قاعدة [٥٧] إذا تقارن الحكم ووجود المنع منه؛ فهل يثبت الحكم أم لا؟
٨٤ فقرة، ج ١ ص ٤١١
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٤١١
المذهب المشهور: أنَّه لا يثبت.
وقال ابن حامد: يثبت.
-
وإن تقارن الحكم ووجود المانع منه؛ فهل يثبت الحكم معه؟ فيه وجهان:
واختيار القاضي في «المجرد» ، وابن عقيل في «الفصول» ، وصاحب «المغني» : أنَّه لا يثبت.
-
واختار القاضي في «خلافه» ، وفي «الجامع الكبير» : أنَّه يثبت، وكذلك ابن عقيل في «عمد الأدلَّة» وأبو الخطَّاب.
-
فأمَّا اقتران الحكم والمنع منه؛ فيندرج تحته مسائل:
منها: لو قال الزَّوج لامرأته: أنت طالق مع انقضاء عدَّتك، أو
ج ١ ص ٤١٢قال: كلَّما ولدت ولداً فأنت طالق، فولدت ولدين متعاقبين (١) ؛ فإنها تطلق بالأول، وتنقضي العدة بالثاني ولا تطلق به، كما لا تطلق في قوله: مع انقضاء عدَّتك، هذا المذهب المشهور، وعليه أبو بكر وأبو حفص والقاضي وأصحابه، والخلاف فيه مع ابن حامد وحده.
-
وفي «الفصول» يشير إلى أنَّ مأخذ ابن حامد في مسألة الولادة: القول بتقارن العلَّة ومعلولها؛ فيقع الطَّلاق في حال الولادة قبل البينونة.
-
ولا يصحُّ (٢) ؛ لأنَّ البينونة معلول للولادة، فلو اقترنت العلَّة ومعلولها؛ لبانت مع الولادة أيضاً (٣) .
-
ومنها: لو قال: أنت طالق بعد موتي (٤) ؛ لم تطلق بغير خلاف نعلمه.
- ج ١ ص ٤١٣
ولو قال: مع موتي أو موتك؛ لم تطلق، نصَّ عليه في رواية مهنَّى (١) ؛ لأنَّ الموت سبب البينونة؛ فلا يجامعها (٢) الطَّلاق.
-
ويلزم على قول ابن حامد: الوقوع ههنا؛ لأنَّه إذا أوقع الطَّلاق مع الحكم بالبينونة (٣) ؛ فإيقاعه مع سبب الحكم أولى.
-
ويلزم مثل ذلك القاضي ومن تابعه على الوقوع مع سبب الانفساخ (٤) ؛ لتأخُّر الانفساخ عنه، ولم يلتزموا (٥) ذلك، وادَّعوا ههنا المقارنة (٦) دون السَّبق.
- ج ١ ص ٤١٤
ولا يصحُّ (١) ، ولعلَّ المانع من إيقاع الطَّلاق مع الموت هو عدم الفائدة فيه (٢) ، بخلاف إيقاعه مع البينونة في الحياة؛ فإنَّه يفيد التَّحريم أو نقص (٣) العدد.
-
ومنها: لو قال زوج الأمة لها: إن ملكتك فأنت طالق، ثمَّ ملكها؛ لم تطلق، قال الأصحاب: وجهاً واحداً.
-
ولا يصحُّ؛ لأنَّ ابن حامد يلزمه القول ههنا بالوقوع؛ لاقترانه بالانفساخ.
-
ومنها: لو أُعتِق الزَّوجان معاً، وقلنا: لا خيار للمعتَقة تحت الحرِّ (٤) ؛ فهل يثبت لها الخيار ههنا؟ على روايتين (٥) منصوصتين عن أحمد، وقد اقترن هنا المقتضي (٦) ، وهو حريَّتها، والمانع وهو حريَّته،
ج ١ ص ٤١٥فحصل الحكم بثبوت الخيار مع المنع منه (١) .
-
فإن قيل: يُشكل على ما ذكرتموه مسألتان منصوصتان عن الإمام أحمد (٢) :
إحداهما: إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حرٌّ، ثمَّ باعه؛ فإنه يَعتق على البائع من ماله، نصَّ عليه أحمد (٣) في رواية جماعة (٤) ، ولم ينقل عنه في ذلك خلاف؛ فقد حكم بوقوع العتق مع وجود المانع (٥) منه، وهو انتقال الملك (٦) .
-
وهذا يلزم منه صحَّة قول ابن حامد وطرده في إثبات الأحكام مع مقارنة المنع منها؛ مثل أن يقول لغير مدخول بها: إن طلَّقتك فأنت طالق، ثمَّ طلَّقها (٧) ؛ فينبغي أن تطلق طلقتين (٨) ، وكذلك إذا قال: إن
ج ١ ص ٤١٦فسخت نكاحك لعيب أو نحوه فأنت طالق (١) ، وكذلك لو قال: إن خالعتك؛ فأنت طالق (٢) .
