قاعدة [٨٤] الحمل؛ هل له حكم قبل انفصاله أم لا؟

١٦٦ فقرة، ج ٢ ص ١١٩

الصفحة ١ من ٥

  1. حكى القاضي وابن عقيل وغيرهما في المسألة روايتين، قالوا: والصَّحيح من المذهب أنَّ له حكماً.

    ج ٢ ص ١١٩
  2. وهذا الكلام على إطلاقه قد يستشكل، فإنَّ الحمل يتعلَّق به أحكامٌ كثيرة ثابتة بالاتَّفاق؛ مثل: عزل الميراث له، وصحَّة الوصية له، ووجوب الغرَّة بقتله، وتأخير إقامة الحدِّ واستيفاءِ القصاص من أمِّه حتَّى تضعه، وإباحة الفطر لها إذا خشيت عليه، ووجوب النَّفقة لها إذا كانت بائناً، وإباحة طلاقها وإن كانت (١) موطوءة في ذلك الطُّهر قبل ظهوره، إلى غير ذلك من الأحكام، ولم يريدوا إدخال هذه الأحكام في محلِّ الروايتين.

  3. وفصل القول في ذلك: أنَّ الأحكام المتعلِّقة بالحمل نوعان:

    أحدهما: ما يتعلق - بسبب الحمل - بغيره: فهذا ثابت بالاتفاق؛ لأنَّ الأحكام الشَّرعية تتعلق على الأسباب الظاهرة، فإذا ظهرت أمارات الحمل؛ كان وجوده هو الظَّاهر، فيترتَّب (٢) عليه أحكامه في الظَّاهر، ثمَّ

    ج ٢ ص ١٢٠إن خرج حيًّا؛ تبيَّنا ثبوت تلك الأحكام في الباطن، وإن بان أنَّه لم يكن حمل أو خرج ميتاً؛ تبيَّنَّا فساد ما يتعلَّق من الأحكام به أو بحياته؛ كإرثه ووصيَّته.

  4. وهذه الأحكام كثيرة جدًّا، بعضها (١) متَّفق عليه، وبعضها فيه اختلاف (٢) .

  5. فمنها: إذا ماتت كافرةٌ وفي بطنها حملٌ محكوم بإسلامه؛ لم تدفن في مقابر الكفَّار؛ لحرمة الحمل.

  6. ومنها: إخراج الفطرة عن الحمل، وهي مستحبَّة، وفي وجوبها طريقان للأصحاب:

    منهم: من جزم بنفي الوجوب.

  7. ومنهم من قال: في المسألة روايتان.

  8. ومنها: فطر الحامل إذا خافت على جنينها من الصَّوم؛ ويجب عليها القضاء والكفارة، وهل الكفارة من مالها، أو بينها وبين من يلزمه نفقة الحمل؟ على احتمالين، ذكرهما ابن عقيل في «فنونه» .

  9. ومنها: إذا اشترى جارية فبانت حاملاً؛ فنصَّ أحمد في رواية أبي طالب: (أنَّ البائع إن أقرَّ بوطئها رُدَّت إليه؛ لأنَّها أم ولد له، وإن أنكر؛ فإن شاء المشتري ردَّها، وإن شاء (٣) لم يردها).

  10. فأبطَلَ البيع مع إقرار البائع بالوطء بمجرَّد تبيُّن الحمل.

    وقال ابن عقيل: عندي لا يجب الرَّدُّ حتَّى تضع ما تصير به الأمة أمَّ ولد؛ لجواز ألَّا يكون كذلك.

    ج ٢ ص ١٢١
  11. وهذا تفريع على قولنا: بصحَّة البيع قبل الاستبراء، فأمَّا على الرِّواية الأخرى؛ فالبيع من أصله باطل؛ لعدم استبراء البائع.

  12. ومنها: لو وطئ الرَّاهن أمته المرهونة فأحبلها؛ خرجت من الرَّهن، ولزمه قيمتها يكون رهناً، كذا (١) قاله كثير من الأصحاب.

  13. ومنهم من قال: بتأخير (٢) الضَّمان حتى تضع؛ فيلزمه قيمتها يوم أحبلها.

