى مذهبنا لا يجلد وعليه تعزير والتعزير دون عشر جلدات.
-
وكذلك قال، في رواية أحمد بن سعيد بن عبد الخالق في اللوطي " إذا أولج وخالط، فالجم أحصن أو لم يحصن، فإذا وجد على ظهره، أو معه، يؤدب كما يصنع به إذا وجد مع امرأة ". وقال في رواية أبي الصقر " إذا قال الرجل، يا مرابي، يا شارب الخمر، يا عدو الله، يا خائن، يا ظالم، يا كاذب،: عليه في هذا كله أدب، والأدب من ثلاثة إلى عشرة ". وكذلك قال في رواية صالح " أذهب إلى حديث علي: أنه ضرب النجاشي عشرين لإفطار في رمضان بعد ضربه ثمانين".
- ج ١ ص ٢٨١
وقال الخرقي " ولا يبلغ بالتعزير الحد، وأدنى الحدود أربعون. إذا قلنا: حد شارب الخمر ثمانون، وإن قلنا: أربعون، فأدناها عشرون في حق العبد" . فإن سرق من حرز مثله أقل من نصاب، أو سرق نصابا من غير حرز غرم مثليه وقد نص على ذلك في سرقة الثمار المعلقة. وقا لأيضا في رواية ابن منصور، في الضالة المكتومة، " إذا أزلت عنه القطع، فعليه غرامة مثلها" . وإن جمع المتاع في الحرز واسترجع منه قبل إخراجه، أو نقب الحرز ودخل ولم يأخذ، أو نقب الحرز ولم يدخل، ولم يأخذ، أو تعرض للنقب، أو ليفتح بابا ولم يفعل، غزر أدنى الحدود ولم يبلغ به. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب: " إذا جمعه في البيت وكوره ولم يخرجه، يؤدب ولا يقطع، فإن أخذ الثوب وشقه يقطع ويضرب" . وما عدا هذين الذنبين - أعني الزنا والسرقة - فلا يبلغ في تعزيره أدنى الحدود، وقد حكينا كلامه فيمن افترى على غيره بالكلام فقال: يا ظالم، يا مرابي، يا كذاب يؤدب من ثلاثة إلى عشرة. فهذا الكلام في أحد الوجوه التي يختلف فيه التعزير والحدود. والوجه الثاني أن الحد لا يجوز العفو عنه، ولا تسوغ الشفاعة فيه، فهل يجوز في التعزير العفو وتسوغ الشفاعة فيه؟. نظرت، فإن تعلق بحق آدمي وعفا عن حقه جاز عفوه. قال في رواية الأثر: في رجل قذف رجلا، فقدمه إلى السلطان: هل له أن يعفو بعد ما رفعه إلى السلطان؟ فقال " إذا كان في نفسه فهو حق له، وإذا قذف أبه فهو شيء يطلبه لغيره" .
-
فقد أجاز العفو بد الترافع فيما كان حقا لآدمي، وأبطله إذا عفا عما كان حقا لأبيه. ونقل ابن منصور عنه " إذا افترى على أبيه - وقد هلك - فعفا ابنه قال: عفوه جائز" . فقد أجاز ههنا عفوه فيما كان لأبيه. وهذا محمول على أن الافتراء على الأب كان بعد موته، فيتعلق الحق بالابن، ولهذا قلنا، إذا قذف أمه وهي ميتة كانت المطالبة للابن.
