قاعدة [٧١] فيما يجوز الأكل منه من الأموال بغير إذن مستحقيها.

٥١ فقرة، ج ١ ص ٥١٨

الصفحة ١ من ٢

  1. وهي نوعان: مملوك (٢) تعلَّق به حقُّ الغير، ومملوك للغير.

    ج ١ ص ٥١٨
  2. فأمَّا الأوَّل: فهو مال الزَّكاة، فيجوز الأكل ممَّا تتوق إليه النُّفوس ويشقُّ الانكفاف عنه من الثِّمار بقدر ما يحتاج إليه من ذلك، ويطعم الأهل والضِّيفان، ولا تحتسب زكاته.

  3. ولذلك يجب على الخارص أن يدع في خرصه الثُّلث أو الرُّبع بحسب ما تقتضيه الحال من كثرة الحاجة وقلَّتها؛ كما دلَّت عليه السنة (٣) ، فإن استبقيت ولم تؤكل رطبةً؛ رجع عليهم بزكاتها.

  4. وأمَّا الزُّروع؛ فيجوز الأكل منها بقدر ما جرت العادة بأكله فريكاً (٤)

  5. ونحوه، نصَّ عليه أحمد، وليس له الإهداء منها.

    ج ١ ص ٥١٩
  6. وخرَّج القاضي في الأكل منها وجهين؛ من الأكل من الزُّروع الَّتي ليس لها حافظ.

  7. وأمَّا الثَّاني: فينقسم إلى ما له مالك معيَّن وإلى ما له مالك غير معيَّن.

  8. فأمَّا ما له مالك غير معيَّن (١) ؛ كالهدي (٢) والأضاحي؛ فيجوز لمن هي في يده - وهو المهدي والمضحِّي - أن يأكل منها ويدَّخر ويُهدي؛ كما دلت عليه السُّنَّة.

  9. وهل يجوز أكل أكثر من الثلث أم لا؟ على وجهين، أشهرهما الجواز.

  10. وهل المستحب أن يقسم الهدي أثلاثاً كالأضاحي، أو يتصدق به كله إلا بما يأكله منه؟ على وجهين.

  11. وأمَّا ما له مالك معيَّن؛ فهو نوعان:

  12. أحدهما: أن يكون له عليه ولاية:
  13. فإن كانت الولاية عليه لحظِّ نفسه كالرَّهن، فإنَّه يجوز له الأكل ممَّا بيده إذا كان دَرًّا، والانتفاع بظهره إذا كان مركوباً؛ لكن بشرط أن يعاوض عنه بالنَّفقة.

  14. وإن كانت الولاية لمصلحة المولَّى عليه؛ فالمنصوص: جواز الأكل

    ج ١ ص ٥٢٠منه أيضاً بقدر عمله.

  15. ويتخرَّج على ذلك صور:
  16. منها: وليُّ اليتيم يأكل مع الحاجة بقدر عمله، وهل يردُّه إذا أيسر؟ على روايتين.

  17. واختار ابن عقيل: أنَّه يأكل مع الحاجة وعدمها.

  18. ولو فرض الحاكم له شيئاً؛ جاز له أخذه مجاناً بغير خلاف، هذا ظاهر كلام القاضي.

  19. ونصَّ أحمد في رواية البرزاطي في الأمِّ الحاضنة: أنَّها لا تأكل من مال (١) ولدها إلَّا للضَّرورة، إلَّا أن يفرض لها الحاكم في المال حقَّ الحضانة.

  20. ووجهه: أنَّ من أعطاه غيره؛ فله الأخذ مع الغنى، بخلاف الأخذ بنفسه، ولهذا جاز للوصيِّ الأخذ إذا شرط له الأب مع غناه، وجاز للوليِّ أن يدفع مال اليتيم مضاربة إلى من يعمل فيه بجزء من ربحه، ولم يجز له إذا عمل فيه بنفسه أن يأخذ، ولهذا المعنى جاز الأخذُ لعامل الزَّكاة مع الغنى؛ لأنَّ المعطي له هو الإمام.

  21. ومنها: أمين الحاكم أو الحاكم إذا نظر في مال اليتيم.

    قال القاضي مرَّة: لا يأكل، وفرَّق بينه وبين الوصيِّ: بأن الأب له أن يجعل للوصيِّ جُعْلاً مع وجود متبرِّعٍ بالنظر في مال اليتيم، والوصيُّ متصرف بإذنه وتوليته، بخلاف أمين الحاكم؛ فإنَّه لو وجد متبرِّعاً

    ج ١ ص ٥٢١بالحفظ؛ لم يجز له أن يجعل لأحد جُعْلاً عليه.