  14. ومنها: إذا وطئ جارية من المغنم فحملت؛ فإنَّها تقوم عليه في الحال، وتصير مستولدة له، هذا هو المنصوص عن أحمد.

    وقال القاضي في «خلافه» : لا تصير مستولدة؛ بناءً على أنَّ الغنيمة لا تملك بدون القسمة، لكن يمنع من بيعها؛ لكونها حاملاً بحرٍّ، ولا تؤخَّر قسمتها، فتعيَّن أن تحسب عليه من نصيبه لذلك.

  15. ومنها: إذا قال لزوجته: إن كنت حاملاً فأنت طالق؛ فالمنصوص عن أحمد في رواية مهنَّى: (أنه ينظر النِّساء إليها، فإن خفي عليهنَّ، فإن جاءت به لتسعة أشهر أو لستَّة أشهر؛ حنث) (٣) .

  16. فأوقع الطَّلاق بشهادة النِّساء بالحمل، أو بولادتها لغالب مدَّة الحمل عند خفائه.

    ج ٢ ص ١٢٢
  17. وصحَّح القاضي في موضع من «الجامع» هذه الرِّواية.

    وقال أكثر الأصحاب: إن ولَدَت لأكثر من نهاية مدَّة الحمل؛ لم تطلُق، وإن ولدت لدون أكثر مدَّة الحمل: فإن كان لم يطأها بعد اليمين؛ طلَقت، وإن وطئها بعد اليمين، فإن ولدت لدون ستة أشهر من أوَّل (١) الوطء؛ طلَقت، وإن ولدت لأكثر منه؛ فوجهان:

    أشهرهما: لا تطلُق، وجعله القاضي في «المجرد» وجهاً واحداً؛ لاحتمال العلوق به من الوطء المتجدد.

  18. والثَّاني: تطلُق؛ لأنَّ الأصل عدمه.

  19. وفيه وجه آخر: لا تطلق حتَّى تضعه لدون ستَّة أشهر بكلِّ حال؛ لأنَّه لا يتيقن وجوده عند اليمين بدون ذلك، والطَّلاق لا يقع مع الشَّك والاحتمال.

  20. ومنها: إذا كان لرجل زوجة لها ولد من غيره، فمات ولا أب له، وقد كان تقدَّم من الزَّوج وطء هذه الزَّوجة؛ فإنه يُمنع من وطئها بعد موت ولدها حتَّى يتبيَّن هل هي حامل من وطئه المتقدِّم أم لا؛ لأجل ميراث الحمل من أخيه.

  21. وكذلك إذا كان عبد تحته حرَّة قد وطئها، وله أخ حرٌّ، فيموت أخوه الحرُّ؛ فإنَّه يُمنع من وطء زوجته حتَّى يتبين هل هي حامل أم لا؛ لأجل ميراث الحمل من عمِّه.

    ج ٢ ص ١٢٣
  22. ثمَّ إن جاءت بولد لدون ستة أشهر من حين الموت؛ فإنَّه يرث بلا إشكال.

  23. وإن جاءت به لأكثر من ستَّة أشهر ولأقل من أكثر مدَّة الحمل؛ فإن كفَّ الزَّوج عن الوطء من حين الموت ورث الحمل؛ لأنَّ الظاهر أنَّها كانت حاملاً.

  24. قال أحمد في رواية ابن منصور، في رجل تزَّوج امرأة لها ابنٌ من غيره فيموت ابنها: إن (١) جاءت بولد دون ستَّة أشهر من يوم مات ابنها؛ ورَّثناه، وإن جاءت بالولد بعد ستة (٢) أشهر؛ لم نورِّثه إلا ببينة، ويكفُّ عن امرأته إذا مات ولدها، فإن لم يكفَّ، فجاءت (٣) بولد لأكثر من ستَّة أشهر؛ فلا أدري أهو أخوه أم لا؟ (٤) .

  25. وظاهر هذا: أنَّه إن كفَّ عن الوطء ورث الولد.

