[١٧] الكفار؛ هل يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء أم لا؟
٤٧ فقرة، ج ٣ ص ٣٥٧
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ٣٥٧
المذهب عند القاضي: أنَّهم يملكونها من غير خلاف.
-
والمذهب عند أبي الخطَّاب في «انتصاره» : أنَّهم لا يملكونها، وقد نقل أبو طالب عن أحمد ما يدلُّ على ذلك (١) .
-
وحكى طائفة روايتين في المسألة، منهم ابن عقيل في «فنونه» و «مفرداته» ، وصحَّح فيها عدم الملك.
-
وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّ أحمد لم ينصَّ على الملك ولا على عدمه، وإنَّما نصَّ على أحكام أخذ منها ذلك (٢) .
-
والصَّواب: أنَّهم يملكونها ملكاً مقيَّداً، لا يساوي أملاك المسلمين من كلِّ وجه.
- ولهذا الخلاف فوائد:
-
منها: أنَّ من وَجَد من المسلمين عينَ مالِه قبل القسمة؛ أخذه مجَّاناً بغير عوض.
- ج ٣ ص ٣٥٨
وإن وجده بعد القسمة؛ فالمنصوص عن أحمد: أنَّه لا يأخذه بغير عوض (١) .
-
وهل يسقط حقُّه منه بالكليَّة، أو يكون أحقَّ به بالثَّمن؟ على روايتين، واختار أبو الخطَّاب: أنَّه أحقُّ به مجَّاناً بكلِّ حال.
-
وقد قال أحمد في رواية أبي طالب: هذا هو القياس؛ لأنَّ الملك لا يزول إلَّا بهبة أو صدقة، لكنَّ عمر قال: لا حقَّ له (٢) .
-
ومنها: إذا قلنا: يملكون أموال المسلمين، فغُنِمت منهم، ولم تعلم أربابها من المسلمين؛ فإنَّه يجوز قسمتها والتَّصرُّف فيها.
-
ومن قال: لم يملكوها، فقياس قوله أنَّه لا تجوز قسمتها ولا التَّصرُّف فيها، بل توقف كاللُّقطة، ذكره صاحب «المغني» وغيره.
-
وأمَّا ما عرف مالكه من المسلمين؛ فإنَّه لا تجوز قسمته، بل يردُّ إليه على القولين، ونصَّ عليه أحمد في رواية غير واحد (٣) .
-
وقيَّد ذلك في رواية أبي داود: فيما (٤) إذا كان مالكه (٥) بالقرب (٦) .
- ج ٣ ص ٣٥٩
ومنها: إذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين؛ فهي لهم، نصَّ عليه أحمد، وقال في رواية أبي طالب: (ليس بين النَّاس اختلاف في ذلك) ، وهذا متنزِّل (١) على القول بالملك.
-
فإن قيل: لا يملكونها؛ فهي لربِّها متى وجدها، وقاله أبو الخطَّاب في «انتصاره» .
-
ونفى صاحب «المغني» الخلاف في المذهب في المسألة (٢) ، فكأنَّه ظنَّ أنَّ أبا الخطَّاب وافق عليها؛ فإنَّه لم يقف على «الانتصار» ، ولعلَّ مأخذه: أنَّ الشَّارع ملَّك الكافر بإسلامه ما في يده من أموال المسلمين بقوله: «من أسلم على شيء؛ فهو له» (٣) ، فهذا تمليك جديد يملكونها به، لا بالاستيلاء الأوَّل، والله أعلم.
-
وقد قيل: إنَّ هذا يرجع إلى أنَّ كلَّ ما قبضه الكفَّار من الأموال وغيرها قبضاً يعتقدون جوازه، فإنَّه يستقرُّ لهم بالإسلام؛ كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها، ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين من النُّفوس والأموال بالإجماع.
-
ومنها: لو كان لمسلمٍ أمتان أختان، فأبَقَت إحداهما إلى دار الحرب، فاستولوا عليها؛ فله وطء الباقية عنده؛ لأنَّ ملكه زال عن أختها.
- ج ٣ ص ٣٦٠
وقياس قول أبي الخطَّاب: لا يجوز حتَّى يحرِّم الآبقة بعتق أو نحوه (١) ؛ لأنَّه يمنع من وطء إحدى الأختين ابتداء قبل تحريم (٢) الأخرى.