    وقال مرَّة: له الأكل كوصيِّ الأب، وأخذه من نصِّ أحمد على أنَّ الحاكم يأخذ على القضاء أجراً بقدر شغله، وقال: هو مثل وليِّ اليتيم (١) (٢) .

  22. وأمَّا الأب؛ فقال القاضي: ليس له الأكل لأجل عمله؛ لغناه عنه بالنَّفقة الواجبة في ماله، ولكن له الأكل منه بجهة التَّملُّك عندنا.

  23. وضعَّف ذلك الشَّيخ تقيُّ الدِّين رحمه الله تعالى.

    ج ١ ص ٥٢٢
  24. ومنها: ناظر الوقف والصَّدقات، ونصَّ أحمد على جواز أكله (١) ، نقل عنه أبو الحارث أنَّه قال في والي الوقف: إن أكل منه بالمعروف فلا بأس، قيل له: فيقضي منه دينه؟ قال: ما سمعنا فيه شيئاً (٢) .

  25. وكذلك نقل عنه حرب في رجل أوصى إلى رجل بأرض أو صدقة للمساكين، فدخل الوصيُّ الحائط أو الأرض، فتناول بطيخة أو قثَّاء أو نحو ذلك، قال: لا بأس بذلك إذا كان القيِّم بذلك أكل.

  26. وترجم عليه بعض الأصحاب -وأظنُّه أبا حفص العكبريَّ-: (الوصيُّ يأكل من الوقف الَّذي يليه) .

  27. وهذا ظاهر في أنَّه لا يشترط له الحاجة، وخرَّجه أبو الخطاب على عامل اليتيم.

  28. ونقل الميمونيُّ عن أحمد: أنَّه ذكر حديث عمر حين وقف فأوصى إلى حفصة (٣) ، ثمَّ قال أحمد: لمن وَلِيَه أن يأكل (٤) منه بالمعروف إذا كان (٥) اشترط ذلك (٦) .

  29. ومفهومه: المنع من الأكل بدون الشَّرط.

  30. فأمَّا الوكيل في الصدقة؛ فلا يأكل منها شيئاً، نقل يعقوب ابن بختان عن أحمد في رجل في يده مال للمساكين وأبواب البرِّ، وهو فقير محتاج إليه: فلا يأكل منه، إنَّما أُمِر أن ينفذ.

    ج ١ ص ٥٢٣
  31. وصرَّح القاضي في «المجرد» : بأنَّ من أُوصي إليه بتفرقة مال على المساكين أو دفع إليه رجل في حياته مالاً ليفرِّقه صدقة؛ لم يجز أن يأكل منه شيئاً بحقِّ قيامه؛ لأنَّه منفذ، وليس بعامل منمٍّ مثمِّر.

  32. ومنها: الوكيل والأجير، والمعروف منعهما من الأكل؛ لاستغنائهما عنه بطلب الأجرة من المؤجر والموكِّل، لا سيما والأجير قد أخذ الأجرة على عمله.

  33. ونقل حنبل عن أحمد في الوليِّ والوصيِّ إذا كانا يصلحان ويقومان بأمره، فأكلا بالمعروف: فلا بأس به، بمنزلة الوكيل والأجير.

    قال القاضي في «خلافه» : وظاهر هذا جواز الأكل للوكيل، انتهى (١) .

  34. ونقل العبَّاس بن محمَّد الخلَّال عن أحمد، فيمن كانت في يده أرض من أرض الخراج؛ هل يأكل ممَّا أخرجت من زرع أو ثمر إذا كان الإمام يأخذهم بالخراج مِساحة، أو صيَّرها في أيديهم مقاسمة على النصف أو الربع؛ قال: يأكل، إلَّا أن يخاف السُّلطان (٢) .

  35. وهذا يدلُّ على جواز أكل الشَّريك والعامل في المساقاة ونحوهما من الزُّروع والثِّمار بغير إذن (١) .

    ج ١ ص ٥٢٤
  36. النّوع الثَّاني: ما لا ولاية له عليه؛ فيجوز الأكل منه للضَّرورة بلا نزاع.

  37. وأمَّا مع عدمها؛ فيجوز فيما تتوق إليه النُّفوس مع عدم الحفظ والاحتراز عليه، وذلك في صور:

    منها: الأكل من الأطعمة في دار الحرب، وإطعام الدَّواب المعدَّة للرُّكوب.

  38. فإن كانت للتِّجارة؛ ففيه روايتان.

  39. وإن كانت للتَّصيُّد بها؛ فوجهان.

  40. وسواء كان محتاجاً إليه أو لم يكن في أشهر الطَّريقتين.