    ج ٢ ص ١٢٤
  26. وإن لم يكفَّ؛ فإن جاءت بالولد بعد الوطء لدون ستَّة أشهر ورث أيضاً، وكان كمن لم يطأ، وإن جاءت به لستَّة أشهر فصاعداً؛ فظاهر كلام أحمد الَّذي ذكرناه: أنَّه لا يرث، وبه جزم القاضي في «المجرد» ؛ إلَّا أن يقر الورثة أنَّها كانت حاملاً يوم مات (١) ولدها.

    وقال في «الجامع الكبير» : يحتمل وجهين، خرَّجهما من مسألة تعليق الطَّلاق على الحمل الَّتي تقدمت (٢) .

  27. النَّوع الثَّاني: الأحكام الثَّابتة للحمل في نفسه، من ملك، وتملُّك، وعتق، وحكم بإسلام، واستلحاق نسب ونفيه، وضمان، ونفقة.

  28. وهذا النَّوع هو مراد من حكى الخلاف في الحمل؛ هل له حكم أم لا؟

  29. وبعض هذه الأحكام ثابتة بغير خلاف، ولنذكر جملة من هذه الأحكام:

    فمنها: وجوب النَّفقة له؛ فتجب النفقة للحمل (٣) على الأب وإن كانت أمه لا نفقة لها؛ كالبائن بالاتفاق.

  30. وهذه النَّفقة للحمل لا لأمِّه على أصحِّ الرِّوايتين (٤) ، وهي اختيار

    ج ٢ ص ١٢٥الخرقيِّ وأبي بكر، ولهذا تدور معه وجوداً وعدماً (١) .

  31. فعلى هذه؛ تجب مع نشوز الأمِّ، وكونها حاملاً من وطء شبهة أو نكاح فاسد.

  32. ويجب على سائر من تجب عليه نفقة الأقارب مع فقد الأب بالموت أو الإعسار، ذكره القاضي في «خلافه» ، وصاحب «المحرَّر» .

  33. ويسقط بيسار الحمل إذا حكم له بمال، ذكره القاضي أيضاً في «الخلاف» ، وظاهر كلامه في كتاب الرِّوايتين بخلاف (٢) ذلك.

  34. ويجب الإنفاق في مدَّة الحمل، ولا يقف على الوضع، نصَّ عليه أحمد (٣) .

  35. وخرَّج الآمديُّ وأبو الخطاب وجهاً إذا قلنا: لا حكم للحمل: أنَّه لا تجب النَّفقة حتى ينفصل، فيرجع بها.

    ج ٢ ص ١٢٦
  36. وهو ضعيف مصادم لقوله تعالى: {وإن كنَّ أولات حمل فأنفقوا عليهنَّ حتى يضعن حملهن} .

  37. وأمَّا أمُّ الولد إذا مات عنها سيِّدها وهي حامل؛ فليست من هذا القبيل، وإن كان أبو الخطَّاب ذكر في وجوب النَّفقة لها لأجل الحمل روايتين، بل نفقة هذه من جنس نفقة الحامل المتوفَّى عنها، وفيها أيضاً روايتان.

  38. وليس ذلك مبنيًّا على أنَّ النَّفقة للحمل أو للحامل كما زعم ابن الزاغونيِّ وغيره؛ فإنَّ نفقة الأقارب تسقط بالموت، ولكن هذا من باب وجوب النفقة على المحبوسة لحقِّ الزَّوج من ماله؛ كنفقة البائن الحائل (١) .

  39. نعم، يتوجَّه أن يقال: إن قلنا: النَّفقة للحامل؛ وجبت نفقة أمِّ الولد والمتوفَّى عنها من التَّركة؛ لأنَّهما محبوستان لحق الزوج، فإذا وجبت لهما نفقة فهي من ماله، وإن قلنا: النَّفقة للحمل؛ فهي على الورثة كما سبق، وهذا عكس ما ذكره ابن الزاغونيِّ ومن وافقه.

  40. وفي نفقة أمِّ الولد الحامل ثلاث روايات عن أحمد:

    إحداها: لا نفقة لها، نقلها حرب وابن بختان (٢) .