-
ومنها: لو استولى العدو على مال مسلم، ثمَّ عاد إليه (٣) بعد حولٍ أو أحوال:
فإن قلنا: ملكوه؛ فلا زكاة عليه لما مضى من المدَّة بغير خلاف.
-
وإن قلنا: لم يملكوه؛ فهل تلزمه زكاته لما مضى؟ على روايتين؛ بناء على زكاة المال المغصوب والضَّائع من ربِّه.
-
ومنها: لو أعتق المسلم عبدَه الَّذي استولى عليه الكفَّار، فإن قلنا: ملكوه؛ لم يعتق، وإلَّا عتق.
-
ومنها: لو سبى الكفَّار أمةً مزوَّجة بمسلم، فإن قلنا: يملكونها؛ فالقياس: أنَّه ينفسخ النِّكاح؛ لأنَّهم يملكون رقبتها ومنافعها، فيدخل فيه منفعة بُضعها، فينفسخ نكاح زوجها؛ كما ينفسخ نكاح الكافرة المسبيَّة لسَبْيِنَا (٤) لها لهذا المعنى.
-
ومن الأصحاب من علَّل انفساخ نكاح الكافرة المسبيَّة: بالجهل ببقاء زوجها؛ فيكون كالمعدوم، وعلى هذا يمتنع انفساخ النِّكاح ههنا.
- ج ٣ ص ٣٦١
وأبو الخطَّاب منع من انفساخ النِّكاح بالسَّبي بكلِّ حال، وهو قول شاذٌّ يخالف الكتاب والسُّنَّة (١) .
-
والعين المُؤْجَرة كالأمة المزوَّجة سواء.
-
فأمَّا الزَّوجة الحرَّة؛ فلا ينفسخ النِّكاح بسببها؛ لأنَّهم لا يملكون الحرَّة بالسَّبي؛ فلا يملكون بضعها.
-
وفي مسائل ابن هانئ عن أحمد (٢) : إذا سبيت المرأة ولها زوج، ثمَّ استنقذت؛ تعود إلى زوجها إن شاءت.
-
وهذا يدلُّ على انفساخ النِّكاح بالسَّبي، ووجهه: أنَّ منافع الحرِّ في حكم الأموال، ولهذا تضمن بالغصب على رأي؛ فجاز أن تملك بالاستيلاء، بخلاف عينه، لا سيَّما والاستيلاء سبب قويٌّ يملك به ما لا يملك بالعقود الاختياريَّة، ولهذا يملكون به المصاحف، والرَّقيق المسلمين، ويملكون به أمَّ الولد على رواية؛ فجاز أن يملكوا به منفعة بضع الحرَّة، ولا يلزم من ذلك إباحة وطئها لهم؛ لأنَّ تصرُّفهم في أموال المسلمين لا يباح (٣) لهم وإن قيل: إنَّهم يملكونها.
- ج ٣ ص ٣٦٢
وعلى هذا، فلو سَبَوْا حرًّا مستأجراً لمسلم؛ انفسخت الإجارة أيضاً.
-
وقد تأوَّل الآمديُّ قول أحمد: (ترجع إليه إن شاءت) على أنَّ المراد إن شاءت ترجع إليه في العدَّة من وطء أهل الحرب، وإن شاءت اعتدت في موضع آخر؛ لأنَّ العدَّة ليست بحقٍّ له، وإنَّما هي حقٌّ عليها لزمها من غير جهته.
-
ولا يخفى (١) بُعْدُ هذا التَّأويل من كلام أحمد، وأنَّ كلامه لا يدلُّ عليه بوجه.
-
ومنها: لو استولى الكفَّار على مدبَّر لمسلم، ثمَّ عاد إلى سيِّده؛ فهل يبطل تدبيره؟
-
إن قلنا: إنَّهم لم يملكوه؛ لم يبطل.
-
وإن قلنا: ملكوه؛ انبنى على أنَّ المدبَّر إذا زال الملك فيه؛ فهل يبطل التَّدبير أم لا؟ على روايتين (٢) ، وجزم ابن أبي موسى ببطلانه ههنا.
-
فأمَّا المكاتب؛ فلا تبطل كتابته؛ لأنَّه يجوز بيعه ويبقى على كتابته.
-
وكذلك المرهون؛ لأنَّ الملك ينتقل فيه بالإرث وغيره، والرَّهن باقٍ.
- سؤال:
-
عندكم الكافر لا يملك انتزاع ملك المسلم بالشُّفعة قهراً، مع أنَّها معاوضة؛ فكيف يملك عليه قهراً بغير عوض؟