قاعدة [١٥٨] إذا تعارض معنا أصلان؛ عمل بالأرجح منهما؛ لاعتضاده بما يرجحه.
٧٠ فقرة، ج ٣ ص ١٢٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ١٢٠
فإن تساويا؛ خُرِّج في المسألة وجهان غالباً.
-
ومن صور ذلك: ما إذا وقع في الماء نجاسة، وشكَّ في بلوغه قُلَّتين؛ فهل يحكم بنجاسته أو طهارته (١) ؟ على وجهين:
أحدهما: يحكم بنجاسته، وهو المرجَّح عند صاحبي «المغني» و «المحرَّر» ؛ لأنَّ الأصل عدم بلوغه قلَّتين.
-
والثَّاني: هو طاهر، وهو أظهر؛ لأنَّ الأصل في الماء الطَّهارة، وأمَّا أنَّ أصله القُلَّة؛ فقد لا يكون كذلك، كما إذا كان كثيراً ثمَّ نقص وشكَّ في قدر الباقي منه.
-
ويعضد هذا: أنَّ الأصل وجوب الطَّهارة بالماء؛ فلا يعدل إلى التَّيمُّم إلَّا بعد تيقن عدمه.
-
وأيضاً؛ فللأصحاب خلاف في الماء الَّذي وقعت فيه النَّجاسة؛ هل الأصل فيه أن ينجس إلَّا أن يبلغ حدَّ الكثرة فلا ينجس لمشقَّة حفظ الكثير من النَّجاسة، أم الأصل فيه الطَّهارة إلَّا أن يكون يسيراً فينجس؛
- ج ٣ ص ١٢١
لأنَّ اليسير لا يكاد يحيل (١) النَّجاسة غالبًا؟
-
فعلى الأوَّل؛ يجب الحكم بنجاسة هذا الماء.
-
وعلى الثَّاني؛ يحكم بطهارته.
-
وعلى هذين المأخذين يتخرَّج الخلاف في إثبات نصف القِربة الَّذي روي الشَّكُّ فيه في ضبط القلَّتين وإسقاطه (٢) .
-
وينبني على ذلك: أنَّ القلَّتين؛ هل هما خمس قَرِبٍ أو أربع قرب (٣) ؟ والله أعلم.
-
ومنها: ما (٤) إذا وقع في الماء اليسير روثة، وشكَّ: هل هي من مأكول أو غيره؟ أو مات فيه حيوان، وشكَّ: هل هو ذو نفس سائلة أم لا؟ وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّه نجس؛ لأنَّ الأصل في الأرواث والميتات النَّجاسة، وحيث قضي بطهارة شيء منهما؛ فرخصة على خلاف الأصل، ولم يتحقَّق وجود المرخِّص ههنا؛ فبقيتا (٥) على الأصل.
- ج ٣ ص ١٢٢
والثَّاني: أنَّه طاهر، وهو المرجَّح عند الأكثرين؛ لأنَّ الأصل في الماء الطَّهارة؛ فلا يُزال عنها بالشَّكِّ.
-
وقد منع بعضهم أنَّ الأصل في الأرواث النَّجاسة (١) .
-
ونصَّ أحمد في رواية محمَّد بن أبي حرب في رجل وطئ على روث لا يدري لحمار أو برذون؛ فرخَّص فيه إذا لم يعرفه (٢) .
-
ومنها: إذا قعد الذُّباب على نجاسة رطبة، ثمَّ سقط بالقرب على ثوب، وشكَّ في جفاف النَّجاسة؛ ففيه وجهان:
أحدهما: أنَّه ينجس؛ لأنَّ الأصل بقاء الرُّطوبة، ونقله أبو بكر عن أحمد.
-
والثَّاني: لا ينجس؛ لأنَّ الأصل طهارة الثَّوب.
-
ومنها: إذا أدرك الإمامَ في الرُّكوع، فكبَّر وركع معه، وشكَّ: هل رفع إمامه قبل ركوعه أو بعده؟
-
فالمذهب: أنَّه لا يعتدُّ له بتلك الرَّكعة؛ لأنَّ الأصل عدم الإدراك، وهو منقول عن ابن عمر رضي الله عنهما (٣) .
ج ٣ ص ١٢٣وقال صاحب «التَّلخيص» : يحتمل وجهين: أحدهما أنَّه يعتدُّ له بها؛ لأنَّ الأصل بقاء الإمام في الرُّكوع.
-
ومنها: إذا شكَّ: هل ترك واجباً في الصَّلاة؛ فهل يلزمه السُّجود؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمه، لأنَّ الأصل عدم الإتيان به.
-
والثَّاني: لا؛ لأنَّ الأصل عدم لزوم السُّجود.
-
ومنها: إذا كان ماله غائباً، فإن كان منقطعاً خبره؛ لم يجب إخراج زكاته، وإن لم يكن خبره منقطعاً؛ كالمودَع ونحوه؛ ففي وجوب إخراج زكاته قبل قبضه وجهان.
