قاعدة [٤٧] في ضمان المقبوض بالعقد الفاسد.
٣٢ فقرة، ج ١ ص ٣٠٧
- ج ١ ص ٣٠٧
كلُّ عقد يجب الضمان في صحيحه؛ يجب الضَّمان في فاسده.
-
وكلُّ عقد لا يجب الضَّمان في صحيحه؛ لا يجب في فاسده.
- ونعني بذلك:
-
أنَّ العقد الصَّحيح إذا كان موجباً للضَّمان؛ فالفاسد كذلك، وإذا لم يكن الصَّحيح موجباً للضَّمان؛ فالفاسد كذلك (١) .
-
فالبيع والإجارة والنِّكاح موجبة للضَّمان مع الصِّحَّة، فكذلك مع الفساد.
-
والأمانات؛ كالمضاربة والشركة والوكالة والوديعة، وعقود التَّبرُّعات كالهبة؛ لا يجب الضَّمان فيها مع الصِّحَّة، فكذلك مع الفساد.
-
وكذلك الصَّدقة.
- ج ١ ص ٣٠٨
فأمَّا قول أصحابنا فيمن عجَّل زكاته ثمَّ تلف المال، وقلنا: له (١) الرُّجوع به: إنَّه إذا تلف ضمنه القابض، فليس من القبض الفاسد بشيء؛ لأنَّه وقع صحيحاً، لكنَّه مراعًى، فإن بقي النِّصاب تبيَّنَّا أنَّه قبض زكاة، وإن تلف تبيَّنَّا أنَّها لم تكن زكاة؛ فيرجع بها.
-
نعم، إذا ظهر قابض الزَّكاة ممَّن لا يجوز له أخذها؛ فإنَّه يضمنها؛ لكون القبض لم يملك به، وهو مفرِّط بقبض ما لا يجوز له قبضه؛ فهذا من القبض (٢) الباطل لا الفاسد (٣) .
-
وليس المراد: أنَّ كلَّ حال ضمن فيها في العقد الصَّحيح ضمن في مثلها من (٤) الفاسد، فإنَّ البيع الصَّحيح لا يجب فيه ضمان المنفعة، وإنَّما تضمن (٥) العين بالثمن، والمقبوض بالبيع الفاسد يجب ضمان الأجرة فيه على المذهب.
-
والإجارة الصَّحيحة تجب فيها الأجرة بتسليم (٦) العين المعقود
ج ١ ص ٣٠٩عليها، سواء انتفع بها المستأجر أو لم ينتفع، وفي الإجارة الفاسدة روايتان:
إحداهما (١) : كذلك.
-
والثَّانية: لا تجب الأجرة إلَّا بالانتفاع، ولعلَّها راجعة إلى أنَّ المنافع لا تضمن في الغصب ونحوه إلَّا بالانتفاع، وهو الأشبه.
-
وكذلك يخرَّج في ضمان منفعة المبيع (٢) (٣) ههنا، ولكن نقل جماعة عن أحمد ما يدلُّ على أنَّ الإجارة الصَّحيحة لا تجب فيها الأجرة إلَّا بقدر الانتفاع إذا ترك المستأجر بقيَّة الانتفاع بعذر من جهته (٤) ، وتأوَّلها القاضي وابن عقيل، وأقرَّها صاحب «شرح الهداية» والقاضي أيضاً في بعض تعاليقه (٥) .
-
والنِّكاح الصَّحيح يستقرُّ فيه المهر بالخلوة بدون الوطء، وفي النِّكاح
ج ١ ص ٣١٠الفاسد روايتان أيضاً (١) ، وقد قيل: إنَّ ذلك مبنيٌّ (٢) على أنَّ البضع هل تثبت عليه اليد أم لا؟
-
وقد نُقل عن أحمد فيما إذا نكح العبد نكاحاً فاسداً: أنَّه لا مهر لها (٣) ، وهو محمول على أنَّه لم يوجد دخول، أو على أنَّهما كانا عالمين بالتَّحريم فتكون زانيةً.
-
ونقل ابن مُشَيش وحرب عنه: أنَّ البيع المقبوض (٤) من غير تسمية ثمن لا يُضمَن؛ لأنَّه على ملك البائع، وقد سبق ذلك (٥) ، والعمل في المذهب على خلافه.
-
إذا تقرَّر هذا: فهل يضمن في العقد الفاسد بما سمَّى فيه، أو بقيمة المثل؟ فيه خلاف في مسائل:
منها: البيع، والمعروف في المذهب: ضمانه بالقيمة لا بالثَّمن
ج ١ ص ٣١١المسمَّى فيه، نصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور وأبي طالب (١) ؛ لأنَّ المسمَّى إنَّما وقع الرِّضى به في ضمان العقد، والعقد غير موجب للضَّمان، وإنَّما يترتَّب الضَّمان بأمر آخر طارئ على العقد، وهو التَّلف تحت يده، فيجب ضمانه بالقيمة أو المثل، كما لو اتَّفقا على ضمان العارية عند إقباضها بشيء ثمَّ تلفت؛ فإنَّه يلغو المتَّفق عليه، ويجب المثل أو القيمة كذلك ههنا.
