مفهوم المخالفة، وموانعه وهي ستة

١٥ فقرة، ج ٢ ص ٨٦

  1. عن جميع الأذى، فالتأفيف خاص أُرِيْد به عام وهو جميع الأذى، وقِسْ على ذلك.

    ج ٢ ص ٨٦
  2. وقوله: "وعَزْوُها للنقل ذو جواز" يعني أن عزوَ مدلول مفهوم الموافقة للنقل جائز، ومراده بالنقل أن العرفَ اللغويَّ نقل اللفظ من وضعه بثبوت الحكم للخاص إلى وضعه لثبوته للعام، كما نُقِل اسم الغائط عن المكان المنخفض إلى الخارج من الإنسان، وعلى هذا فلفظ التأفيف نقله العرفُ اللغوي إلى النهي عن كل أذى.

    ١٤٩ - وغيرُ ما مرَّ هو المخالفه ... ثُمَّتَ تنبيهُ الخطابِ خَالفَه

    ١٥٠ - كذا دليلٌ للخطاب انضافا ... . . . . . . . . . . . . .

  3. يعني أن غير ما مر هو مفهوم المخالفة، وما مَرَّ هو مفهوم الموافقة فغيره هو مفهوم المخالفة، ومعنى مفهوم المخالفة: أن المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق به، ويُسمى مفهوم المخالفة: تنبيه الخطاب ودليل الخطاب.

    . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ودَعْ إذا الساكتُ عنه خافا

    ١٥١ - أو جَهِلَ الحُكمَ أو النطقُ انجَلَبْ ... للسُّؤْلِ أو جَرْيٍ على الذي غَلَبْ

    ١٥٢ - أو امتنانٍ أو وفاقِ الواقِعِ ... والجهلِ والتأكيدِ عند السَّامعِ

  4. يعني أن لمفهوم المخالفة موانع تمنع اعتباره:
  5. الأول: الخوف كما لو قال قريبُ عهدٍ بالإسلام لعبده بحضور المسلمين: تصدَّق بهذا على المسلمين، فلا مفهوم لقوله: "على المسلمين" لأنه سكت عن غير المسلمين خوفًا من تهمة النفاق، وهذا

    ج ٢ ص ٨٧هو معنى قول المؤلف: "ودَعْ إذا السَّاكت" إلخ.

  6. الثاني: جهل المتكلم لحكم المسكوت عنه كما لو قال مفتٍ يجهل حكم زكاة المعلوفة: في السّائمة زكاة، فلا مفهوم له؛ لأنه إنما سكت عن المعلوفة لجهله حكمها، وهذا معنى قوله: "أو جَهِلَ الحكمَ" ، وهو فعلٌ ماض.

  7. الثالث: كونه جوابًا لسؤال كما لو سئل أحد عن السائمة فقال: فيها زكاة، فلا مفهوم له، لأن تخصيص السائمة بالذكر إنما هو لأجل مطابقة السؤال، وهو معنى قوله: "أو النُّطِق انجلْب للسؤل" .

  8. الرابع: كونه جاريًا مجرى الغالب، كقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء/ ٢٣] فلا يدل على أنها إن لم تكن في الحجر لا تحرم، لأنه خَرَجَ مخرجَ الغالب، لأن الغالب في الربيبة أن تكون في حجر زوج أمها، وعلى هذا جمهور العلماء، وهو معنى قوله: "أو جَرْيٍ على الذي غلب" بخفض "جَرْيٍ" عَطْفًا على "السؤْل" أي: والنطق انجلب لسؤالٍ أو جريٍ على الغالب.

  9. الخامس: الامتنان، كقوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل/ ١٤] فلا يدل على منع القديد، لأن تخصيص الطَّريّ بالذكر لأنه أنسب إلى الامتنان، وهذا معنى قوله: "أو امتنانِ" بالجر أيضًا عطف على قوله: "للسُّؤْلِ" .

