قاعدة [١٥٩] إذا تعارض الأصل والظاهر

١٤٧ فقرة، ج ٣ ص ١٣١

الصفحة ١ من ٤

  1. فإن كان الظَّاهر حجَّة يجب قبولها شرعاً؛ كالشَّهادة والرِّواية والإخبار؛ فهو مقدَّم على الأصل بغير خلاف.

    ج ٣ ص ١٣١
  2. وإن لم يكن كذلك، بل كان مستندُه العرفَ، أو (٢) العادةَ الغالبةَ، أو القرائنَ، أو غلبةَ الظَّنِّ، ونحوَ ذلك:

    فتارة يعمل بالأصل، ولا يلتفت إلى هذا الظَّاهر.

  3. وتارة يعمل بالظَّاهر، ولا يلتفت إلى الأصل.

  4. وتارة يخرَّج في المسألة خلاف.

  5. فهذه أربعة أقسام:

    القسم الأوَّل: ما ترك فيه العمل بالأصل للحجَّة الشَّرعيَّة، وهي قول من يجب العمل بقوله، وله صور كثيرة جدًّا:

    منها: شهادة عدلين بشغل ذمَّة المدَّعى عليه.

  6. ومنها: شهادة عدلين ببراءة ذمَّة من علم اشتغال ذمَّته بدَيْن ونحوه.

  7. ومنها: إخبار الثِّقة العدل بأنَّ كلباً ولغ في هذا الإناء.

    ج ٣ ص ١٣٢
  8. ومنها: إخباره بدخول وقت الصَّلاة.

  9. ومنها: شهادة الواحد العدل برؤية هلال رمضان؛ فإنَّه مقبول على ظاهر المذهب.

  10. وفيه رواية أخرى: أنَّه (١) لا بدَّ من شهادة عدلين؛ كسائر الشُّهود.

  11. وفرَّق أبو بكر بين أن يراه في المصر؛ فلا يقبلُ، وبين أن يراه خارجاً من المصر ثمَّ يَقدَمَ إلى المصر؛ فيقبل خبره.

  12. ومنها: إخبار الثِّقة بطلوع الفجر في رمضان؛ فإنَّه يحرِّم الطَّعام والشَّراب والجماع.

  13. ومنها: إخباره بغروب الشَّمس في رمضان؛ فإنَّه يبيح الفطر، صرَّح به الأصحاب، ولم يجعلوه كالشَّهادة على هلال شوَّال، والفرق بينهما من وجهين:

    أحدهما: أنَّ وقت الفطر ملازم لوقت صلاة المغرب، فإذا ثبت دخول وقت (٢) الصَّلاة بإخبار الثِّقة؛ ثبت دخول وقت الإفطار تبعاً له، وقد يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، بخلاف الشَّهادة بهلال شوَّال.

  14. والثَّاني: أنَّ إخبار الثِّقة تقارنه (٣) أمارات تشهد بصدقه؛ لأنَّ وقت الغروب يتميِّز (٤) بنفسه، وعليه أمارات تورث غلبة ظنٍّ، فإذا انضمَّ إليها

    ج ٣ ص ١٣٣إخبار الثِّقة؛ قوي الظَّنُّ، وربَّما أفاد العلم، بخلاف هلال الفطر؛ فإنَّه لا أمارة عليه.

  15. وفي «صحيح ابن حبَّان» من حديث سهل بن سعد، قال: كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا كان صائماً؛ أمر رجلاً فأوفى على شيء، فإذا قال: قد غابت الشَّمس؛ أفطر (١) .

  16. وصحَّ عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يضع طعامه عند الفطر في رمضان، ويبعث مرتئياً يرقب الشَّمس، فإذا قال: وجبت؛ قال: كلوا (٢) .

  17. ومن ذلك: قبول قول الأمناء ونحوهم ممَّن يقبل قوله في تلف ما اؤتمن عليه من مال أو غيره.

