قاعدة [٧٤] فيمن يستحق العوض عن عمله بغير شرط.

٣٨ فقرة، ج ١ ص ٥٣٦

  1. وهو نوعان:
  2. أحدهما: أن يعمل العمل ودلالة حاله تقتضي المطالبة بالعوض.

  3. والثَّاني: أن يعمل عملاً فيه غناء عن المسلمين، وقيام بمصالحهم العامة، أو فيه استنقاذ لمال معصوم من الهلكة.

  4. أمَّا الأوَّل؛ فيندرج تحته صور كثيرة؛ كالملَّاح، والمكاري، والحجَّام، والقصَّار، والخيَّاط، والدَّلَّال، ونحوهم ممَّن يرصد نفسه للتَّكسُّب بالعمل، فإذا عمل؛ استحقَّ أجرة المثل؛ وإن لم يسمَّ له شيء، نصَّ عليه.

  5. وأمَّا الثَّاني؛ فيدخل تحته صور:

    منها: من قتل مشركاً في حال الحرب مغرِّراً بنفسه في قتله؛ فإنَّه يستحقُّ سَلَبه بالشَّرع لا بالشرط في أصحِّ الرِّوايتين.

  6. ومنها: العامل على (١) الصَّدقات؛ فإنَّه يستحقُّ أجرة عمله بالشرع، قال أحمد في رواية صالح: العاملين عليها الَّذين جعل الله لهم الثَّمن

    ج ١ ص ٥٣٧في كتابِه: السُّلطانُ (١) (٢) .

    وقال في رواية حنبل: يكون لهم الَّذي يراه الإمام.

  7. وظاهر هذا: أنَّه يجب ذلك له بالشَّرع، ويجوز له أخذه مع الغنى، بخلاف وليِّ اليتيم على المشهور؛ لأنَّ العامل يعطيه الإمام ما وجب له بالشَّرع؛ إمَّا مقدَّراً أو غير مقدَّرٍ، والوليُّ يأخذ لنفسه (٣) ، وقد أمره الله بالاستعفاف مع الغنى.

  8. وأيضاً؛ فأموال الزَّكاة حقٌّ لغير معيَّنِين، بخلاف مال اليتيم.

  9. وأيضاً؛ فمال الزَّكاة يستحقُّه مع الغنى جماعة؛ فالعامل الَّذي حصَّل الزَّكاة وجباها أولى.

  10. وأيضاً؛ فالعامل هو الَّذي جمع المال وحصَّله، بخلاف وليِّ اليتيم.

  11. وذكر القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة» : أنَّ قياس المذهب: أنَّ العامل لا يستحقُّ إذا لم يشرط له جُعل؛ إلَّا أن يكون معروفاً بأخذ الأجرة على عمله.

  12. والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ حقَّه ثابت بالنَّصِّ؛ فهو كجُعْل ردِّ الإباق وأولى؛ لورود القرآن به.

    ج ١ ص ٥٣٨
  13. ومنها: من ردَّ آبقاً على مولاه؛ فإنَّه يستحقُّ على ردِّه جُعلاً بالشَّرع، سواء شرطه أو لم يشرطه على ظاهر المذهب، وفيه أحاديث مرسلة وآثار (١) ، والمعنى فيه الحثُّ على حفظه على سيِّده وصيانة العبد عمَّا يخاف من لحاقه بدار الحرب والسَّعي في الأرض بالفساد، ولهذا المعنى اختصَّ الوجوب بردِّ الآبق دون غيره من الحيوان والمتاع.

  14. وسواء كان معروفاً بردِّ الأُبَّاق أو لم يكن، إلَّا السَّلطان؛ فإنَّه لا شيء له، نصَّ عليه في رواية حرب (٢) ؛ لانتصابه للمصالح، وله حقٌّ في بيت المال على ذلك (٣) ، ولذلك لم يكن له الأكل من مال اليتيم كما سبق.

  15. ومنها: من أنقذ مال غيره من التَّلف؛ كمن خلَّص عبد غيره من فلاة مهلكة، أو متاعه من موضع يكون هلاكه فيه محقَّقاً أو قريباً منه؛ كالبحر وفم السَّبُع (٤) ؛ فنصَّ أحمد على وجوب الأجرة له في المتاع.

  16. وذكره القاضي وابن عقيل وصاحب «المغني» في العبد أيضاً.

  17. وحكى القاضي فيه احتمالاً بعدم الوجوب؛ كاللُّقَطَةِ.

  18. وأورد في «المجرد» عن نصِّ أحمد فيمن خلَّص من فم السَّبع شاة أو خروفاً أو غيرهما؛ فهو لمالكه الأوَّل، ولا شيء للمخلِّص.

    ج ١ ص ٥٣٩
  19. والصَّحيح الأوَّل؛ لأنَّ هذا يخشى هلاكه وتلفه على مالكه، بخلاف اللُّقَطة.

