قاعدة [٧٢] اشتراط النفقة والكسوة في العقود تقع على وجهين: معاوضة، وغير معاوضة.

٤٠ فقرة، ج ١ ص ٥٢٧

  1. فأمَّا المعاوضة: فتقع في العقود اللَّازمة، ويملك فيها الطَّعام والكسوة كما يملك غيرهما (١) من الأموال المعاوض بها.

    ج ١ ص ٥٢٧
  2. فإن وقع التَّفاسخ قبل انقضاء المدة؛ رجع بما عجَّل منها، إلَّا في نفقة الزَّوجة وكسوتها؛ فإنَّ في الرجوع بهما ثلاثة أوجه، ثالثها: يرجع بالنَّفقة دون الكسوة (٢) .

  3. فمنها: الإجارة، فيجوز استئجار الظِّئر بطعامها وكسوتها على الصَّحيح، ومن الأصحاب من لم يحكِ فيه خلافاً.

  4. ومنها: استئجار غير الظِّئر بالطَّعام والكسوة، وفيه روايتان، أصحُّهما: الجواز؛ كالظِّئر.

  5. ومنها: البيع، فلو باعه ثوباً بنفقة عبده شهراً؛ صحَّ، ذكره القاضي في «خلافه» .

  6. ومنها: النِّكاح، تقع الكسوة والنَّفقة فيه عوضاً عن تسليم المنافع،

    ج ١ ص ٥٢٨ولا يحتاج إلى شرطها في العقد، كما لا يحتاج فيه إلى ذكر المهر الَّذي يحصل به أصل الاستباحة، ولو شرطت عليه نفقة ولدها وكسوته؛ صحَّ، وكان من المهر (١) .

  7. وأمَّا غير المعاوضة: فهو إباحة النَّفقة للعامل ما دام متلبِّساً بالعمل، ويقع ذلك في العقود الجائزة؛ إمَّا بأصل الوضع، أو لأنَّه لا يجوز المعاوضة عنه بالشَّرع.

  8. ويندرج تحت ذلك صور:
  9. منها: المضاربة؛ فيجوز اشتراط المضارَب النفقة والكسوة في مدَّة المضاربة.

  10. ومنها: الشَّركة.

  11. ومنها (١) : الوكالة.

    ج ١ ص ٥٢٩
  12. ومنها: المساقاة والمزارعة إذا قلنا: بعدم لزومهما (٢) .

  13. وما بقي معهم من النَّفقة المأخوذة والكسوة بعد فسخ هذه العقود؛ هل يستقرُّ ملكهم عليه أم لا؟

  14. يحتمل ألَّا يستقر؛ لأنَّ ما يتناوله إنما هو على وجه الإباحة لا الملك، ولهذا قال الأصحاب: إذا اشترط المضارَب التَّسرِّي من مال المضاربة، فاشترى أمة منه؛ ملكها، ويكون (٣) ثمنها قرضاً عليه؛ لأنَّ الوطء لا يستباح بدون الملك، بخلاف المال؛ فإنَّه يستباح بالبذل والإستباحة (٤) ، كما يستبيح المرتهن الانتفاع بالرَّهن بشرطه في عقد البيع، نصَّ عليه أحمد، وتكون (٥) إباحة.

  15. وأشار أبو بكر عبد العزيز إلى رواية أخرى: يملك (٦) المضارب الأمة بغير عوض.

  16. وعلى هذا؛ فيحتمل أن تكون النفقة والكسوة تمليكاً، فلا يرد ما فضل منهما.

  17. ويحتمل أن يفرَّق بين اليسير والكثير (١) ؛ كما في المأخوذ من المغنم (٢) .

    ج ١ ص ٥٣٠
  18. ومنها: إذا أخذ الحاجُّ نفقة من غيره ليحجَّ عنه؛ فإنَّه عقدٌ جائز، والنَّفقة فيه إعانة على الحجِّ لا أجرة، وينفق على نفسه بالمعروف إلى أن يرجع إلى بلده، وإن فضلت فضلة ردَّها، نصَّ عليه.

  19. وكذا إن كانت الحجَّة عن ميت؛ إمَّا أن (٣) تكون حجَّة الإسلام، أو أوصى بأن يحجَّ عنه حجَّة (٤) ، فإنَّ فاضل النَّفقة يستردُّه الورثة إلَّا أن يعيِّن الموصي في وصيَّته إعطاء مقدار معيَّن لمن يحجُّ عنه حجَّة، فإنَّ الفاضل يكون له في المعروف من المذهب.