  18. ومنه أيضاً: قبول قول المعتدَّة في انقضاء عدَّتها بالأقراء، ولو في شهر في أحد الوجهين.

  19. والمنصوص: أنَّه لا يقبل إلَّا بالبيِّنة في الشَّهر.

  20. وفرَّق صاحب «التَّرغيب» بين من لها عادة منتظمة؛ فلا تقبل مخالفتها إلَّا ببيِّنة، بخلاف من لا عادة لها.

  21. وفي «الفنون» لابن عقيل: لا تقبل مع فساد النِّساء إلَّا ببيِّنة تشهد أنَّ هذه عادتها، أو أنَّها رأت الحيض على هذا المقدار، وتكرَّر ثلاثاً.

  22. القسم الثَّاني: ما عمل فيه بالأصل، ولم يلتفت إلى القرائن الظَّاهرة ونحوها.

  23. وله صور كثيرة:
  24. منها: إذا ادَّعت الزَّوجة بعد طول مقامها مع الزَّوج: أنَّه لم يوصلها النَّفقة الواجبة ولا الكسوة؛ فقال الأصحاب: القول قولها مع يمينها، لأنَّ الأصل معها، مع أنَّ العادة تُبعد ذلك جدًّا.

  25. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: الرُّجوع إلى العادة هنا، وخرَّجه وجهاً من المسائل المختلف فيها كما سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، قال: (فإذا (١) وجد معها نظير الصَّداق أو الكسوة، ولم يُعلَم لها سببٌ تَملِكُ ذلك به من غير الزَّوج؛ فينبغي أن يخرَّج على وجهين، كما إذا أصدقها تعليم سورة، ثمَّ وجدت متعلِّمة لها بعد مدَّة، وقالت: لم يعلِّمني الزَّوج، وادَّعى هو أنَّه علَّمها؛ فإنَّ في المسألة وجهين) (٢) .

  26. ومنها: إذا تيقَّن الطَّهارة أو النَّجاسة في ماء، أو ثوب، أو أرض، أو بدن، وشكَّ في زوالها، فإنَّه يبني على الأصل إلى أن يتيقَّن زواله، ولا يكتفي في ذلك بغلبة ظنٍّ ولا غيره.

  27. وكذلك لو تيقَّن حدثاً أو نجاسة، وغلب على ظنِّه زوالهما؛ فإنَّه يبني على الأصل.

  28. وكذلك في النِّكاح والطَّلاق وغيرهما.

  29. ومنها: إذا شكَّ في طلوع الفجر في رمضان؛ فإنَّه يباح له الأكل حتَّى يتيقن طلوعه، نصَّ عليه أحمد (٣) ، ولا عبرة في ذلك بغلبة الظَّنِّ

    ج ٣ ص ١٣٥بالقرائن ونحوها، ما لم يكن مستنداً إلى إخبار ثقة بالطُّلوع.

  30. ومنها: إذا زنى من له زوجة وولد، فأنكر أن يكون وطئ زوجته؛ قال أصحابنا: لا يُرجم؛ لأنَّ الأصل عدم الوطء، ولحوق النَّسب يثبت بمجرَّد الإمكان ووجود الفراش.

  31. القسم الثَّالث: ما عُمِل فيه بالظَّاهر ولم يلتفت إلى الأصل، وله صور:

    منها: إذا شكَّ بعد الفراغ من الصَّلاة أو غيرها من العبادات في ترك ركن منها؛ فإنَّه لا يلتفت إلى الشَّكِّ، وإن كان الأصل عدم الإتيان به وعدم براءة الذِّمَّة؛ لكنَّ الظَّاهر من أفعال المكلَّفين للعبادات: أن تقع على وجه الكمال؛ فرُجِّح هذا الظَّاهر على الأصل.

  32. ولا فرق في ذلك بين الوضوء وغيره على المنصوص عن أحمد.