- ج ١ ص ٢٨٢
فأما في حق السلطنة، فهل يسقط بعفو صاحبه إذا كان السلطان يرى أن المصلحة في استيفائه؟ ظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى، أنه يسقط، لأنه لم يفرق، ويحتمل أن لا يسقط، للتهذيب والتقويم. وإن تعلق بحق الله تعالى، فهل يجوز للسلطان إسقاطه؟. قال في رواية ابن منصور، في الرجل يضرب رقيقه، قال: إي والله، يؤدبه على ترك الصلاة، وعلى المعصية، ويعفو عنه فيما بينه وبينه ". وظاهر هذا عدم جواز العفو فيما تعلق بحق الله تعالى، وهو ترك الصلاة. وكذلك قال في رواية حنبل في شاهد الزور" ذاك إلى السلطان، إن شاء عاقبه " فقد خيره في ترك تعزيره. وذكر في رسالة الأصطخري " ومن طعن على أحد من الصحابة وجب على السلطان تأديبه وليس له أن يعفو عنه ". وظاهر هذا أنه لا يجوز العفو عنه. ولو تشاتم وتواثب والده مع ولده، سقط تعزير الوالد في حق والده، ولم يسقط تعزير الولد في حق والده، كما لا يسقط في حد القذف، ويكون تعزيره مختصا بحق السلطنة. وهل يجوز لولي الأمر أن يعفو عنه؟ يخرج على الروايتين. ولا يجوز له العفو مع مطالبة الوالد، لأنه حق له. والتعزير لا يُوجِبُ ضَمَانَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنْ التَّلَفِ وكذلك الْمُعَلِّمُ إذَا ضَرَبَ صَبِيًّا أَدَبًا مَعْهُودًا فِي العرف، فأفضى إلى تلفه، وكذلك الزوج إذا ضرب عند النشوز وتلفت فلا ضمان عليه. وقد نص على ذلك في رواية أبي طالب وقد سئل: هل بين المرأة وزوجها قصاص؟ فقال: " إذا كان في أدب بضربها فلا ". وكذلك نقل بكر بن محمد " في الرجل يضرب امرأته، فيكسر يدها أو رجلها، أو يعقرها على وجه الأدب، فلا قصاص عليه ".
-
وذكر أبو بكر الخلاف في كتاب الأدب فقال " إذا ضرب المعلم الصبيان ضربا غير مبرح وكان ذلك ثلاث فليس بضامن " وعلى قياس هذا الأب إذا أدب ابنه.
- ج ١ ص ٢٨٣
فأما صفة الضرب في التعزير فيجوز بالعصا وبالسوط الذي كسرت ثمرته كالحد، ولا يجوز بسوط لم تكسر ثمرته. وقد قال أحمد في رواية إبراهيم بن هانئ: والزني أشد ضربا من القاذف، قيل له: يقطع الثمرة؟ قال: نعم سوطا بين سوطين ". ويعطى كل عضو حقه، ولا يجوز أن يبلغ بتعزيره إنهار دمه. وَضَرْبُ الْحَدِّ يَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ فِي الْبَدَنِ كله إلا المقاتل. ولا يجوز أن يجمع على موضع واحد من الجسد، والتعزير في ذلك كالحد. ويجوز أن يصلب في التعزير حيا. ولا يمنع إذا صلب من طعام وشراب، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي مُومِيًا. ولا يعيد، ولا يتجاوز بصلبه ثلاثة أيام. وهل يجرد في نكال التعزير مِنْ ثِيَابِهِ إلَّا قَدْرَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ؟ فقد اختلف الرواية عنه في الجلد، فروى الميموني أنه قال في الزنا " يجرد ويعطى كل عضو حقه ". ونقل أبو الحارق" يجلد مائة وعليه ثيابه ". ونقل ابن منصور " يضرب على قميص، لو ترك عليه ثياب الشتاء ما بالي بالضرب ". ويجوز أن ينادى عليه بذنبه إذا تكرر منه، ولم يقلع عنه. ولايجوز أَنْ يُحْلَقَ شَعْرُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُحْلَقَ لحيته. وهل يسود وجهه؟ فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز. وقد قال أحمد في رواية عبد الله بن إبراهيم: في شاهد الزور " يطاف به في حيه، ويشهر أمره، ويؤدب ". وقال أيضا في رواية مهنا في شاهد الزور، " يبعث به في محلته يقولون: هذا فلان يشهد الزور، اعرفوه، وقيل له: ثم يضرب؟ قال: نعم، قيل له: نصف الحد؟ قالك لا، أقل، قيل له: يسود وجهه؟ قال قد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه سود وجه شاهد الزور، قيل له: فترى أنت أن تسود وجهه؟ قال: لا أدري " وكأنه كره تسويد الوجه. فقد نص على أنه ينادى بذنبه، ويطاف به، ويضرب مع ذلك، وتوقف عن تسويد وجهه.