-
والمسألة الثَّانية: إذا مات الذِّميُّ وله أطفال صغار؛ حُكم بإسلام الولد وورث منه، نصَّ عليه ولم يثبت عنه خلاف ذلك (٣) ،
حتَّى إنَّ من الأصحاب من أنكر القول بعدم توريثه، وقال: هو خلاف الإجماع، ويلزم من توريثه إثبات الحكم (٤) المقترن بمانعه (٥) ، وهذا لا محيد عنه.
- والجواب:
-
أمَّا على قول ابن حامد؛ فهذا متجه لا بُعد فيه.
- ج ١ ص ٤١٧
وأمَّا على قول جمهور الأصحاب: فقد اختلفوا في تخريج كلام الإمام أحمد في مسألة العتق على طرق:
أحدها: أنَّه مبنيٌّ على قوله: بأنَّ الملك لم ينتقل عن البائع في مدَّة الخيار.
-
فأمَّا على قوله بالانتقال، وهو الصَّحيح: فلا يَعتق، وهذه طريقة أبي الخطاب في «انتصاره» ، وفيها ضعف؛ فإنَّ نصوص أحمد بالعتق هنا متكاثرة، ورواية بقاء الملك للبائع ربَّما لم تكن صريحة عن أحمد بل مستنبطة من كلامه، وإنَّما المنقول الصَّريح عنه انتقال الملك.
-
والطَّريق الثَّاني: أنَّ عتقه على البائع؛ لثبوت الخيار له، فلم تنقطع علقه عن المبيع بعدُ، وهي طريقة القاضي وابن عقيل وأبي الخطاب.
-
وأُورد عليهم: أنَّ تصرُّف البائع بالعتق في مدَّة الخيار لا ينفذ على المنصوص.
-
فأجابوا: بأنَّ (١) هذا العتق أنشأه (٢) في ملكه، فلذلك نفذ في مدَّة الخيار بعد زوال ملكه؛ لأنَّ أحمد شبهه بنفوذ الوصية بعد الموت، وقال في رواية ابن ماهان: يَعتق من مال البائع، قيل: لأنَّه حَلَف على ملكه (٣) ؛ قال: نعم (٤) .
- ج ١ ص ٤١٨
والطَّريق الثَّالث: أنَّه يَعتق على البائع عقب (١) إيجابه وقبل قبول المشتري، وهي طريقة ابن أبي موسى، والسَّامريِّ، وصاحبي «المغني» و «التَّلخيص» ؛ لأنَّه إنَّما علَّقه على بيعه، وبيعه الصَّادر عنه هو الإيجاب فقط، ولهذا يسمَّى بائعاً والقابل مشترياً، ويقال: باع هذا، واشترى هذا، وإن كان العقد لا ينعقد إلَّا بقبول المشتري، لكنَّ القبول شرط محض لانعقاد البيع، وليس هو من ماهيَّته، فإذا وجد القبول تبيَّنَّا أنَّه عَتَق على البائع قبله في ملكه قبل الانتقال.
-
وفي هذه أيضاً نظر؛ فإنَّ أحمد نصَّ على نفوذه بعد زوال الملك، ولأنَّ البيع المطلق إنَّما يتناول المنعقد لا صورة البيع (٢) المجرَّدة.
-
والطَّريق (٣) الرَّابع: أنَّه يَعتق على البائع في حالة انتقال الملك إلى المشتري؛ حيث يترتب على الإيجاب والقبول انتقال الملك ونفوذ العتق (٤) ؛ فيتدافعان، وينفذ (٥) العتق؛ لقوَّته وسرايته دون انتقال الملك، وهي طريقة أبي الخطاب في «رؤوس المسائل» ، ويشهد لها تشبيه أحمد
ج ١ ص ٤١٩له (١) بالمدبَّر والوصيَّة.
-
ولا يقال في التَّدبير والوصيَّة: لا ينتقل إلى ملك الورثة؛ لتعلُّق حق غيرهم بها؛ لأنَّا نمنع ذلك على أحد الوجهين (٢) ، ونقول: بل ينتقل إليهم المال الموصى به، وهو ظاهر تعليل أحمد في هذه المسألة؛ فإنَّه قال في رواية الأثرم، وقد قيل له: كيف يعتق على البائع وإنَّما وجب العتق بعد البيع؟ فقال: لو وصَّى لرجل بمائة درهم ومات؛ يعطاها، وإن كانت وجبت له بعد الموت ولا ملك؛ فهذا مثله، ونقل عنه صالح نحو هذا المعنى أيضاً (٣) .
-
وعلى هذه الطَّريقة: فينفذ العتق مع قيام المانع له؛ لقوَّته وسرايته، ولا يلزم مثل ذلك في غيره من العقود.
-
والطَّريق الخامس: أنَّه يعتق بعد انعقاد البيع وصحَّته وانتقال الملك إلى المشتري، ثمَّ ينفسخ البيع بالعتق على البائع، وصرَّح بذلك القاضي في «خلافه» ، وابن عقيل في «عُمَده» ، وصاحب «المحرر» ، وهو ظاهر كلام أحمد وتشبيهه بالوصيَّة (٤) .
