قاعدة [٧٥] فيمن يرجع بما أنفق على مال غيره بغير إذنه.
٤٥ فقرة، ج ١ ص ٥٤٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٥٤٣
وهو نوعان:
أحدهما: من أدَّى واجباً عن غيره.
-
والثَّاني: من أنفق على ما تعلَّق به حقُّه من مال غيره.
-
فأمَّا النّوع الأوَّل؛ فيندرج تحته صور:
منها: إذا قضى عنه ديناً واجباً بغير إذنه؛ فإنَّه يرجع به عليه في أصحِّ الرِّوايتين، وهي المذهب عند الخرقيِّ وأبي بكر والقاضي والأكثرين.
-
واشترط القاضي: أن ينوي الرجوع، ويُشهد على نيَّته عند الأداء، فلو نوى التَّبرُّع أو أطلق النِّيَّة؛ فلا رجوع له.
-
واشترط أيضاً: أن يكون المدين ممتنعاً من الأداء، وهو يرجع إلى أن لا رجوعَ إلا عند تعذُّر إذنه.
-
وخالف في ذلك صاحبا (٢) «المغني» و «المحرَّر» ، وهو ظاهر إطلاق
ج ١ ص ٥٤٤القاضي في «المجرَّد» والأكثرين.
-
وهذا في ديون الآدميِّين، فأمَّا ديون الله عز وجل؛ كالزكاة والكفارة؛ فلا يرجع بها من أدَّاها عمن هي عليه، وعلَّل القاضي ذلك: بأنَّ أداءها بدون إذن من هي عليه لا تصحُّ؛ لتوقُّفها على نيَّته، ويلزم على هذا لو حجَّ رجل عن ميت بدون إذن وليه، وقلنا: يصح، أو أعتق عنه في نذر، أو أطعم عنه في كفَّارة، وقلنا: يصحُّ؛ أنَّ له الرجوع بما أنفق؛ لسقوط اعتبار الإذن هنا، ويكون كأداء أحد الخليطين الزكاة من ماله عن الجميع.
-
ومنها: لو اشترى أسيراً حرًّا مسلماً من أهل دار الحرب، ثمَّ أطلقه، أو أخرجه إلى دار الإسلام؛ فله الرُّجوع عليه بما اشتراه به، سواء أذن له أو لم يأذن؛ لأنَّ الأسير يجب عليه افتداء نفسه؛ ليتخلَّص من الأسر، فإذا فداه غيره؛ فقد أدى عنه واجباً فيرجع به عليه، وأكثر الأصحاب لم يحكوا في الرُّجوع ههنا خلافاً.
-
وحكى القاضي في كتاب الرِّوايتين (١) رواية أخرى: يتوقَّف الرجوع على الإذن.
-
وهل يُعتبر للرُّجوع ههنا نيته (٢) ، أم يكفي إطلاق النِّيَّة؟ على وجهين:
أحدهما: تعتبر نيَّة الرُّجوع؛ كقضاء الدِّيون، وهو ظاهر كلام القاضي.
- ج ١ ص ٥٤٥
والثَّاني: يرجع ما لم ينو التَّبرع، وبه جزم في «المحرَّر» ؛ للأثر المرويِّ عن عمر رضي الله عنه (١) ، ولأنَّ إفتكاك (٢) الأسرى مطلوب شرعاً؛ فيرغَّب فيه بتوسعة طرق الرجوع؛ لئلَّا تقلَّ الرغبة فيه.
-
ومنها: نفقة الرقيق والزوجات والأقارب والبهائم (٣) إذا امتنع من تجب عليه النَّفقة، فأنفق عليهم غيره بنيَّة الرُّجوع؛ فله الرُّجوع (٤) ؛ كقضاء الدُّيون (٥) ، جزم به القاضي في «خلافه» ، وابن عقيل في «مفرداته» .
- ج ١ ص ٥٤٦
ومنها: لو أنفق على عبده الآبق في حال ردِّه إليه؛ فإنَّه يرجع بما أنفق، نصَّ عليه (١) ، وجزم به الأكثرون من غير خلاف؛ فإنَّه يستحقُّ جُعلاً على الرَّدِّ عوضاً عن بذله منافعه؛ فلأنْ يجب له العوض عمَّا بذله من المال في ردِّه أولى.