-
وحكى القاضي في «المجرَّد» ، وابن عقيل في «الفصول» في الكتابة عن أبي بكر عبد العزيز: أنَّ المقبوض بالبيع الفاسد يُضمن بالمسمَّى، وهو اختيار الشَّيخ تقيِّ الدِّين، وقال: إنَّه قياس المذهب (٢) ؛ آخذاً له من النِّكاح.
قال: لأنَّ إقباضه إيَّاه إذن له في إتلافه بالعوض المسمَّى، فأشبه ما لو قال له: أتلفه بألف درهم، فأتلفه؛ فإنَّه لا يستحقُّ غير ما سُمِّي له.
-
وقد يجاب عن هذا: بأنَّ المسمَّى إنَّما جعل عوضاً عن الملك لا عن الإتلاف، ولم يتضمَّن العقد إذناً في الإتلاف، إنَّما تضمَّن نقل ملك بعوض، ولم يوجد نقل الملك؛ فلا يثبت العوض، وإنَّما وجب الضَّمان بسبب متجدِّد (٣) .
- ج ١ ص ٣١٢
ومنها: الإجارة الفاسدة، والمعروف من المذهب: ضمانها بأجرة المثل أيضاً.
-
ويتخرَّج على قول أبي بكر: أنَّها تضمن بالأجرة المسمَّاة، والقول فيها كالقول في البيع سواء.
-
ومنها: الكتابة الفاسدة تُضمن بالمسمَّى، فإذا أدَّى ما سمَّى فيها؛ حصل العتق، ولم يلزمه ضمان قيمته، ذكره أبو بكر، وهو ظاهر كلام أحمد (١) ، واتَّفق الأصحاب على ذلك.
-
لكنِ المتأخِّرون زعموا أنَّ الكتابة الفاسدة تعليق بصفة (٢) ؛ فلا يؤثِّر فسادها ولا تحريمها، كما لو قال لعبده: إن أعطيتني خمراً؛ فأنت حرٌّ، فأعطاه؛ عَتَق لوجود الصِّفة.
-
وأمَّا أبو بكر؛ فعنده أنَّ الكتابة عقد معاوضة أبداً (٣) ، وهو اختيار ابن عقيل، وهو الأظهر، ولا يقع العتق عنده بأداء المحرَّم؛ لأنَّ العقد لا ينعقد بعوض محرَّم، بل هو عنده باطل.
-
ومنها: النِّكاح الفاسد يستقرُّ بالدُّخول فيه وجوب المهر المسمَّى في الرِّواية المشهورة عن أحمد، وهي المذهب عند أبي بكر وابن
ج ١ ص ٣١٣أبي موسى، واختارها القاضي وأكثر أصحابه في كُتب الخلاف.
-
ويفرَّق بين النِّكاح والبيع: بأنَّ النَّكاح مع فساده منعقد، ويترتَّب عليه أكثر أحكام الصَّحيح؛ من وقوع الطَّلاق، ولزوم عدَّة الوفاة بعد الموت، والاعتداد منه بعد المفارقة في الحياة، ووجوب المهر فيه بالعقد، وتقرُّره بالخلوة؛ فلذلك لزم المهر المسمَّى فيه كالصَّحيح.
-
يوضحه (١) : أنَّ ضمان المهر (٢) في النِّكاح الفاسد ضمان عقد؛ كضمانه في الصَّحيح، وضمان البيع الفاسد ضمان تلف، بخلاف البيع الصَّحيح؛ فإنَّ ضمانه ضمان عقد.
-
وحكي عن أحمد رواية أخرى: أنَّ الواجب مهر المثل؛ أخذاً من رواية المروذيِّ عنه في عبد تزوَّج بغير إذن سيِّده، فدخل بها؛ فقد جعل لها عثمان الخُمُسَيْن (٣) ، وأنا أذهب إلى أن تُعطى شيئاً (٤) .
- ج ١ ص ٣١٤
فلم يوجب المسمَّى، وهو اختيار الخرقيِّ وصاحب «المغني» ، واستدلُّوا بقوله عليه الصَّلاة والسَّلام فيمن أنكحت نفسها: «إنَّ لها المهر بما استحل منها» (١) ؛ فأوجب المهر بالاستحلال وهو الإصابة؛ فدلَّ على أنَّه لم يجب بالعقد، وإنَّما وجب بالوطء، والواجب بالوطء: مهر المثل.
-
وهذا ضعيف؛ فإنَّ الاستحلال يحصل بمحاولة الحلِّ وتحصيله وإن لم يوجد الوطء، وقد يطلق (٢) على استحلال ما لا يحلُّ من الأجنبية مثله (٣) ، وهو (٤) الخلوة أو المباشرة (٥) (٦) ، وذلك مقرِّر عندنا للمهر (٧) ، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم للملاعن مثل ذلك (٨) ، وليس محمولاً عندنا إلَّا على ما
ج ١ ص ٣١٥ذكرنا، لا على حقيقة الوطء.
-
فأمَّا عقود المشاركات إذا فسدت؛ كالشركة والمضاربة؛ فهل يجب المسمَّى فيها أو أجرة المثل؟
-
فيه خلاف بين الأصحاب، وليس ذلك ممَّا نحن فيه؛ لأنَّ كلامنا في ضمان القابض بالعقد الفاسد، وهذه العقود لا ضمان فيها على القابض، وإنَّما يجب له فيها العوض بعمله (١) ؛ إمَّا المسمَّى، وإمَّا أجرة المثل على خلافٍ فيه.