- ج ١ ص ٤٢٠
ووجه ذلك: أنَّ العتاق لقوَّته ونفوذه وسرايته إلى ملك الغير ينفذ؛ وإن وجد أحد طرفيه في ملك والآخر في غير ملك، فإذا عقده في غير ملك مضافاً إلى وجود الملك (١) ؛ نفذ في المذهب الصَّحيح المشهور، فكذا إذا عقده في ملك على نفوذه في غير الملك (٢) ؛ فإنَّه ينفذ.
-
ولهذا نقول على إحدى الرِّوايتين: لو قال: مملوكي فلان حرٌّ بعد موتي بسنة؛ لعَتَق كما قال، وإن كان ذلك بعد زوال ملكه وانتقاله عنه، ولا يقال: لا ينتقل ملكه مع قيام الوصيَّة؛ لأنَّ ذلك ممنوع على ظاهر
ج ١ ص ٤٢١كلام أحمد كما تقدَّم، ولا يلزم مثل هذا في غير العتق من العقود؛ لأنَّها لا تسري إلى ملك الغير، ولا عهد نفوذها في غير ملك بحال.
-
وخرَّج صاحب «المحرر» في «تعليقه على الهداية» وجهاً فيما إذا علَّق طلاقها على خلعها فخالعها: أنَّه يقع الطَّلاق المعلَّق كما يقع العتق بعد البيع اللَّازم.
-
فإن كان مراده: أنَّه يقع مع الخلع، فهي مسألة ابن حامد في الوقوع مع البينونة، وإن أراد بعده، فمُشكل، فإنَّ الطَّلاق لم يعهد عندنا وقوعه في غير ملك.
-
وسلك الشيخ تقي الدين طريقة أخرى، فقال: إن كان المعلِّق للعتق قصده اليمين دون التَّبرُّر بعتقه، أجزأه كفَّارة يمين؛ لأنَّه إذا باعه خرج عن ملكه، فبقي؛ كنذره أن يُعتق عبد غيره، فتجزئه الكفارة، وإن قصد به (١) التَّقرُّب؛ صار عتقه مستحَقًّا كالنَّذر، فلا يصح بيعه، ويكون العتق معلَّقاً على صورة البيع، كما لو قال لما لا يحلُّ بيعه: إذا بعته فعليَّ عتق رقبة، أو قال لأمِّ ولده: إن بعتك فأنت حرة.
-
وطَرَد قوله هذا في تعليق الطَّلاق على الفسخ والخلع، فجعله معلَّقاً على صورة الفسخ والخلع، قال: ولو قيل بانعقاد الفسخ والخلع المعلَّق عليه، فلا يمتنع وقوع الطَّلاق معه على رأي ابن حامد، حيث أوقعه مع البينونة بانقضاء العدَّة؛ فكذا بالفسخ، والله أعلم (٢) .
- ج ١ ص ٤٢٢
وأمَّا مسألة الميراث؛ فلا ريب أنَّ أحمد نصَّ على توريث الطِّفل من أبيه الكافر، والحكم بإسلامه بموته، وخرَّجه من خرَّجه من الأصحاب؛ كصاحب «المغني» : على أنَّ المانع (١) لم يتقدَّم الحكم بالإرث، وإنَّما قارنه، وهذا يرجع إلى ثبوت الحكم مع مقارنة المانع له؛ لأنَّ الإسلام سبب المنع، والمنع يترتَّب عليه، والحكم بالتَّوريث سابق على المنع؛ لاقترانه بسببه (٢) .
-
وأمَّا اقتران الحكم والمانع (٣) ؛ فله صور:
منها: مسألة توريث الطِّفل المحكوم بإسلامه بموت أحد أبويه الكافرين منه، وقد ذكرت.
-
ومنها: إذا قتلت أمُّ الولد سيِّدَها؛ فإنَّه يلزمها أقلُّ الأمرين من قيمتها أو الدية، نص عليه.
قال الأصحاب: سواء قلنا: إن الدِّية تحدث على ملك الورثة ابتداء أو على ملك الموروث أولًا؛ لأنَّا إن قلنا: تحدث على ملك الورثة؛ فقد اقترن الضَّمان بالحرية، وإنَّما لم يجب هنا الضَّمان بالدِّية مطلقاً (٤) ؛
- ج ١ ص ٤٢٣
اكتفاء بمقارنة الشَّرط (١) للحكم (٢) على ما تقدَّم؛ لأنَّ الاعتبار هنا في الضمان بحالة الجناية (٣) ، وهي حينئذ (٤) رقيقة، فلا يلزمها أكثر من ضمان جناية الرَّقيق (٥) ، ولا يمنع ذلك مقارنة الحريَّة بحالة وجوب الضمان؛ بناء على أن المانع إذا اقترن (٦) بالحكم لم يمنعه.