قاعدة [٨٥] الحقوق خمسة أنواع
١٢٢ فقرة، ج ٢ ص ١٥٣
الصفحة ١ من ٤
- ج ٢ ص ١٥٣
أحدها: حقُّ ملك، كحقِّ السَّيِّد في مال المكاتب، ومال القنِّ إذا قلنا: يملك بالتَّمليك، وكذلك ما (١) يمتنع إرثه لمانع؛ كالتركة المستغرقة بالدين على رواية، وكالمحرِم إذا مات موروثه وفي ملكه صيد على أحد الوجهين.
-
الثَّاني (٢) : حقُّ تملك؛ كحقِّ الأب في مال ولده، وحقِّ القابل للعقد إذا أوجب له، وحقِّ العاقد في عقد يملك فسخه ليعيد ما خرج (٣) عنه إلى ملكه، مع أنَّ في هذا شائبة من حقِّ الملك، وحقِّ الشَّفيع في الشقص.
-
وههنا صور مختلف فيها؛ هل يثبت فيها الملك، أو حقُّ التَّملُّك؟
-
فمنها: حقُّ المضارب في الرِّبح بعد الظُّهور وقبل القسمة، وفيه روايتان:
إحداهما: أنَّه ملكه بالظُّهور.
- ج ٢ ص ١٥٤
والثَّانية (١) : لم يملكه، وإنَّما ملك أن يتملَّكه، وهو حقٌّ متأكِّد حتى لو مات ورث عنه، ولو أتلف المالك المال؛ غرم نصيبه، وكذلك الأجنبيُّ.
-
ولو أسقط المضارب حقَّه منه (٢) :
فإن قلنا: هو ملكه؛ لم يسقط.
-
وإن قلنا: لم يملكه بعد؛ ففي «التَّلخيص» احتمالان:
أحدهما: يسقط؛ كالغنيمة.
-
والثَّاني: لا؛ لأن الربح ههنا (٣) مقصود وقد تأكد سببه، بخلاف الغنيمة، فإن مقصود الجهاد إعلاء كلمة الله، لا المال.
-
ومنها: حقُّ الغانم في الغنيمة قبل القسمة، وفيه وجهان:
أحدهما -وهو المنصوص، وعليه جمهور الأصحاب-: أنَّه يثبت الملك فيها بمجرَّد الاستيلاء، لكن؛ هل يشترط الإحراز أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يشترط، وتملك بمجرد تقضِّي الحرب، وهو قول
ج ٢ ص ١٥٥القاضي في «المجرد» ، ومن تابعه على طريقته.
-
والثَّاني: يشترط، وهو قول الخرقيِّ وابن أبي موسى؛ كسائر المباحات، ورجَّحه صاحب «المغني» .
-
فعلى هذا؛ لا يستحق منها (١) إلَّا من شهد الإحراز.
-
وأمَّا على الأوَّل؛ فاعتبر القاضي والأكثرون شهود آخر الوقعة، وقالوا: لا يستحقُّ من لم يشهده.
-
وفصَّل في «الأحكام السلطانية» بين الجيش وأهل المَدَد، فأما الجيش؛ فيستحقون بحضور جزء من الوقعة إذا كان تخلُّفهم عن الباقي لعذر؛ كموت الغازي أو كموت (٢) فرسه، وأمَّا المدد، فيعتبر لاستحقاقهم شهود انجلاء الحرب، ونصَّ أحمد في رواية يعقوب بن بختان فيمن قتل في المعركة: تعطى ورثته نصيبه.
-
والوجه الثَّاني: لا يملك (٣) الغنيمة إلَّا باختيار الملك، وهو اختيار القاضي في «خلافه» .
-
فعلى هذا؛ إنما يثبت لهم حقُّ التملُّك كالشَّفيع، فمن مات منهم قبل اختيار التَّملُّك أو المطالبة؛ فلا حقَّ له، ذكره صاحب «الترغيب» .
-
وظاهر كلام القاضي في «خلافه» في باب الشفاعة: أنَّ الحقَّ ينتقل إلى الورثة بدون القَبول والمطالبة، وإن قالوا: اخترنا القسمة؛ لزمت حقوقهم ولم تسقط بالإعراض، ذكره صاحب «التَّرغيب» ، بخلاف ما
ج ٢ ص ١٥٦إذا أسقطوا حقوقهم قبل الاختيار؛ فإنَّه يسقط على الوجهين؛ لضعف الملك وعدم استقراره، ويصير فيئاً، فإن أسقط البعض دون البعض؛ فالكلُّ لمن لم يُسقط حقَّه.
-
ومنها: حقُّ من وَجَد ماله بعينه في المغنم قبل القسمة ممَّا ملكه الكفَّار بالاستيلاء عليه؛ فإنَّه يثبت له فيه حقُّ التَّملك عند الأصحاب.