-
وقد روى أبو بكر الخلال بإسناده عن مكحول قال: قال عمر بن الخطاب " شاهد الزور يجلد أربعين، ويسخم وجهه، ويطال حبسه".
- ج ١ ص ٢٨٤
وروي أن عمر " كان يطوف ذات ليلة في سكة من سكك المدينة إذ سمع امرأة، وهي تهتف " وتقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج؟ فلما أصبح أتى بنصر، فإذا أحسن الناس وجها وأحسنهم شعرا، فقال له، عزمة من أمير المؤمنين لتأخذن من شعرك، فأخذ من شعره".
-
فصل في أحكام الحسبة
والحسبة، هِيَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، إذَا ظَهَرَ تَرَكَهُ، وَنَهْيٌ عن المنكر إذا ظهر فعله. وَهَذَا، وَإِنْ صَحَّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، فَالْفَرْقُ بين المحتسب والمتطوع مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ.
-
أَحَدُهَا: أَنَّ فَرْضَهُ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْمُحْتَسِبِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَفَرْضُهُ عَلَى غَيْرِهِ داخل في فرض الكفاية.
-
الثاني: أَنَّ قِيَامَ الْمُحْتَسِبِ بِهِ مِنْ حُقُوقِ تَصَرُّفِهِ الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه بغيره. وقيام المتطوع به من النوافل الذي يجوز التشاغل عنه لغيره.
-
الثالث: أنه منصوب للاستعداء إليه فيم يجب، وليس المتطوع منصوبا للاستعداء.
-
الرابع: أن على المحتسب إجابة من استعدى به، وليس على المتطوع إجابته.
-
الخامس: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ، لِيَصِلَ إلَى إنْكَارِهَا ,وَيَفْحَصَ عَمَّا تُرِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ الظَّاهِرِ، لِيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهِ، وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ من المتطوعة بحق ولا فحص.
-
السادس: أن له أن يتخذ على الإنكار أَعْوَانًا، لِأَنَّهُ عَمَلٌ هُوَ لَهُ مَنْصُوبٌ، وَإِلَيْهِ مَنْدُوبٌ، لِيَكُونَ لَهُ أَقْهَرَ، وَعَلَيْهِ أَقْدَرَ، وَلَيْسَ لمتطوع أن يندب لذلك أعوانا.
-
السابع: له أن يعزر على المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوزها إلَى الْحُدُودِ، وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يُعَزِّرَ عَلَى منكر.
- ج ١ ص ٢٨٥
الثامن: أن له أن يرتزق من بيت المال، على حسبه، ولا يجوز لمتطوع أن يرتزق على إنكاره.
-
التاسع: أَنَّ لَهُ اجْتِهَادَ رَأْيِهِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْعُرْفِ دُونَ الشَّرْعِ، كَالْمَقَاعِدِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَإِخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ، فَيُقِرُّ وَيُنْكِرُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا لِلْمُتَطَوِّعِ.
-
فَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ والي الحسبة، وإن كانت أمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، وبين غيره من المتطوعة، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ المنكر، من هذه الوجوه التسعة. ومن شروط والي الحسبة أن يكون خبيرا عَدْلًا، ذَا رَأْيٍ وَصَرَامَةٍ وَخُشُونَةٍ فِي الدِّينِ، وعلم بالمنكرات الظاهرة. وهل يفتقر إلى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي أحكام الدين ليجتهد رأيه؟ يحتم أن يكون من أهله، ويحتمل أن لا يكون ذلك شرطا إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحِسْبَةَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وأحكام المظالم. فأما ما بينها وَبَيْنَ الْقَضَاءِ: فَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ مِنْ وجهين، ومقصرة عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَزَائِدَةٌ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ. فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي مُوَافَقَتِهَا لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهُمَا: جواز الاستعداء عَلَى الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَلَيْسَ هَذَا عَلَى عُمُومِ الدَّعَاوَى، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنْ الدَّعْوَى. أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيمَا يتعلق ببخس أو تطفيف في كيل أو وزن. والثاني: فيما تعلق بِغِشٍّ، أَوْ تَدْلِيسٍ فِي مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ. والثالث: ما تعلق بمبطل وَتَأْخِيرٍ لِدَيْنٍ مُسْتَحَقٍّ مَعَ الْمُكْنَةِ. وَإِنَّمَا جَازَ نَظَرُهُ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الدَّعَاوَى، دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ سَائِرِ الدَّعَاوَى، لِتَعَلُّقِهَا بِمُنْكَرٍ ظَاهِرٍ، هُوَ مَنْصُوبٌ لِإِزَالَتِهِ، وَاخْتِصَاصِهَا بِمَعْرُوفٍ بَيِّنٍ، هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى إقَامَتِهِ، لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْحِسْبَةِ إلْزَامُ الْحُقُوقِ وَالْمَعُونَةِ عَلَى اسْتِيفَائِهَا وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ إلَى الْحُكْمِ الناجز.