  20. وكذلك لو انكسرت السَّفينة، فخلَّص قومٌ الأموال من البحر؛ فإنَّه تجب لهم الأجرة على الملَّاك، ذكره في «المغني» ؛ لأنَّ فيه حثًّا وترغيباً في إنقاذ الأموال من الهلكة، فإنَّ الغوَّاص إذا علم أنه يستحق الأجرة؛ غرر بنفسه وبادر إلى التخليص، بخلاف ما إذا علم أنَّه لا شيء له؛ فهو في معنى ردِّ الآبق.

  21. وفي «مسودة شرح الهداية» لأبي البركات: (وعندي أنَّ كلام أحمد على ظاهره في وجوب الأجرة في تخليص المتاع من المهالك دون الآدميِّ؛ لأنَّ الآدميَّ أهلٌ في الجملة لحفظ نفسه) انتهى.

  22. وفيه نظر؛ فقد يكون صغيراً أو عاجزاً، وتخليصه أهمُّ وأولى من المتاع، وليس في كلام أحمد تفرقة.

  23. فأمَّا من عمل في مال غيره على غير ما ذكرنا؛ فالمعروف من المذهب: أنَّه لا أجرة له.

  24. ونقل أبو جعفر الجرجانيُّ (١) عن أحمد في رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه؛ قال: لهذا الَّذي عمل نفقته إذا عمل ما يكون منفعةً لصاحب القناة (٢) .

  25. وهذه تتخرَّج على أصلين:

    أحدهما: أنَّ الغاصب يكون شريكاً بآثار عمله.

    ج ١ ص ٥٤٠
  26. والثَّاني: أنَّه يجبر على أخذ قيمة آثار عمله من المالك؛ ليتملَّكها عليه.

  27. وصرَّح القاضي في «خلافه» : بأنَّه يكون شريكاً بآثار عمله إذا زادت به القيمة حتَّى في غسل الثَّوب ونحوه، وذكر نصَّ أحمد في العمل في القناة من رواية حرب وابن هانئ، وتبعه على ذلك جماعة من الأصحاب.

  28. وحمل ابن عقيل في «مفرداته» هذه النُّصوص على أنَّ العامل هنا في القناة كان شريكاً فيها.

  29. وليس في النصوص شيء يُشعِر بذلك.

  30. ومن الأصحاب من أقرَّ النصوص على ظاهرها، وجعل هذا الحكم مطَّرداً في كلِّ من عمل عملاً لغيره فيه مصلحة له وهو محتاج إليه؛ كحصاد زرعه، والاستخراج من معدِنه ونحوِ ذلك؛ تخريجاً من العمل في القناة، ومنهم الحارثيُّ.

  31. وكأنَّهم جعلوه بمنزلة تصرف الفضوليِّ (١) ؛ فللمالك حينئذ أن يُمضيَه ويردَّ عوضه، وهو أجرة المثل، وله أن لا يمضيَه فيكون العامل شريكاً بالعمل.

  32. وقد قال القاضي في «بعض تعاليقه» - وقرأته بخطِّه - في الأجير

    ج ١ ص ٥٤١إذا عمل في (١) العين المستأجر عليها دون ما شرط عليه (٢) : إنَّ المالك مخيَّر؛ إن شاء ردَّ عمله وأخذ الأجرة وصار الأجير شريكًا بعمله، وإن شاء قَبِل العمل، ورجع على الأجير بالأرش.

  33. وذكر نصَّ أحمد في رواية الميمونيِّ بالرُّجوع بالأرش، ثمَّ حمله على أنَّه كان قد رضي بالعمل.

    وقال القاضي في «خلافه» : قياس المذهب إذا لم يأت الحائك بالثَّوب على الصِّفة المشروطة: إن شاء ضمَّنه قيمة الغزل ولا أجرة له، وإن شاء ضمَّنه قيمته منسوجاً وعليه الأجرة، وتكون الأجرة ههنا ما زاد على قيمة الغزل.

  34. ثم ذكر رواية الميمونيِّ هذه، وقال: هي محمولة على أن صاحب الثوب اختار تقويمه معمولاً، والتزم قيمة الصنعة التي هي دون التي وافقه عليها.

  35. وهذا الَّذي قاله بعيدٌ جدًّا أن يضمِّن المالك للصَّانع (٣) قيمة الثَّوب مع بقائه، ولا يصحُّ حمل كلام أحمد على ما قاله؛ لأنَّ أحمد قال: (ينظر ما بينهما فيرجع به على الصَّانع) ، وهذا تصريح بالرُّجوع عليه بالأرش خاصَّة.

  36. وأيضاً؛ فلو غصب غزلاً ونسجه؛ لم يملك المالك إلزامه به ويطالبه

    ج ١ ص ٥٤٢بالقيمة؛ فكيف يملك مطالبة الأجير بذلك؟!

  37. وذكر ابن عقيل في هذه المسألة: أنَّ المالك يملك استرجاع الأجرة المسمَّاة ودفع أجرة المثل، ثمَّ ذكر احتمالًا بالرُّجوع بالأرش؛ كما هو المنصوص، والله أعلم.

  38. ومتى كان العمل في مال الغير إنقاذاً له من التَّلف المشرِف عليه؛ كان جائزاً؛ كذبح الحيوان المأكول إذا خيف موته، صرَّح به صاحب «المغني» ، ويفيد هذا أنَّه لا يضمن ما نقص بذبحه.