-
وخرَّجه الشَّيخ تقيُّ الدِّين على الخلاف في حقِّ الغانمين (١) .
-
ومنها: حقُّ الزوج في نصف الصداق (٢) إذا طلَّق (٣) قبل الدخول؛ هل يثبت له فيه الملك قهراً، أو يثبت له حقُّ التملك فلا يملك بدونه؟ فيه وجهان (٤) .
-
والأوَّل هو المنصوص.
-
وعلى الثَّاني؛ فيكفي فيه المطالبة واختيار التَّملُّك على ظاهر كلام أبي الخطاب؛ كرجوع الأب.
- ج ٢ ص ١٥٧
وزعم صاحب «الترغيب» : أنَّ هذا الخلاف مرتَّب على الخلاف في عفو الَّذي بيده عقدة النكاح؛ هل هو الزَّوج أو الوليُّ.
-
وليس كذلك، ولا يلزم من طلب العفو من الزَّوج أن يكون هو المالك، فإنَّ العفو يصحُّ عمَّا يثبت فيه حقُّ التَّملُّك؛ كالشفعة، وليس في قولنا: إنَّ الَّذي بيده عقدة النِّكاح هو الأب؛ ما يستلزم أنَّ الزوج لم يملك نصف المهر؛ لأنَّه إنَّما يعفو عن النِّصف المختصِّ بابنته، فأمَّا النِّصف الآخر؛ فلا تعرُّض لذكره بنفي ولا إثبات.
-
والعجب أنَّه حكى بعد ذلك في صحَّة عفو الزَّوج عن النِّصف - إذا قلنا: قد دخل في ملكه- وجهين.
-
والصَّحيح المشهور: أنَّه يصحُّ عفوه وإن كان مالكاً، كما يصحُّ عفو الزَّوجة مع ملكها، ثمَّ إن القرآن مصرِّح بذلك؛ فكيف يسوَّغ الخلاف فيه حينئذ (١) ؟!
-
لكن إن كان الصَّداق ديناً؛ صحَّ الإبراء منه بسائر ألفاظ المبارأة، من الإبراء والإسقاط والهبة والعفو والصَّدقة والتَّحليل، ولا يشترط له قبول، وإن كان عيناً (٢) وقلنا: لم يملكه، وإنَّما يثبت له حقُّ التَّملُّك؛ فكذلك.
-
وكذلك يصحُّ عفو الشفيع عن الشفعة، ذكره (٣) القاضي وابن عقيل.
- ج ٢ ص ١٥٨
وإن قلنا: ملك نصف الصَّداق؛ صحَّ بلفظ الهبة والتَّمليك.
-
وهل يصحُّ بلفظ العفو؟ على وجهين:
أحدهما: لا يصحُّ، قاله ابن عقيل.
-
والثَّاني: يصحُّ، قاله القاضي، ورجَّحه صاحب «المغني» ، وهو الصَّحيح؛ لأنَّ عقد الهبة عندنا (١) ينعقد بكلِّ لفظ يفيد معناه، من غير اشتراط إيجاب ولا قبول بلفظ معيَّن.
وقال القاضي وابن عقيل: يشترط ههنا الإيجاب والقبول والقبض.
-
وحكى صاحب «الترغيب» في اشتراط القبول وجهين، والصَّحيح أنَّ القبض لا يشترط في الفسوخ؛ كالإقالة ونحوها، وصرَّح به (٢) القاضي في «خلافه» .
-
وكذلك (٣) يصحُّ رجوع الأب في الهبة من غير قبض، وكذلك فسخ عقد الرَّهن وغيره.
-
ومنها: حقُّ الملتقط في اللُّقَطَةِ بعد حول التَّعريف، وفيه وجهان:
أشهرهما: أنَّه يثبت له الملك بغير اختياره، واختاره القاضي وقال: (إنَّه ظاهر كلام أحمد) .
-
والثَّاني: لا يدخل حتَّى يختار، وهو اختيار أبي الخطَّاب؛ فيكون حقُّه فيها حقَّ تملُّك.
- ومنها: الموصى له بعد موت الموصي، وفيه وجهان:
-
أحدهما: أنَّه يثبت له الملك، وقيل: إنَّه ظاهر كلام أحمد.
-
والثَّاني: إنَّما يثبت له حقُّ التملُّك بالقبول، وهو المشهور عند الأصحاب.
-
ومنها: من نبت في أرضه كلأ أو نحوه من المباحات، أو توحَّل فيها صيد أو سمك ونحوه؛ فهل يملكه بذلك؟ في المسألة روايتان معروفتان.
-
وأكثر النُّصوص عن أحمد تدل على الملك.
-
وعلى الرِّواية الأخرى إنَّما يثبت له (١) حقُّ التَّملك، وهو مقدم على غيره بذلك؛ إذ لا يلزمه أن يبذل من الماء والكلأ إلَّا الفاضل عن حوائجه.