- ج ١ ص ٢٨٦
فهذا أحد وجهي الموافقة. والثاني: أن له إلزام المدعى عليه الخروج مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا عَلَى العموم في كل حق، وَإِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي جَازَ له سماع الدعوى فيها إذا وجبت باعتراف مع القدرة، لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ لَهَا مُنْكَرًا هُوَ مَنْصُوبٌ لِإِزَالَتِهِ.
-
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي قُصُورِهَا عَنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهُمَا: قُصُورُهَا عَنْ سَمَاعِ عُمُومِ الدَّعَاوَى الْخَارِجَةِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ: مِنْ الدَّعَاوَى فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالْمُطَالَبَاتِ، فَلَا يَجُوزُ أن ينتدب لسماع الدعاوى لَهَا، وَلَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْحُكْمِ فِيهَا، لَا فِي كَثِيرِ الْحُقُوقِ وَلَا فِي قَلِيلِهَا، مِنْ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَهُ، إلَّا أَنْ يَرِدَ ذَلِكَ إليه بنص صريح يزيد على إطلاقه الْحِسْبَةِ، فَيَجُوزُ وَيَصِيرُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ جَامِعًا بَيْنَ قَضَاءٍ وَحِسْبَةٍ، فَيُرَاعَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أهل الاجتهاد، وإن اقتصر به على مُطْلَقِ الْحِسْبَةِ فَالْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ بِالنَّظَرِ فِي قَلِيلِ ذلك وكثير أَحَقُّ، فَهَذَا وَجْهٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ على الحقوق المعترف بها، فأما ما يدخله التجاحد والتناكر، فلا يجوز له النظر فيها، لأن الحاكم فيها يقف على سماع بينة وإحلاف يمين. ولا يجوز للمتحسب أن يسمع بينة على إثبات حق، ولا أن يحلف يمينا على نفي حق، والحكام والقضاة بسماع البينات وإحلاف الخصوم أحق. وما الْوَجْهَانِ فِي زِيَادَتِهَا عَلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِتَصَفُّحِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنْهُ من المنكر، وإن لم يحضره خصم يستعدي، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ إلَّا بِحُضُورِ خَصْمٍ يَجُوزُ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْهُ، فَإِنْ تَعَرَّضَ الْقَاضِي لِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مَنْصِبِ وِلَايَتِهِ وَصَارَ مُتَجَوِّزًا فِي قَاعِدَةِ نَظَرِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ لِلنَّاظِرِ فِي الْحِسْبَةِ مِنْ سَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ وَاسْتِطَالَةِ الحماة فيما يتعلق بِالْمُنْكَرَاتِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ، لِأَنَّ الْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ على الرهبة، فَلَا يَكُونُ خُرُوجُ الْمُحْتَسِبِ إلَيْهَا بِالسَّلَاطَةِ وَالْغِلْظَةِ تَجَوُّزًا فِيهَا وَلَا خَرْقًا، وَالْقَضَاءُ مَوْضُوعٌ لِلْمُنَاصَفَةِ، فهو بالأناة والوقار أخص. وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَالْمَظَالِمِ فَبَيْنَهُمَا شَبَهٌ مؤتلف، وفرق مختلف أما الشَّبَهُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضُوعَهُمَا مُسْتَقِرٌّ عَلَى الرَّهْبَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِسَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ وقوة الصراحة.
