[١٠] إجازة الورثة؛ هل هي تنفيذ للوصية، أو ابتداء عطية؟
٣٥ فقرة، ج ٣ ص ٣٠٨
- ج ٣ ص ٣٠٨
في المسألة روايتان معروفتان، أشهرهما: أنَّها تنفيذ.
-
وهذا الخلاف قيل: إنَّه مبنيٌّ على أنَّ الوصيَّة بالزَّائد على الثُّلث؛ هل هو باطل أو موقوف على الإجازة؟
-
وقيل: بل هذا الخلاف مبنيٌّ على القول بالوقف، أمَّا على البطلان؛ فلا معنى للتَّنفيذ، وهو أشبه.
-
وقرَّر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّ الوارث إذا أسقط حقَّه قبل القسمة؛ فإنَّه يسقط، وطرد هذا في الأعيان المشاعة؛ كالغانم إذا أسقط حقَّه من الغنيمة، والموقوف عليه إذا أسقط حقَّه من الوقف، والمضارب إذا أسقط حقَّه من الرِّبح، وأحد الزَّوجين إذا عفا عن حقِّه من المهر إذا كان عيناً، وألحق المشاع بالدُّيون (١) في جواز إسقاطه قبل القسمة.
- ولهذا الخلاف في الإجازة (٢) فوائد كثيرة:
-
منها: أنَّه لا يشترط لها شروط الهبة، من الإيجاب والقبول والقبض، فيصحُّ بقوله: أجزتُ، وأنفذتُ، ونحو ذلك، وإن لم يقبل الموصى له في المجلس.
- ج ٣ ص ٣٠٩
وإن قلنا: هي هبة؛ افتقرت إلى إيجاب وقبول، ذكره ابن عقيل وغيره.
-
وكلام القاضي يقتضي أنَّ في صحَّتها بلفظ الإجازة إذا قلنا: هي هبة؛ وجهين، قال الشَّيخ مجد الدِّين: والصِّحة ظاهر المذهب.
-
وهل يعتبر أن يكون المجاز معلوماً للمجيز؟
-
ففي «الخلاف» للقاضي و «المحرَّر» : هو مبنيٌّ على هذا الخلاف، وصرَّح بعد ذلك صاحب «المحرَّر» : بأنَّه لو أجاز قدراً منسوباً من المال، ثمَّ قال: ظننت المال قليلاً: أنَّه يقبل قوله.
-
ولا تنافيَ بينهما؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ صحَّة إجازة (١) المجهول لا ينافي ثبوت الرُّجوع فيه إذا تبيَّن فيه ضرر على المجيز لم يعلمه؛ استدراكاً لظلامته؛ كما نقول فيمن أسقط شفعته لمعنًى، ثمَّ بان بخلافه؛ فإنَّ له العود إليها، فكذلك ههنا إذا أجاز الجزء الموصى به يظنُّه قليلاً؛ فبان كثيراً؛ فله الرُّجوع بما زاد على ما في ظنِّه.
-
والثَّاني: أنَّه إذا اعتقد أنَّ النِّصف الموصى به - مثلاً - مائة وخمسون درهماً، فبان ألفاً؛ فهو إنَّما أجاز خمسين درهماً، لم يجز أكثر منها؛ فلا تنفذ إجازته في غيرها.
-
وهذا بخلاف ما إذا أجاز النِّصف كائناً ما كان؛ فإنَّه يصحُّ ويكون إسقاطاً لحقِّه من المجهول، فينفذ؛ كالإبراء.
- ج ٣ ص ٣١٠
وطريقة صاحب «المغني» : أنَّ الإجازة لا تصحُّ (١) بالمجهول، ولكن؛ هل يصدَّق في دعوى الجهالة؟ على وجهين.
-
ومن الأصحاب من قال: إن قلنا: الإجازة تنفيذ؛ صحَّت بالمجهول ولا رجوع، وإن قلنا: هبة؛ فوجهان.
-
ومنها: لو وقف على وارثه فأجازه، فإن قلنا: الإجازة تنفيذ؛ صحَّ الوقف ولزم.
-
وإن قلنا: هبة؛ فهو كوقف الإنسان على نفسه (٢) .
-
ومنها: إذا كان المجاز عتقاً، فإن قلنا: الإجازة تنفيذ؛ فالولاء للموصي يختصُّ به عصبته.
-
وإن قلنا: عطيَّة؛ فالولاء لمن أجاز، وإن كان أنثى.
-
ومنها: لو كان المجيز أباً للمجاز له؛ كمن وصَّى لولد ولده، فأجازه ولده؛ فليس للمجيز الرُّجوع فيه إن قلنا: هو تنفيذ.
