[١١] الموصى له؛ هل يملك الوصية من حين الموت، أو من حين قبوله لها؟
٣١ فقرة، ج ٣ ص ٣١٤
- ج ٣ ص ٣١٤
في المسألة وجهان معروفان.
-
وعلى القول بأنَّه إنَّما يملكها من حين قبوله؛ فهل هي قبله على ملك الميِّت، أو على ملك الورثة؟
-
على وجهين أيضاً، وأكثر الأصحاب على القول بأنَّه ملك للموصى له، وهو قول أبي بكر والخرقيِّ ومنصوص أحمد، بل نصَّ أحمد في مواضع (١) على أنَّه لا يعتبر له القبول؛ فيملكه قهراً؛ كالميراث، وهو وجه للأصحاب، حكاه غير واحد.
- ولهذا الاختلاف فوائد عديدة:
-
فمنها: حكم نمائه بين الموت والقبول؛ فإن قلنا: هو على ملك الموصى له؛ فهو له (٢) ، لا يحسب عليه من الثُّلث.
-
وإن قلنا: هو على ملك الميِّت؛ فتتوفَّر به التَّركة، فيزداد به الثُّلث.
-
وإن قلنا: على ملك الورثة؛ فنماؤه لهم خاصَّةً.
- ج ٣ ص ٣١٥
وذكر القاضي في «خلافه» : أنَّ ملك الموصى له لا يتقدَّم القبول، وأنَّ النَّماء قبله للورثة، مع أنَّ العين باقية على حكم ملك الميِّت؛ فلا يتوفَّر به الثُّلث؛ لأنَّه لم يكن ملكاً له حين الوفاة.
-
وذكر أيضاً: إذا قلنا: إنَّه مراعًى، وإنَّا نتبين بقبول الموصى له ملكه له من حين الموت؛ فإنَّ النَّماء يكون للموصى له معتبراً من الثُّلث، فإن خرج من الثُّلث مع الأصل؛ فهما له، وإلَّا كان له بقدر الثُّلث من الأصل، فإن فَضَل شيء من الثُّلث؛ كان له من النَّماء.
-
ومنها: لو نَقَص الموصى به في سعر أو صفة؛ ففي «المحرَّر» : إن قلنا: يملكه بالموت؛ اعتبرت قيمته من التركة بسعره يوم الموت على أدنى صفاته من يوم الموت إلى القبول؛ لأنَّ الزِّيادة حصلت في ملكه؛ فلا تحتسب (١) عليه، والنَّقص لم يدخل في ضمانه، بل هو من ضمان التركة، ولهذا لو تلفت العين أو بعضها؛ لبطلت الوصيَّة (٢) في التَّالف، وأمَّا نقص الأسعار؛ فلا يُضمن عندنا.
-
وإن قلنا: يملكه من حين القبول؛ اعتبرت قيمته يوم القبول سعراً وصفةً (٣) ؛ لأنَّه لم يملكه قبل ذلك.
- ج ٣ ص ٣١٦
والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور، وذكره الخرقيُّ: أنَّه تعتبر قيمته يوم الوصيَّة (١) ، ولم يحكِ صاحب «المغني» فيه خلافاً.
-
فظاهره: أنَّه يُعتبر بيوم (٢) الموت على الوجوه كلِّها؛ لأنَّ حقَّه تعلَّق بالموصى به تعلُّقاً قطع تصرُّف الورثة فيه؛ فيكون ضمانه عليه؛ كالعبد الجاني إذا أخَّر المجني عليه استيفاء حقِّه منه حتَّى تلف أو نقص.
-
ومنها: لو كان الموصى به أمةً، فوطئها الموصى له قبل القبول وبعد الموت، فإن قلنا: الملك له؛ فهي أمُّ ولده، وإلَّا فلا.
-
ولو وطئها الوارث، فإن قلنا: الملك له؛ فهي أمُّ ولد، ويلزمه قيمتها للموصى له، وإن قلنا: لا يملكها؛ لم تكن أمَّ ولد له.
-
ومنها: لو وصَّى بأمة لزوجها، فلم يعلم حتَّى أولدها أولاداً، ثمَّ قَبِلَ الوصيَّة، فإن قيل: يملكها بالموت؛ فولده حرٌّ، والأمة أمُّ ولده، ويبطل (٣) نكاحه بالموت.
-
وإن قيل: لا يملكها إلَّا بعد القبول؛ فنكاحه باقٍ قبل القبول، وولده رقيق للوارث.
-
ومنها: لو وصَّى لرجل بأبيه، فمات الموصى له قبل القبول، وقلنا:
ج ٣ ص ٣١٧يقوم وارثه مقامه فيه، فقبل ابنه؛ صحَّ وعتق.
-
وهل يرث من ابنه الميِّت، أم لا؟
-
إن قلنا: يملكه بالموت؛ فقد عتق به؛ فيكون حرًّا عند موت ابنه، فيرث منه.
-
وإن قلنا: إنَّما يملكه بعد القبول؛ فهو عند موت ابنه رقيق؛ فلا يرث.
-
ولو كانت الوصيَّة بمال في هذه الصُّورة، فإن قلنا: ثبت الملك بالموت؛ فهو ملك للميِّت، فتوفَّى منه ديونه ووصاياه.
-
وعلى الوجه الآخر: هو ملك للوارث (١) الَّذي قَبِل، ذكره في «المحرَّر» .
-
ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه يكون ملكاً للموصى له على الوجهين؛ لأنَّ التَّمليك حصل له؛ فكيف يصحُّ الملك ابتداءً لغيره؟!
-
ولهذا نقول على إحدى الرِّوايتين: إنَّ المكاتب إذا مات وخلَّف وفاء: أنَّه يؤدَّى منه بقية مال الكتابة، ويتبيَّن بذلك موته حرًّا، مع أنَّ الحرِّيَّة لا تثبت للمكاتب إلَّا بعد الأداء.
-
ومنها: لو وُصِّي لرجل بأرض، فبنى الوارث فيها وغرس قبل القبول، ثمَّ قَبِل؛ ففي «الإرشاد» : إن كان الوارث عالماً بالوصيَّة؛ قُلع بناؤه وغرسُه مجَّاناً، وإن كان جاهلاً؛ فعلى وجهين.
-
وهذا متوجِّه على القول بالملك بالموت.
- ج ٣ ص ٣١٨
أمَّا إن قيل: هي قبل القبول على ملك الوارث؛ فهي (١) كبناء مشتري الشِّقص المشفوع وغرسِه؛ فيكون محترماً، يُتملَّك بقيمته.
-
ومنها: لو بِيع شقص في شركة الورثة والموصى له قبل قبوله، فإن قلنا: الملك له من الموت؛ فهو شريك للورثة في الشُّفعة، وإلَّا فلا حقَّ له فيها.
-
ومنها: جريانه من حين الموت في حول الزَّكاة، فإن قلنا: ملكه للموصى له؛ جرى في حوله.
-
وإن قلنا: للورثة؛ فهل يجري في حولهم حتَّى لو تأخَّر القبول سنة كانت زكاته عليه، أم لا؛ لضعف ملكهم فيه وتزلزله، وتعلُّق حقِّ الموصى له به، فهو كمال المكاتب؟ فيه تردُّد.