- ج ١ ص ٢٨٧
وَالثَّانِي: جَوَازُ التَّعَرُّضِ فِيهِمَا لِأَسْبَابِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّطَلُّعِ إلَى إنْكَارِ الْعُدْوَانِ الظَّاهِرِ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ.
-
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَالنَّظَرُ فِي الْحِسْبَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا رَفَّهَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَلِذَلِكَ كانت رتبة المظالم أعلى، ورتبة الحسبة أخص، وَجَازَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى الْقُضَاةِ والمحتسبة، وَلَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَقِّعَ إلَى وَالِي الْمَظَالِمِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى الْمُحْتَسِبِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى وَاحِدٍ منهما. فهذا فرق والثاني: أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَحْكُمَ، وَلَا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم. إذا قرر هذا فالحسبة تشتمل على أمر بمعروف ونهي عن منكر. أما الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: مَا تعلق بحدود الله تعالى. الثاني: ما تعلق بحقوق الآدميين. الثالث: ما كان مشتركا بينهما. أما المتعلق بحقوق الله تعالى فضربان: أحدهما: ما يَلْزَمُ الْأَمْرُ بِهِ فِي الْجَمَاعَةِ دُونَ الِانْفِرَادِ، كَتَرْكِ الْجُمُعَةِ فِي وَطَنٍ مَسْكُونٍ فَإِنْ كَانُوا عَدَدًا قَدْ اُتُّفِقَ عَلَى انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ كَالْأَرْبَعِينَ فَمَا زَادَ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِإِقَامَتِهَا. وَيُؤَدِّبَ عَلَى الْإِخْلَالِ بِهَا، وَإِنْ كَانُوا عَدَدًا قد اُخْتُلِفَ فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ، فَلَهُ وَلَهُمْ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَ رَأْيُهُ وَرَأْيُ الْقَوْمِ عَلَى انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِذَلِكَ الْعَدَدِ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُسَارِعُوا إلى أمره بها، ويكون في تأديبهم في تركها ألين من تأديبهم على تركه مَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يتفق رأيه ورأي القوم أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا، وَهُوَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا لَوْ أقيمت أحق. والحال الثَّالِثَةُ: أَنْ يَرَى الْقَوْمُ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ بِهِمْ، لا يَرَاهُ الْمُحْتَسِبُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَارِضَهُمْ فيها ولا يأمرهم بِإِقَامَتِهَا لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْهَا، وَيَمْنَعَهُمْ مِمَّا يَرَوْنَهُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ.
-
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَرَى الْمُحْتَسِبُ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ بهم ولا يراه القوم بهذا مما في استمرار تركه تعطيل الْجُمُعَةِ مَعَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ وَبُعْدِهِ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَزِيَادَتِهِ فَهَلْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا، اعْتِبَارًا بهذا المعنى؟ ظاهر كلام أحمد رحمه الله: أنه لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا
ج ١ ص ٢٨٨اعْتِبَارًا بِالْمَصْلَحَةِ، لِئَلَّا يَنْشَأَ الصَّغِيرُ عَلَى تَرْكِهَا، فَيَظُنَّ أَنَّهَا تَسْقُطُ مَعَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ، كَمَا تسقط بنقصانه. ولهذا المعنى قال أحمد يحضر الجمعة خلف البر والفاجر مع اعتباره عدالة الإمام في الصلاة. ويحتمل أن لَا يَتَعَرَّضُ لِأَمْرِهِمْ بِهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حمل الناس على اعتقاده، ولا يَأْخُذَهُمْ فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِ مَعَ تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فيه. وقد قال أحمد في رواية المروزي " لا تحمل الناس على مذهبك" . فاما أَمْرُهُمْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ فَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِهَا، وأمره بها من الحقوق اللازمة لأنها من فروض الكفاية ". وأما صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَإِقَامَةُ الْأَذَانِ فِيهَا للصلوات الخمس فمن شعائر الإسلام، وعلاماته التي فرق رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ دار الإسلام ودار الحرب. فإذا اجتمع أهل محلة أو بلد على تعطيل الجماعات في مساجدهم، وترك الأذان في أوقات صلاتهم، كان المحتسب مأمورا بأمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات، على طريق الوجوب عليهم والإثم بتركه، بناء على أن الجماعة واجبة. فأما من ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس فقياس المذهب: أن يعترض عليه لأنها من فرائض الأعيان، فهي كترك الجمعة، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَجْمَعُوا حَطَبًا، وَآمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا وَتُقَامَ، ثُمَّ أخالف إلى منازل قوم لا يحضرون الصلاة فأحرقها عليهم". ويكون الحكم في ترك الجماعة من آحاد الناس: بتأخيرهم الصلاة حتى يخرج وقتها، فيذكر بها ويؤمر بفعلها، ويراعى جوابه عنها، فإن قال: تركها لتوان وتهاون أَدَّبَهُ زَجْرًا. وَأَخَذَهُ بِفِعْلِهَا جَبْرًا. وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى مَنْ أَخَّرَهَا وَالْوَقْتُ بَاقٍ، لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ في فضل التأخير.