  33. وفي الوضوء وجه: أنَّ الشَّكَّ في ترك بعضه بعد الفراغ كالشَّكِّ في ذلك (١) قبل الفراغ؛ لأنَّ حكمه باقٍ بعد الفراغ منه، بخلاف الصَّلاة وغيرها.

  34. ومنها: لو صلَّى ثمَّ رأى عليه نجاسة، وشكَّ: هل لحقته قبل الصَّلاة أو بعدها، وأمكن الأمران؛ فالصَّلاة صحيحة، وإن كان الأصل عدمَ انعقاد الصَّلاة وبقاءَها في الذِّمَّة حتَّى يتيقَّن صحَّتها، لكن حُكِم بالصِّحَّة؛ لأنَّ الظَّاهر صحَّة أعمال المكلَّف وجريانها على الكمال.

  35. وعَضَد ذلك: أنَّ الأصل عدم مقارنة الصَّلاة للنَّجاسة؛ فتَرجِعُ

    ج ٣ ص ١٣٦المسألة حينئذ إلى تعارض أصلين، ورُجِّح (١) أحدهما بظاهرٍ يعضده.

  36. ومنها: إذا اختلف المتبايعان بعد العقد في بعض شرائط صحَّة العقد؛ كما إذا ادَّعى البائع أنَّه كان صبيًّا، أو غير مأذون له، أو غير ذلك، وأنكر المشتري؛ فالقول قول المشتري على المذهب (٢) ، ونصَّ عليه أحمد في صورة دعوى الصِّغر في رواية ابن منصور (٣) ؛ لأنَّ الظَّاهر وقوع العقود على وجه الصِّحَّة دون الفساد؛ وإن كان الأصل عدم البلوغ والإذن.

  37. وذكر الأصحاب وجهاً آخر في دعوى الصِّغر: أنَّه يقبل؛ لأنَّه لم يثبت تكليفه، والأصل عدمه، بخلاف دعوى عدم الإذن من المكلَّف؛ فإنَّ المكلَّف لا يتعاطى في الظَّاهر إلا الصَّحيح.

    وقال (٤) الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهكذا يجيء في الإقرار وسائر (٥) التَّصرُّفات إذا اختلفا (٦) ؛ هل وقعت بعد البلوغ أو قبله؟ لأنَّ الأصل في

    ج ٣ ص ١٣٧العقود الصِّحَّة، فإمَّا أن يقال: إنَّ (١) هذا عامٌّ، وإمَّا أن يفرَّق بين أن يُتيقَّن أنَّه وقت التَّصرُّف كان مشكوكاً فيه غير محكوم ببلوغه، أو لا يُتيقَّن، فإنَّا مع تيقُّن الشَّكِّ قد تيقَّنَّا صدور التَّصرُّف ممَّن لم تثبت أهليته، والأصل عدمها؛ فقد شَكَكْنا في شرط الصِّحَّة، وذلك مانع من الصِّحَّة.

  38. وأمَّا في الحالة الأخرى؛ فإنَّه يجوز صدوره في حال الأهليَّة وحال عدمها، والظَّاهر صدوره وقت الأهليَّة، والأصل عدمه قبل وقتها؛ فالأهليَّة هنا متيقَّن وجودها.

  39. ثمَّ ذكر أنَّ من لم يقرَّ بالبلوغ حتَّى تعلَّق به حقٌّ مثل إسلامه بإسلام أبيه، أو ثبوت الذِّمَّة له تبعاً لأبيه، أو بعد تصرُّف الوليِّ له، أو تزويج وليٍّ أبعد منه لموليَّته؛ فهل يُقبَل منه دعوى البلوغ حينئذٍ، أم لا؛ لثبوت هذه الأحكام المتعلِّقة به في الظَّاهر قبل دعواه؟

  40. وأشار إلى تخريج المسألة على الوجهين فيما إذا ارتجع الرَّجعيَّةَ زوجُها، فقالت: قد انقضت عدَّتي.