  20. ونقل ابن منصور عن أحمد: إذا قال: حُجُّوا عنِّي بألف درهم حجَّة؛ يحجُّ عنه حجَّة، وما فضل يردُّ إلى الورثة (٥) .

  21. وهذا يدلُّ على أنَّه لا يجوز أن يدفع إلى من يحجُّ أكثر من نفقته، ولم يجعل الباقي وصيَّة؛ لأنَّ الحاج هنا غير معين، فلا تصحُّ الوصية له، بخلاف ما إذا كان معيَّناً.

  22. ووجه المذهب: أن الموصى له يتعيَّن لحجِّه (٦) فيصير معلوماً.

  23. وإن قال: حجُّوا عنِّي بألف، ولم يقل: حجَّة؛ فالمذهب: أنَّها تصرف في حجَّة بعد أخرى حتَّى تنفذ.

    ج ١ ص ٥٣١
  24. وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى: أنَّه يحجُّ عنه حجَّة واحدة بنفقة المثل والباقي للورثة.

  25. ومنها: إذا أخذ الحاجُّ من الزكاة ليحجَّ به؛ فإنه يجوز؛ بناء على قولنا: إنَّ الحج من السبيل، فإن حجَّ ثمَّ فضلت فضلة؛ فهل يستردُّ أم لا؟

  26. الأظهر: استردادها؛ كالوصيَّة، وأولى؛ لأنَّ هذا المال يجب صرفه في مصارفه المعيَّنة شرعاً، ولا يجوز الإخلال بذلك، بخلاف فاضل الوصيَّة، فإنَّ الحقَّ فيه للورثة، ولهم تركه.

  27. وقياس قول الأصحاب في الغازي: أنَّه لا يستردُّ.

  28. وظاهر كلام أحمد في رواية الميمونيِّ: أنَّ الدَّابَّة لا تستردُّ، ولا يلزم مثله في النَّفقة؛ لأنَّ الدَّابَّة قد صرفت في سبيل الله، بخلاف فاضل النَّفقة، ويملكها بخروجه من بلده (١) ، بخلاف الغازي، نصَّ عليه في رواية الميمونيِّ.

  29. وعلَّل بأنَّه من حين يخرج فهو ابن سبيل، له حقٌّ في الزكاة، والغازي إنما أعطي للغزو؛ فلا يملك بدونه (٢) ، وهذا يرجع إلى أنَّ من

    ج ١ ص ٥٣٢أخذ لسبب، فانتفى وخلفه سبب آخر مبيح للأخذ؛ أنَّ له الإمساك بالسَّبب الثَّاني، وفيه خلاف بين الأصحاب.

  30. ومنها: إذا أخذ الغازي نفقة أو فرساً ليغزو عليها؛ فإنَّه يجوز، ويكون عقداً جائزاً لا لازماً، وهو إعانة على الجهاد، لا استئجارٌ عليه (١) ، فإن رجع والفرس معه؛ ملكها، ما لم تكن وقفاً أو عاريةً، نصَّ عليه أحمد (٢) ، ولا يملكها حتَّى يغزوَ.

    قال القاضي في «خلافه» : ويكون تمليكاً بشرط.

  31. ومعناه: أنَّه تمليك مراعًى بشرط الغزو، فإن غزا؛ تبيَّنَّا أنه ملكه بالقبض؛ فإنَّ قاعدة المذهب: أنَّ الهبة لا تقبل التَّعليق، وكذلك عقود المعاوضات (٣) .

  32. وإن فضل معه من الكسوة؛ فهو كالفرس.

  33. وإن فضل من النَّفقة؛ ففيه روايتان:
  34. إحداهما: يملكها أيضاً، نقلها عليُّ بن سعيد (٤) .

  35. والثَّانية: يردُّ الفاضل في الغزو؛ إلَّا أن يؤذن له في الاستعانة به في غزوة أخرى، نقلها حنبل.

    ج ١ ص ٥٣٣
  36. والفرق بين النَّفقة وغيرها: أنَّ الدَّابَّة قد صرفت في سبيل الله واستعملت فيه، وكذلك الكسوة؛ فحصل المقصود بها، بخلاف ما فضل من النَّفقة.

  37. فأمَّا إن أخذ من الزَّكاة، ثمَّ فضلت فضلة:

    فقال الخرقيُّ والأكثرون: لا تستردُّ (١) .

  38. وحكى صاحب «المحرَّر» وغيره وجهين.

  39. وقد قدَّمنا الفرق بين مال الزَّكاة وغيره.

  40. ونصَّ أحمد في رواية المروذيِّ على أنَّ الدَّابة تكون له، ولا يلزم مثله في النَّفقة؛ لما قدَّمنا.