-
فإن كانت الجماعة فِي بَلَدٍ قَدْ اتَّفَقَ أَهْلُهُ عَلَى تَأْخِيرِ صلاتهم إلى آخر أوقاتها، والمحتسب يرى فضل تعجيلها، فهل يأمرهم بالتعجيل؟ يحتمل أن يأمرهم، لأن اجتماعهم على تأخيرها يفضي بالصغير الناشيء إلى أن هذا هو الوقت دون ما تقدمه. فأما الأذان والقنوت في الصلاة إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا رأي لَهُ فِيهِ بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ وَإِنْ كَانَ يرى خلافه.
- ج ١ ص ٢٨٩
وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ إذَا فَعَلَهَا عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ يخالف رَأْيَ الْمُحْتَسِبِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ، وَالْوُضُوءِ بماء تغير بالأشياء الطاهرات، والعفو عن قدر الدرهم من النجاسات، لا اعتراض له في شيء منه، وهل له الاعتراض في الوضوء بالنبيذ؟ يحتمل وجهين. أحدهما: أن له ذلك، لأنه ربما يئول إلى استباحته عند عدم الماء مع وجوده، وربما أفضى إلى جواز السكر منه، ويحتمل أن ليس له ذلك لما فيه من تسويغ الاجتهاد، فهذا الأمر بالمعروف في حقوق الله تعالى. وأما في حقوق الآدميين فضربان: عام، وخاص أما العام فكالبلد إبذا تَعَطَّلَ شُرْبُهُ، أَوْ اسْتُهْدِمَ سُورُهُ، أَوْ كَانَ يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات فيكفوا عن معاونتهم. فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ لَمْ يتوجه عليهم فيه أمر بإصلاح شربهم وبناء سورهم، ولا بمعاونة بَنِي السَّبِيلِ فِي الِاجْتِيَازِ بِهِمْ، لِأَنَّهَا حُقُوقٌ تَلْزَمُ بَيْتَ الْمَالِ دُونَهُمْ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتُهْدِمَتْ مَسَاجِدُهُمْ وَجَوَامِعُهُمْ. فَأَمَّا إذَا أُعْوِزَ بَيْتُ الْمَالِ، كَانَ الْأَمْرُ بِبِنَاءِ سُورِهِمْ، وَإِصْلَاحِ شُرْبِهِمْ، وَعِمَارَةِ مساجدهم وجوامعهم ومراعاة بني السبيل متوجها إلى كافة ذوي المكنة منهم، فإن شرع ذوو المكنة في عمله وفي مراعاة بني السبيل سَقَطَ عَنْ الْمُحْتَسِبِ حَقُّ الْأَمْرِ بِهِ، وَلَمْ يلزمهم الاستئذان في ذلك، وَلَكِنْ لَوْ أَرَادُوا هَدْمَ مَا يُعِيدُونَ بِنَاءَهُ من المتهدم، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى هَدْمِهِ فِيمَا عم أهل البلد من سوره وجامعه إلَّا بِاسْتِئْذَانِ وَلِيِّ الْأَمْرِ دُونَ الْمُحْتَسِبِ، لِيَأْذَنَ لهم في هدم بعد تضمينهم القيام بعمارته. ويجوز فِيمَا خُصَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ أن لا يَسْتَأْذِنُوهُ.