-
وإن قلنا: عطيَّة؛ فله ذلك؛ لأنَّه قد وهب ولده مالاً.
-
ومنها: لو حلف لا يهب، فأجاز، فإن قلنا: هي عطيَّة؛ حنث، وإلَّا فلا.
-
ومنها: لو قبل الوصيَّة المفتقرة إلى الإجازة قبل الإجازة، ثمَّ أجيزت، فإن قلنا: الإجازة تنفيذ؛ فالملك ثابت له من حين قبوله أوَّلاً.
- ج ٣ ص ٣١١
وإن قلنا: عطيَّة؛ لم يثبت الملك إلَّا بعد الإجازة، ذكره القاضي في «خلافه» .
-
ومنها: أنَّ ما جاوز الثُّلث من الوصايا إذا أجيز؛ هل يزاحِم بالزَّائد ما لم يجاوزه؟
-
هو مبنيٌّ على هذا الاختلاف، ذكره صاحب «المحرَّر» ، وأشكل توجيهه على الأصحاب، وهو واضح؛ فإنَّه إذا كانت معنا وصيَّتان، إحداهما مجاوزة للثُّلث، والأخرى لا تجاوزه؛ كثلث ونصف (١) ، وأجاز الورثة الوصيَّة المجاوِزة (٢) للثُّلث خاصَّةً.
-
فإن قلنا: الإجازة تنفيذ؛ زاحم صاحبُ النِّصف صاحبَ الثُّلث بنصف كامل؛ فيقسم الثُّلث بينهما على خمسة، لصاحب النِّصف ثلاثة أخماسه، وللآخر خُمُساه، ثمَّ يُكمَّل لصاحب النِّصف نصفه بالإجازة.
-
وإن قلنا: الإجازة عطية؛ فإنَّما يزاحمه بثلث خاصَّةً؛ إذ الزِّيادة عليه عطيَّة محضة من الورثة لم تُتَلقَّ من الميِّت؛ فلا يزاحم بها الوصايا؛ فيقسم الثُّلث بينهما نصفين (٣) ،
ج ٣ ص ٣١٢ثمَّ يكمل لصاحب النِّصف ثلثٌ (١) بالإجازة، وهذا مبنيٌّ على أنَّ القول بأنَّ الإجازة عطيَّة أو تنفيذ مفرَّع على القول بإبطال الوصيَّة بالزائد على الثُّلث وصحَّتها؛ كما سبق.
-
ومنها: لو أجاز المريض في مرض موته وصيَّة موروثه، فإن قلنا: إجازته عطيَّة؛ فهي معتبرة من ثلثه.
- وإن قلنا: تنفيذ؛ فطريقان:
-
أحدهما: القطع بأنَّها من الثُّلث أيضاً، كذا قال القاضي في «خلافه» وصاحب «المحرر» ، وشبَّهه بالصَّحيح إذا حابى في بيع له فيه خيار، ثمَّ مرض في مدَّة الخيار؛ فإنَّه تصير محاباته من الثُّلث؛ لأنَّه تمكَّن من استرداد ماله إليه، فلم يفعل، فقام ذلك مقام ابتداء إخراجه في المرض، ونظيره لو وهب الأب لولده شيئاً، ثمَّ مرض وهو بحاله ولم يرجع فيه.
-
والطَّريق الثَّاني: أنَّ المسألة على وجهين، وهي طريقة أبي الخطَّاب في «انتصاره» ، وهما منزَّلان على أصل الخلاف في حكم الإجازة، وقد يتنزَّلان على أنَّ الملك هل ينتقل إلى الورثة في الموصى به، أم تمنع الوصيَّة الانتقال؟ وفيه وجهان.
-
فإن قلنا: ينتقل إليهم؛ فالإجازة من الثُّلث؛ لأنَّه إخراج مال مملوك، وإلَّا فهي من رأس المال؛ لأنَّه امتناع من تحصيل مال لم يدخل بعد في ملكه، وإنَّما تعلَّق به حقُّ ملكه، بخلاف محاباة الصَّحيح إذا مرض، فإنَّ المال كان على ملكه، وهو قادر على استرجاعه.
-
ومنها: إجازة المفلس، وفي «المغني» : هي نافذة، وهو يتنزَّل (١) على القول بالتَّنفيذ.
-
ولا يبعد على قول القاضي في الَّتي قبلها ألَّا ينفذ، وقاله صاحب «المغني» في السَّفيه، معلِّلاً بأنَّه ليس من أهل التَّبرُّع.