قاعدة [٩٣] من قبض مغصوبا من غاصبه، ولم يعلم أنه مغصوب؛ فالمشهور بين الأصحاب
١٠٤ فقرة، ج ٢ ص ٢٢٦
الصفحة ١ من ٣
- ج ٢ ص ٢٢٦
من قبض مغصوباً من غاصبه، ولم يعلم أنَّه مغصوب؛ فالمشهور بين الأصحاب: أنَّه بمنزلة الغاصب في جواز تضمينه ما كان الغاصب يضمنه من عين ومنفعة.
-
ثمَّ إن كان القابض قد دخل على ضمان عين أو منفعة؛ استقرَّ ضمانها عليه، ولم يرجع على الغاصب.
-
وإن ضمَّنه المالك ما لم يدخل على ضمانه، ولم يكن حصل له بما ضمنه نفع؛ رجع به على الغاصب.
-
وإن كان حصل له به نفع؛ فهل يستقرُّ ضمانه عليه، أم يرجع به على الغاصب؟ على روايتين.
-
هذا ما ذكره القاضي والأكثرون، وفي بعضه (١) خلاف نشير إليه في موضعه (٢) إن شاء الله تعالى (٣) .
- ج ٢ ص ٢٢٧
وهذه الأيدي القابضة من الغاصب مع عدم العلم بالحال عشرة (١) :
الأولى: الغاصبة، ويتعلَّق بها الضَّمان كأصلها، ويستقرُّ عليها مع التَّلف تحتها، ولا يطالب بما زاد على مدَّتها.
-
الثَّانية: الآخذة لمصلحة الدَّافع؛ كالاستيداع والوكالة بغير جُعْل؛ فالمشهور: أنَّ للمالك تضمينها، ثمَّ يرجع بما ضمنت على الغاصب؛ لتغريره.
- ج ٢ ص ٢٢٨
وفيه وجه آخر: باستقرار الضَّمان عليها؛ لتلف المال (١) تحتها من غير إذن، صرَّح به القاضي في «المجرَّد» في باب المضاربة، وسيأتي أصله.
-
ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه لا يجوز تضمينها بحال، من الوجه المحكيِّ كذلك في المرتهن ونحوه، وأولى.
-
وخرَّجه الشيخ تقيُّ الدِّين من مودَع المودَع، حيث لا يجوز له الإيداع، فإنَّ الضَّمان على الأوَّل وحده (٢) ، كذلك قال القاضي في «المجرد» وابن عقيل في «الفصول» ، وذكرا أنَّه ظاهر كلام أحمد.
-
ومن الأصحاب من منع ظهوره.
-
وعلى تقدير أنَّه كذلك: فرَّقوا (٣) بين مودع المودع ومودع الغاصب؛ بأنَّ الموجِب للضَّمان في الأوَّل القبض، وهو سبب واحد؛ فلا يجب به الضَّمان من جهتين، بخلاف مودع الغاصب؛ فإنَّ قبضه صالحٌ لتضمينه
ج ٢ ص ٢٢٩حيث كان (١) الضَّمان مستقرًّا على الغاصب قبله، وبأنَّ الضَّمان ترتَّب على التَّقبيض؛ فهو متأخِّر عنه، والتَّقبيض (٢) وقع من يدٍ أمينة ولا عدوان فيه؛ لعدم العلم، فاختصَّ الضَّمان بالتَّعدي، بخلاف مودع الغاصب؛ لقبضه من يد ضامنة قبل القبض.
-
واعلم أنَّ ما ذكره الأصحاب في الوكالة والرَّهن: أنَّ الوكيل والأمين (٣) في الرَّهن إذا باعا وقبضا الثَّمن، ثمَّ بان المبيع مستحقًّا؛ لم يلزمهما شيء؛ لا يناقض هذه المسألة كما يتوهَّمه من قصر فهمه؛ لأنَّ مراد الأصحاب بقولهم: (لم يلزم الوكيل شيء) أنَّه لا يطالبه المشتري بالثَّمن الذي أقبضه إيَّاه؛ لأنَّ حقوق العقد تتعلَّق بالموكِّل دون الوكيل، أمَّا أنَّ الوكيل لا يطالبه المستحقُّ للعين بالضَّمان؛ فهذا لم يتعرَّضوا له ههنا البتَّة (٤) ، وهو بمعزل عن مسألتهم بالكليَّة.
-
الثَّالثة: القابضة لمصلحتها (٥) ومصلحة الدَّافع؛ كالشَّريك
ج ٢ ص ٢٣٠والمضارب والوكيل بجُعْل والمرتهن؛ فالمشهور: جواز تضمينها أيضاً، ويرجع بما ضمنت (١) ؛ لدخولها على الأمانة.
-
وذكر القاضي في «المجرد» ، وابن عقيل، وصاحب «المغني» في الرَّهن احتمالين آخرين:
أحدهما: أنَّه يستقر الضمان على القابض؛ لتلف مال الغير تحت يده الَّتي لم يؤذن لها في القبض؛ فهي كالعالمة بالحال، وحكوا هذا الوجه في المضارب أيضاً.
-
والثَّاني: لا يجوز تضمينها بحال؛ لدخولها على الأمانة.
-
وينبغي أن يكون هذا هو المذهب، وأنَّه لا يجوز تضمين القابض ما لم يدخل على ضمانه في جميع هذه الأقسام؛ فإنَّ المنصوص عن أحمد فيمن اشترى أرضاً فغرس فيها، ثمَّ ظهرت مستحقَّة: أنَّه لا يملك المستحقُّ قلعه إلَّا مع ضمان نقصه؛ كالغراس المحترم الصادر عن إذن المالك (٢) .