-
واشترط أبو الخطاب وصاحب «المحرَّر» العجز عن استئذان المالك، وضعَّفه صاحب «المغني» .
-
ولا يتوقَّف الرجوع على تسليمه، فلو أبقَ منه قبل ذلك؛ فله الرُّجوع بما أنفق عليه، نصَّ عليه أحمد في رواية عبد الله، وصرَّح به الأصحاب.
-
وكذلك حكم العبد المنقطع بمهلكة.
-
وحكى أبو بكر وابن (٢) أبي موسى في الرُّجوع بنفقته روايتين.
-
ولو أراد استخدامه بدل النَّفقة؛ ففي جوازه روايتان، حكاهما أبو الفتح الحلوانيُّ في «الكفاية» ؛ كالعبد المرهون.
-
ومنها: نفقة اللُّقطة (٣) ، حيواناً كانت أو غيره، ممَّا يحتاج في حفظه إلى مؤنة وإصلاح، فإن كانت بإذن حاكم رجع بها؛ لأنَّ إذنَه قائمٌ مقام إذن (٤) الغائب.
- ج ١ ص ٥٤٧
وإن لم يكن بإذنه؛ ففيه الرِّوايتان (١) .
-
ومنهم من رجَّح ههنا عدم الرُّجوع؛ لأنَّ حفظها لم يكن متعيِّناً، بل كان مخيَّراً بينه وبين بيعها وحفظ ثمنها.
-
وذكر ابن أبي موسى: أنَّ الملتقط إذا أنفق غير متطوِّع بالنفقة؛ فله الرُّجوع بها، وإن كان محتسباً (٢) ؛ ففي الرجوع روايتان.
-
ومنها: نفقة اللَّقيط، خرجها بعض الأصحاب على الرِّوايتين.
-
ومنهم من قال: يرجع ههنا قولاً واحداً، وإليه ميل صاحب «المغني» ؛ لأنَّ له ولاية على الملتقَط، ونصَّ أحمد أنَّه يرجع بما أنفقه على بيت المال.
-
ومنها: الحيوان المودَع إذا أنفق عليه المستودَع ناوياً للرُّجوع، فإن تعذَّر استئذان مالكه؛ رجع، وإن لم يتعذَّر؛ فطريقان (٣) :
إحداهما: أنَّه على الرِّوايتين في قضاء الدَّين، وأولى؛ لأنَّ للحيوان حرمة في نفسه توجب تقديمه على قضاء الديون أحياناً، وهي طريقة صاحب «المغني» .
- ج ١ ص ٥٤٨
والثَّانية: لا يرجع قولاً واحداً، وهي طريقة «المحرَّر» ؛ متابعة لأبي الخطاب (١) .
-
لكن من اعتبر للرجوع في قضاء الدَّيون (٢) تعذَّر الإذن؛ فهنا أولى.
-
ومن (٣) لم يعتبر ذلك في الدَّين واعتبره ههنا؛ فرَّق: بأنَّ قضاء الدَّين فيه إبراء لذمته (٤) وتخليص له من الغريم، وههنا اشتغال الذمة (٥) بدين لم تكن (٦) مشتغلة به.
-
وهو ضعيف، وينتقض بنفقة الأقارب كما تقدَّم، فإنَّ المطالبة هنا متوجِّهة من الحاكم بإلزامه؛ فقد خلَّصه من ذلك وعجَّل براءته منه، وقضاء الدَّين لم تبرأ به ذمَّته بالكليَّة، بل هي مشغولة بدين المؤدِّي عنه.
-
وأيضاً؛ فإنَّ الإذن في الإنفاق على الحيوان المؤتمن عليه عرفيٌّ؛ فيتنزَّل منزلة اللَّفظيِّ.
