قاعدة [١١٥] الحقوق المشتركة بين اثنين فصاعدا؛ نوعان

٥٨ فقرة، ج ٢ ص ٣٨٧

الصفحة ١ من ٢

  1. أحدهما: ما يقع استحقاق كلِّ واحد بانفراده لجميع الحقِّ، ويتزاحمون فيه عند الاجتماع.

    ج ٢ ص ٣٨٧
  2. والثاني: ما يستحقُّ كلُّ واحد من الحقِّ بحصَّته خاصَّةً (١) .

  3. وللأوَّل أمثلة كثيرة:
  4. منها: الشُّفعاء المجتمعون، كلٌّ منهم يستحقُّ الشُّفعة بكمالها، فإذا عفا أحدهم عن حقِّه؛ توفَّر على الباقين.

  5. ومنها: غرماء المفلس الَّذي لا يفي ماله بدين كلِّ واحد على انفراده، وهم كالشُّفعاء.

  6. ومنها: الأولياء المتساوون في النِّكاح.

  7. ومنها: العصبات المجتمعون في الميراث (٢) .

  8. ويتفرَّع على ذلك: لو اجتمع ابنان، نصف كلِّ واحد منهما حرٌّ؛ فهل يستحقَّان المال كلَّه، أم لا؟ على وجهين:

    أحدهما: يستحقَّان جميع المال، رجَّحه القاضي، والسَّامريُّ، وطائفة من الأصحاب.

    ج ٢ ص ٣٨٨
  9. وله مأخذان:
  10. أحدهما: جمع الحريَّة فيهما؛ فيكمل بها حريَّة ابن، وهو مأخذ أبي الخطَّاب وغيره (١) .

  11. والثَّاني: أنَّ حقَّ كلِّ واحد منهما مع كمال حريَّته في جميع المال لا في نصفه، وإنَّما أخذ نصفه لمزاحمة أخيه له، وحينئذ؛ فقد أخذ كلُّ واحد منهما نصف المال هنا، وهو نصف حقِّه مع كمال حريَّته؛ فلم يأخذ زيادةً على قدر ما فيه من الحريَّة.

  12. والوجه الثَّاني: لا يستحقَّان المال كلَّه؛ لئلا تستوي حال حريَّتهما الكاملة والمبعَّضة.

  13. وهل يستحقَّان نصفه تنزيلًا لهما حالين (٢) ، أو ثلاثة أرباعه تنزيلًا

    ج ٢ ص ٣٨٩لهما ثلاثة أحوال؟ على وجهين.

  14. ولو كان ابنٌ نصفه حرٌّ مع أمٍّ؛ فعلى هذا المأخذ (١) ؛ يتوجَّه أن يأخذ نصف المال كلِّه، وهو أحد الوجوه للأصحاب، ورجَّحه الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وذكر أنَّه اختيار أبيه.

  15. وقيل: يأخذ نصف الباقي بعد ربع الأمِّ (٢) ، وهو اختيار أبي بكر والقاضي في «خلافه» .

  16. وقيل: يأخذ نصف ما كان يأخذه حال كمال الحريَّة، وهو هنا ربع وسدس، وهو الَّذي ذكره إبراهيم الحربيُّ في «كتاب الفرائض» ، واختاره القاضي في «المجرَّد» ، وابن عقيل، وصاحب «المحرَّر» ؛ لأنَّ القدر الَّذي حجب عنه الأم يستحقُّه كلَّه، وإنَّما يتنصَّف عليه ما عداه.

  17. ومنها: ذوو الفروض المجتمعون المزدحمون في فرض واحد؛ كالزَّوجات والجدَّات.

  18. ويتفرع على هذا: إذا اجتمعت جدَّتان؛ أمُّ أمٍّ، وأمُّ أب مع ابنها الأب، وقلنا: إنَّه يحجبها؛ فهل تستحق أمُّ الأمِّ السُّدس كلَّه، أو نصفه؟ على وجهين:

    ج ٢ ص ٣٩٠أصحُّهما: أنَّها تستحقُّ السُّدس كلَّه؛ لزوال المزاحمة مع قيام الاستحقاق لجميعه.

  19. والثَّاني: تستحقُّ نصفه، وله مأخذان:
  20. أحدهما: أن أمَّ الأب تحجبها عن السُّدس إلى نصفه، ولا أثر لكونها محجوبة، كما يحجب ولد الأمِّ الأمَّ مع انحجابهم بالأب.

  21. وفيه نظر؛ فإنَّ حجب الجدَّة للجدَّة إنَّما هو بطريق المزاحمة، ولا مزاحمة هنا، وحجب الإخوة للأمِّ ليس بالمزاحمة؛ فإنَّهم لا يشاركونها في فرضها، وإنَّما وجودهم مقتضٍ لتنقيص فرضها.

  22. والثَّاني: أنَّ أمَّ الأب لها مع أمِّ الأمِّ نصف السُّدس، فلمَّا حَجَب الأبُ أمَّه؛ توفر ذلك عليه، لا على الأخرى.

  23. ورُدَّ: بأنَّ ولد الأمِّ يحجبون الأمَّ عن السُّدس، ثمَّ لا يأخذونه، بل يتوفَّر على الأب.

  24. وقد يجاب عنه: بأنَّ ولد الأمِّ لمَّا كانوا محجوبين بالأب؛ توفَّر ما حجبوا عنه الأمَّ على من حجبهم، وهو الأب، كذلك هنا.

  25. ومنها: الوصايا المزدحمة في عين أو مقدار من المال، فإنَّ حقَّ كلِّ واحد منهم في مجموع وصيَّته، وإنَّما يأخذ دون ذلك للمزاحمة، فإذا ردَّ بعضهم (١) ؛ توفَّر على الباقين.