-
فجعل المغرور كالمأذون له؛ فلا يضمن ابتداء ما لم يلتزم ضمانه.
-
وكذلك نقل حرب وغيره (٣) عن أحمد في المغرور في النِّكاح: أنَّ فداء ولده على من غرَّه، ولم يجعل على الزَّوج مطالبة (٤) .
- ج ٢ ص ٢٣١
وقريب من ذلك ما نقل عنه مهنَّى فيمن بعث رجلاً إلى رجل له عنده مال، فقال له: خذ منه ديناراً، فأخذ منه أكثر (١) : أنَّ الضَّمان على المرسِل؛ لتغريره، ويرجع هو على الرَّسول.
-
وحكى القاضي وغيره في المضاربة وجهاً آخر: أنَّ الضَّمان في هذه الأمانات يستقرُّ على من ضمن منهما، فأيُّهما ضمن لم يرجع على الآخر (٢) .
-
الرَّابعة: القابضة لمصلحتها خاصَّة، إمَّا باستيفاء العين؛ كالقرض (٣) ، أو باستيفاء المنفعة؛ كالعارية؛ فهي داخلة على الضَّمان في العين دون المنفعة، فإذا ضمنت العين والمنفعة؛ رجعت على الغاصب بضمان المنفعة؛ لأنَّ ضمانها كان بتغريره.
-
وفي المذهب رواية ثانية: لا يرجع بضمان المنفعة إذا تلفت بالاستيفاء، ويستقرُّ الضَّمان عليها في مقابلة الانتفاع؛ لاستيفائها بدله، كيلا يجتمع لها العوض والمعوض.
-
وأصل الرِّوايتين: الرِّوايتان في رجوع المغرور بالمهر على من غرَّه.
- وإن ضمن الغاصب المنفعة ابتداء؛ ففيه طريقان:
-
أحدهما: البناء على الرِّوايتين، فإن قلنا: لا يرجع القابض عليه إذا ضمن ابتداء؛ رجع الغاصب هنا عليه، وإلَّا فلا، وهو (١) طريق أبي الخطاب ومن اتَّبعه، والقاضي وابن عقيل في موضع.
-
والثَّاني: أنَّه لا يرجع الغاصب على القابض قولاً واحداً، وقاله القاضي وابن عقيل في موضع آخر.
-
وأمَّا العين؛ فلا يرجع بضمانها حيث دخلت على ضمانها.
-
وعلى الاحتمال الأوَّل في القسم الَّذي قبله: يستقرُّ ههنا عليها ضمان العين والمنفعة، سواء تلفت المنفعة باستيفاء أو بتفويت.
-
وعلى الاحتمال الآخر - وهو أنَّه لا يجوز تضمينها بالكليَّة -: فلا تطالب (٢) هذه بضمان ما لم تلتزم (٣) ضمانه ابتداء، ويستقرُّ عليها ضمان ما دخلت على ضمانه، سواء ضمنته ابتداء أو ضمنه الغاصب (٤) .
-
ويتخرَّج لنا (٥) وجه آخر: أنَّه لا يستقرُّ عليها ضمان شيء بحال، وسنذكر أصله في القسم الَّذي بعده.
-
الخامسة: القابضة تملُّكاً بعوض مسمًّى عن العين بالبيع؛ فهي داخلة على ضمان العين دون المنفعة، فإذا ضمنت قيمة العين والمنفعة؛
- ج ٢ ص ٢٣٣
لم ترجع بما ضمنت من قيمة العين؛ لدخولها على ضمانها، لكنها تستردُّ (١) الثَّمن من الغاصب؛ لأنَّه لم يملكه، لانتفاء صحة العقد، وسواء كانت القيمة الَّتي ضمنت للمالك وفق الثَّمن أو دونه أو فوقه على ما اقتضاه كلام الأصحاب ههنا، وفي البيع الفاسد، وفي ضمان المغرور للمهر (٢) .
-
وفي «التَّلخيص» احتمال: إن كانت القيمة أزيد؛ رجعت بالزِّيادة على الغاصب حيث لم تدخل على الضَّمان بأكثر من الثمن المسمى، وبه جزم ابن المنِّي في «خلافه» ، وقد سبق في قاعدة ضمان العقود الفاسدة بالمسمَّى أو بعوض المثل ما يشبه هذا.
-
ولو طالب المالك الغاصب بالثَّمن كلِّه إذا كان أزيد من القيمة؛ فقياس المذهب: أنَّ له ذلك، كما نصَّ عليه أحمد في المتَّجر في الوديعة من غير إذن: أنَّ الرِّبح للمالك (٣) .
-
ثمَّ من الأصحاب من يبنيه على القول بوقف العقود على الإجازة،
ج ٢ ص ٢٣٤وهي طريقة القاضي في «خلافه» وابن عقيل، ومنهم من يطلق ذلك.
-
وكذا في المضارب إذا خالف.
-
وعنه رواية أخرى: يتصدَّق بالرِّبح؛ لأنَّه ربح ما لم يضمن.
-
وهل للمضارب أجرة المثل؟ على روايتين، وطردهما أبو الفتح الحلوانيُّ في «الكفاية» في الغاصب.
-
وحكى صاحب «المغني» في باب الرَّهن رواية أخرى: باستقرار الضَّمان على الغاصب في البيع؛ فلا يرجع على المشتري بشيء ممَّا (١) ضمنه، وحكاه في «الكافي» في باب المضاربة وجهاً، وصرَّح القاضي بمثل ذلك في «خلافه» في مسألة رجوع المغرور بالمهر.