-
ومنها: نفقة طائر غيره إذا عشَّش في داره، قال أحمد في رواية المروذيِّ، في طَيْرةٍ أفرخت عند قوم من الجيران: فالفراخ تتبع الأمَّ، يُردُّون على أصحابها، فإن كان قد أعلف الفراخ مدَّة مقامها في يده
ج ١ ص ٥٤٩متطوِّعاً؛ لم يرجع، وإن لم يتطوَّع يحتسب (١) بالنَّفقة؛ أخذ من صاحبها ما أنفق (٢) ، ولم يفرِّق بين إمكان الاستئذان وعدمه.
-
وخرَّج القاضي رواية أخرى: بعدم الرُّجوع بكلِّ حال، من نظيرها في المرتهن وغيره.
-
وأمَّا النّوع الثَّاني: وهو ما يرجع فيه بالإنفاق على مال غيره لتعلُّق حقِّه به؛ فله صور:
منها: إنفاق أحد الشَّريكين على المال المشترك مع غيبة الآخر أو امتناعه، قال أحمد في رواية ابن القاسم في رجلين بينهما أرض أو دار أو عبد يحتاج إلى أن ينفق على ذلك، فيأبى الآخر؛ قال: ينظر في ذلك، فإن كان يضرُّ بشريكه (٣) ويمتنع ممَّا يجب عليه؛ ألزم ذلك وحكم به عليه، ولا يُضرُّ بهذا، ينفق ويحكم به عليه.
-
ويتفرَّع على هذه المسألة فروع، من جملتها: إذا كان بينهما حائط مشترك أو سقف، فانهدم، وطلب أحدهما أن يبنيَ الآخر معه:
فالمذهب: أنَّه يجبر على ذلك.
-
وفيه رواية أخرى: لا يجبر؛ فينفرد الطَّالب بالبناء ويمنع الشَّريك من الانتفاع حتَّى يأخذ منه ما يخصُّ حصَّته من النفقة، نص عليه؛ لأنَّ من جاز له البناء في ملك غيره لم يكن متبرعاً به؛ كالوصيِّ والحاكم في
ج ١ ص ٥٥٠ملك اليتيم.
-
ومن صور النَّوع: إذا جنى العبد المرهون، ففداه المرتهن بغير إذن الرَّاهن؛ قال أكثر الأصحاب؛ كالقاضي وابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهم: إن لم يتعذَّر استئذانه؛ فلا رجوع، وإن تعذَّر؛ خُرِّج على الخلاف في نفقة الحيوان المرهون؛ لأنَّ الفداء هنا لمصلحة الرَّهن واستبقائه، وذلك واجب على الرَّاهن لحقِّ المرتهن.
وقال صاحب «المحرر» : لا يرجع بشيء، وأطلق؛ لأنَّ المالك لم يجب عليه الافتداء والتَّسليم (١) ههنا.
-
وكذلك لو سلَّمه؛ لم تلزمه قيمته لتكون رهناً، وقد وافق الأصحاب على ذلك، وإنَّما خالف فيه ابن أبي موسى.
-
ومنها: مؤنة الرَّهن، من كري مخزنه، وإصلاحه، وتشميسه، ونحو ذلك ممَّا يلزم الرَّاهن إذا قام بها المرتهن بدون إذنه مع تعذُّره؛ فهي جارية مجرى نفقة الحيوان المرهون على ما سيأتي، صرَّح به الأصحاب؛ لأنَّ ذلك ممَّا لا بدَّ منه لحفظ ماليَّة الرَّهن، فصار واجباً على الرَّاهن؛ لعلاقة حقِّ المرتهن (٢) .
- ج ١ ص ٥٥١
ومنها: لو خربت الدَّار المرهونة، فعَمَرها المرتهن بغير إذن؛ فقال القاضي في «المجرَّد» وصاحبا «المغني» و «المحرر» : لا يرجع إلَّا بأعيان آلته؛ لأنَّ عمارة الدَّار لا تجب على المالك.
-
والمجزوم به في «الخلاف الكبير» للقاضي: أنَّه يرجع؛ لأنَّه من مصلحة الرَّهن.
وقال ابن عقيل: (يحتمل عندي أن يرجع بما يحفظ به أصل ماليَّة الدَّار؛ لحفظ وثيقته؛ لأنَّها نفقة لحفظ مالية وثيقته، وذلك غرض صحيح) انتهى.