  26. وإن أجاز الورثة بعض الوصايا دون بعض؛ فهل يعطى المجاز له القدر الَّذي كان يأخذه في حال الإجازة للكلِّ، أو يكمل له الجزء

    ج ٢ ص ٣٩١المسمَّى في الوصية كلُّه (١) إن أمكن؛ لقيام استحقاقه له وقد أمكن وصوله إليه بزوال المزاحمة بالرَّدِّ على غيره (٢) ؟ فيه وجهان:

    صحَّح صاحب «المحرر» الثَّاني.

  27. ومن رجَّح الأوَّل قال: القدر المزاحم به كان حقًّا للمزاحِم، فإذا ردَّه الورثة عليه؛ توفَّر عليهم، لا على الوصيَّة الأخرى.

  28. ويشهد للأوَّل (٣) ما ذكره الخرقيُّ، وابن حامد، والقاضي، والأصحاب: فيمن وصَّى لرجل بعبد قيمته ثلث ماله، ولآخر بثلث ماله، فإن أجاز الورثة؛ فللموصى له بالعبد ثلاثة أرباعه (٤) ؛

  29. لمزاحمة

    ج ٢ ص ٣٩٢الآخر له فيه، ولصاحب الثُّلث ربع العبد وثلث باقي المال، وإن ردُّوا قُسم الثُّلث بينهما نصفين؛ فيأخذ صاحب وصيَّة العبد بقدر سدس المال كلِّه من العبد، ويأخذ الآخر سدس العبد وسدس باقي المال؛ لزوال المزاحمة بالرَّدِّ، فأمكن وصول كلٍّ منهما إلى نصف ما سمِّي له كاملاً؛ فلا ينقص منه.

  30. وخرَّج صاحب «المحرر» وجهًا آخر من الوجه الثَّاني (١) في المسألة الَّتي قبلها (٢) : أنه يقسم الثُّلث بينهما على حسب ما كانا يقتسمان وصيَّتهما حال الإجازة؛ فيفضل نصيب صاحب الثُّلث على نصيب صاحب العبد، وهو اختيار صاحب «المغني» ؛ تسوية بينهما في الرَّدِّ والإجازة.

  31. وفي تخريج هذا من المسألة الَّتي قبلها نظر؛ لأنَّ الورثة هناك قد يكون مقصودهم بالرَّدِّ على أحدهما توفير ما كان يأخذه بالمزاحمة عليهم، كما لو أجازوا لصاحب الوصيَّة بالكلِّ، وردُّوا على الموصى له

    ج ٢ ص ٣٩٣بالثُّلث؛ فلو أعطينا صاحب الكلِّ ما ردُّوه على صاحب الثُّلث؛ لم يبق في ردِّهم فائدة لهم، وهنا لا يخرج عنهم سوى الثُّلث (١) ، فينبغي أن يقتسمه الوصيَّتان (٢) على قدرهما (٣) ؛ عملاً بمراد الموصي من التَّسوية، حيث أمكن، ولا ضرر على الورثة في ذلك.

  32. ومنها: استحقاق الغانمين من الغنيمة، متى ردَّ أحدهم؛ توفَّر على الباقين، وسواء قلنا: ملكوه بالاستيلاء، أو لم يملكوه.

  33. ومنها: الموقوف عليهم، إذا ردَّ بعضهم؛ توفَّر على الباقين؛ كما لو مات بعضهم، وقد سبقت. (٤)

  34. ومنها: حدُّ القذف الموروث لجماعة؛ يستحقُّه كلُّ واحد بانفراده، فلو أسقطه بعضهم؛ فللباقين استيفاؤه.

  35. وأمَّا النَّوع الثَّاني؛ فله أمثلة:

    منها: عقود التَّمليكات المضافة إلى عدد؛ فيملك كلُّ واحد منهم بحصَّته؛ لاستحالة أن يكون كلُّ واحد منهم مالكاً لجميع العين.

  36. ثمَّ ههنا حالتان:

    ج ٢ ص ٣٩٤إحداهما: أن يكون التَّمليك بعوض؛ مثل أن يبيع من رجلين عبداً، أو عبدين بثمن، فيقع الشِّراء بينهما نصفين، ويلزم كلَّ واحد نصف الثَّمن، وإن كان لاثنين عبدان مفردان، لكل واحد عبد، فباعاهما من رجلين صفقةً واحدةً، لكلِّ واحد عبداً معيَّنًا بثمن واحد؛ ففي صحَّة البيع وجهان:

    أصحُّهما -وهو المنصوص-: الصحَّة، وعليه؛ فيقتسمان الثَّمن على قدر قيمتي العبدين.

  37. وذكر القاضي وابن عقيل وجهاً آخر: أنَّهما يقتسمانه على عدد رؤوس المبيع نصفين؛ تخريجاً من أحد الوجهين فيما إذا تزوَّج أربعاً في عقد بمهر واحد، أو خالعهنَّ بعوض واحد: أنَّه يكون بينهنَّ أرباعاً.

  38. وهو ههنا بعيد جدًّا؛ لأنَّ البضع ليس بمال محض؛ فكيف يسوَّى (١) به الأموال المبتغى بها الأرباح والتَّكسُّب؟!

  39. وخرَّجاه أيضاً في الكتابة، وهو أقرب من البيع؛ إذ الكتابة فيها معنى العتق.

  40. الحالة الثَّانية: أن يكون بغير عوض، مثل أن يهب لجماعة شيئاً، أو يملِّكهم إيَّاه عن زكاة، أو كفَّارة مشاعاً؛ فقياس كلام الأصحاب في التَّمليك بعوض: أنَّهم يتساوون في ملكه.