  10. السادس: موافقة الواقع، كقوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران/ ٢٨] لأنه نزل في قوم والَوا اليهودَ دون

    ج ٢ ص ٨٨المؤمنين، فنزلت الآية ناهية عن نفس الصورة الواقعة من غير قصد التخصيص بها، بل موالاة الكفار حرام مطلقًا، وهذا هو معنى قوله: "أو وفاق الواقع" .

  11. السابع: جهل السامع للمنطوق دون المفهوم، كما لو قلت لإنسانٍ يعلم أن جمعَ الأختين بنكاح حرام، ويجهلُ حرمةَ جمعهما في الوطء بملك اليمين: جَمْعُ الأختين بملك اليمين حرام، فلا يُفْهم منه أن جمعهما بالنكاح غير حرام؛ لأن التخصيص بالذكر لجهل السامع حكم المنطوق دون المفهوم، وهذا معنى قوله: "والجهل" ويتعلق بقوله: "والجهل" قوله: "عند السامع" ولا تكرار بين هذا وبين قوله: "أو جهِلَ الحكم" لأن الجهل في الأول جهل المتكلم وفي الثاني جهل السامع.

  12. الثامن: التأكيد للسامع كقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت. . . " (١) الحديث؛ لأن قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تؤمن باللَّه واليوم الآخر" لتأكيد النهي والتغليظ فيه، فلا يُفْهم منه أن المرأة التي لا تؤمن باللَّه يحل لها ذلك، وقول المؤلف "عند السامع" راجع للجهل والتأكيد معًا كما تقدم.

    ١٥٣ - ومقتضى التخصيص ليس يَحظُلُ ... قَيْسًا وما عُرِضَ ليس يَشمُلُ

    مراده بـ "مقتضي التخصيص" الأمور الثمانية التي ذكرنا أنها تمنع اعتبار مفهوم المخالفة، فالخوف -مثلًا- اقتضى تخصيص المسلمين دون

    ج ٢ ص ٨٩غيرهم، والجهل اقتضى تخصيص المتكلم ما يعلمه دون ما يجهله، والسؤال اقتضى تخصيص المسؤول عنه لمطابقة الجواب له، وقس على ذلك.

  13. فإذا عرفتَ ذلك فمعنى البيت: أن مقتضى التخصيص وإن مَنَع اعتبارَ مفهوم المخالفة فإنه لا يمنع المسكوت عنه على المنطوق إذا كان بينهما جامع، أي علة يصح بها القياس، فقوله تعالى: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} [فاطر/ ١٢] مثلًا لما كان الطرِيّ أنسب للامتنان، واقتضى ذلك تخصيصه بالذكر، فلا يمنع من قياس القدِيد على الطري لعدم الفارق المؤثِّر بينهما. وهذا المثال مبنيٌّ على القول بأن الإلحاق بنَفْي الفارق قياس، ويسمى: القياس في معنى الأصل.

  14. وقوله -مثلًا-: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران/ ٢٨] الآية كونها نزلت في واقعةٍ اقتضى تخصيصها بتلك الواقعة، فمنع اعتبار مفهوم المخالفة، ولكن لا يمنع قياس المسكوت عنه وهو موالاة الكفار والمؤمنين معًا على المنطوق وهو موالاة الكافرين من دون المؤمنين؛ لأن العلة في مَنْع الموالاة الكفر وهي موجودة في الفرع كوجودها في الأصل، وقس على ذلك.

  15. وقول المؤلف: "وما عُرِض" بالبناء للمفعول، ومراده به لفظ المنطوق، فعبَّر عن اللفظ بما عُرِض؛ لأنه معروض أي موصوف بالعوارض العارضة له، كالتقييد بصفة أو نحوها، ومعناه: أن لفظ المنطوق لا يشمل المسكوت عنه حتى يستغني بشموله له عن القياس، وهذا هو الحق. والقولُ بأنه يشمله بعيد، إذ لا يخفى أن الغنم السائمة لا تشمل