-
والمنصوص عن أحمد في رواية مهنَّى: أنَّه لا يجب، وعلَّل: بأنَّه لا ندري لعلَّ المال ذهب.
-
وبنى بعض الأصحاب هذا الخلاف على الخلاف في محلِّ الزَّكاة، فإن قلنا: العين؛ لم يجب الإخراج حتَّى يقبضها ويتمكَّن من الإخراج منها.
-
وإن قلنا: الذِّمَّة؛ وجب الإخراج من غيرها.
-
ويتوجَّه عندي: أن يتخرَّج في وجوب الزَّكاة في المال المنقطِع خبرُه وجهان؛ بناء على محلِّ التَّعلُّق، فإن قلنا: هو العين؛ وجب؛ لأنَّ الأصل بقاؤها، لكن لا يلزم إخراج الزَّكاة حتَّى يقبض؛ كالدَّين، وإن
ج ٣ ص ١٢٤قلنا: هو الذِّمَّة؛ لم يجب؛ لأنَّ الأصل براءة الذِّمَّة، وقد شكَّ في اشتغالها، وأمَّا إن قلنا: لا تجب الزَّكاة في المال الضَّالِّ والمغصوب؛ فهذا مثله.
-
ومنها: العبد الآبق المنقطع خبره؛ هل تجب فطرته أم لا؟
-
المنصوص عن أحمد في رواية صالح: أنَّه لا يجب؛ لأنَّ الأصل براءة الذِّمَّة والفطرة في الذِّمَّة.
-
ويتخرَّج لنا وجه آخر: أنَّه تجب فطرته (١) ؛ بناء على جواز عتقه؛ لأنَّ الأصل بقاؤه.
-
ومنها: جواز عتقه في الكفَّارة، والمشهور: عدمه، وذكر أبو الخطَّاب احتمالاً بالإجزاء؛ لأنَّ الأصل بقاؤه.
-
وذكر ابن أبي موسى في «شرح الخرقيِّ» في المسألة وجهين عن الأصحاب، وصحَّح عدم الإجزاء؛ لأنَّ الأصل بقاء الكفَّارة في الذِّمَّة، وقد عضده الظَّاهر الدَّالُّ على هلاك العبد من انقطاع خبره؛ فرجَّح هذا الأصل باعتضاده بهذا الظَّاهر.
-
وأيضاً؛ فالكفَّارة ثابتة في الذِّمَّة، وقد شكَّ في وقوع العتق عنها؛ فلا يسقط بمجرَّد ذلك.
-
ومنها: إذا ظهر بالمبيع عيب، واختلفا؛ هل حدث عند المشتري أو عند البائع؟ ففيه روايتان:
إحداهما: القول قول البائع؛ لأنَّ الأصل سلامة المبيع، ولزوم
ج ٣ ص ١٢٥البيع بالتَّفرُّق.
-
والثَّانية: القول قول المشتري؛ لأنَّ الأصل عدم القبض المُبْرِئ.
-
وأطلق أكثر الأصحاب هذا الخلاف.
-
وفرَّق بعضهم بين أن يكون البيع عيناً معيَّنة، أو في الذِّمَّة، فإن كان في الذِّمَّة؛ فالقول قول القابض وجهاً واحداً؛ لأنَّ الأصل اشتغال ذمَّة البائع (١) ، ولم تثبت براءتها.
-
ومنها: من لزمه ضمان قيمة عين، فوصفها بعيب ينقُصُ القيمةَ، وأنكر المستحِقُّ، فهل يقبل قوله في دعوى العيب؛ لأنه غارم والأصل براءة ذمَّته، أو قول خصمه في إنكار العيب؛ لأنَّ الأصل عدمه؟ على وجهين.
-
ومنها: إذا آجَرَه عبداً وسلَّمه إليه، ثمَّ ادَّعى المستأجر أنَّ العبد أَبَق من يده، وأنكر المؤْجِر؛ ففيه روايتان:
إحداهما: القول قول المؤْجِر، نقلها حنبل؛ لأنَّ الأصل عدم الإباق، وأنَّ المؤْجِرَ ملك الأجرة كلَّها بالعقد.
-
والثَّانية: القول قول المستأجر، نقلها ابن منصور (٢) ؛ لأنَّ الأصل عدم تسليمه (٣) المنفعة المعقود عليها.
-
ولو ادَّعى أنَّ العبد مرض؛ فالقول قول المؤْجِر، نصَّ عليه في رواية
ج ٣ ص ١٢٦ابن منصور (١) ، مفرِّقاً بينه وبين الإباق؛ لأنَّ المرض يمكن إقامة البيَّنة عليه، بخلاف الإباق.
-
ومنها: إذا ضُرب للعنين الأجل، واختلفا في الإصابة، والمرأة ثيِّب؛ فهل القول قول الزَّوجة؛ لأنَّ الأصل عدم الوطء، أو القول (٢) قول الزَّوج؛ لأنَّ الأصل عدم ثبوت الفسخ؟ على روايتين.