[١٨] الغنيمة؛ هل تملك بالاستيلاء المجرد، أم لا بد معه من نية التملك؟
٢٤ فقرة، ج ٣ ص ٣٦٥
- ج ٣ ص ٣٦٥
المنصوص عن أحمد وعليه أكثر الأصحاب: أنَّها تملك بمجرَّد الاستيلاء، وإزالة أيدي الكفَّار عنها.
-
وهل يشترط مع ذلك فعل الحيازة؛ كالمباحات أم لا؟ على وجهين.
وقال القاضي في «خلافه» : لا تملك بدون اختيار التَّملُّك، وتردَّد في الملك قبل القسمة؛ هل هو باق للكفَّار، أو أنَّ ملكهم انقطع عنها؟
- وينبني على هذا الاختلاف فوائد عديدة:
-
منها: جريانه في حول الزَّكاة، فإن كانت الغنيمة أجناساً؛ لم ينعقد عليها حول بدون القسمة وجهاً واحداً؛ لأنَّ حقَّ الواحد منهم لم يستقرَّ في جنس معيَّن.
- وإن كانت جنساً واحداً، فوجهان:
-
أحدهما: ينعقد الحول عليها بالاستيلاء، بناء على حصول الملك به، قاله القاضي في «المجرَّد» ، وابن عقيل.
-
والثَّاني: لا ينعقد بدون القسمة، قاله القاضي في «خلافه» ، وحكاه عن أبي بكر، وبناه على أنَّ الملك لا يثبت فيها بدون اختيار
ج ٣ ص ٣٦٦التَّملُّك (١) لفظاً.
-
وهذا بعيد؛ لأنَّ أبا بكر يقول بنفوذ العتق قبل القسمة، ولأنَّه لو كان كذلك؛ لانعقد الحول عليها باختيار التَّملُّك دون القسمة؛ إذ القسمة بمجرَّدها لا تفيد الملك عند القاضي.
-
وإنَّما مأخذ أبي بكر: أنَّ استحقاق الغانمين ليس على وجه الشَّركة المحضة، ولذلك لا يتعيَّن حقُّ أحد منهم في شيء منها (٢) بدون حصوله له بالقسمة؛ فلا ينعقد عليها الحول قبلها؛ كما لو كانت أصنافاً.
-
ومنها: لو أعتق أحد الغانمين رقيقاً من المغنم بعد ثبوت رقِّه، أو كان فيهم (٣) من يعتق عليه بالملك؛ عتق إن كان بقدر حقِّه، وإن كان حقُّه دونه؛ فهو كمن أعتق شقصاً من عبد، نصَّ عليه أحمد في رواية المروذيِّ وابن الحكم، واختاره أبو بكر والقاضي في «المجرَّد» .
وقال في «الخلاف» : لا يعتق حتَّى يسبق تملُّكه لفظاً، ووافقه أبو الخطَّاب في «انتصاره» ، لكنَّه أثبت الملك بمجرَّد قصد التَّملُّك.
-
واختار صاحب «المحرَّر» المنصوص فيما إذا كانت الغنيمة جنساً واحداً، وقول القاضي فيما إذا كانت أجناساً؛ كما سبق في الزَّكاة (٤) .
-
وفي «الإرشاد» لابن أبي موسى: (إن أعتق جارية معيَّنة قبل
ج ٣ ص ٣٦٧القسمة؛ لم تعتق، فإن حصلت له بعد ذلك بالقسمة؛ عتقت).
قال: (وإن كان في السَّبي من يعتق عليه بالملك؛ عتق عليه إن كان بقدر حصَّته، وإلَّا عتق منه بقدر حصَّته) ، فكأنَّه جعله عتقاً قهريًّا؛ كالإرث، وفرَّق بينه وبين العتق الاختياري.
-
ومنها: لو استولد أحد الغانمين جارية من السَّبي قبل القسمة؛ فالمنصوص: أنَّها تصير أمَّ ولد له، ويضمن لبقيَّة الغانمين حقوقهم منها.
وقال القاضي في «خلافه» : لا تصير مستولدة له، وإنَّما يتعيَّن حقُّه فيها؛ لأنَّ حملها بحُرٍّ يمنع بيعها وقسمتها، وفي تأخير قسمتها حتَّى تضع ضررٌ على أهل الغنيمة؛ فوجب تسليمها إليه من حقِّه. وهذا بعيد جدًّا.
-
ولأبي الخطَّاب في «انتصاره» طريقة (١) أخرى: وهي أنَّه إنَّما نفذ استيلادها لشبهة الملك فيها، وإن لم ينفذ إعتاقها، كما ينفذ استيلاد الأب في أمة ابنه دون إعتاقها.
-
وهو أيضاً ظاهر ما ذكره صاحب «المحرَّر» .
-
وحكى في تعليقه على «الهداية» احتمالاً آخر بالفرق بين أن تكون الغنيمة جنساً واحداً أو أجناساً؛ كما ذكره في العتق.
-
ومنها: لو أتلف أحد الغانمين شيئاً من الغنيمة قبل القسمة، فإن قلنا: الملك ثابت فيها؛ فعليه ضمان نصيب شركائه خاصَّة، ونصَّ عليه
ج ٣ ص ٣٦٨أحمد في الاستيلاد.
-
وإن قلنا: لم يثبت الملك فيها؛ فعليه ضمان جميعها.
-
ومنها: لو أسقط الغانم حقَّه قبل القسمة؛ ففيه طريقان:
أحدهما: أنَّه مبنيٌّ على الخلاف، فإن قلنا: ملكوها؛ لم يسقط الحقُّ بذلك، وإلَّا سقط، وهو ظاهر ما ذكره القاضي في «خلافه» .
-
والثَّاني: يسقط على القولين؛ لضعف الملك، وعدم استقراره، وهو ما ذكر صاحبا (١) «التَّرغيب» و «المحرَّر» .
-
ومنها: لو مات أحدهم قبل القسمة والاختيار؛ فالمنصوص: أنَّ حقَّه ينتقل إلى ورثته.
-
وظاهر كلام القاضي: أنَّه وافق على ذلك، وجعل الموروث هو الحقَّ دون المال.
-
وفي «التَّرغيب» : إن قلنا: لا يملك بدون الاختيار، فمن مات قبله؛ فلا شيء له، ولا يورث عنه؛ كحقِّ الشُّفعة، ويحتمل أن يقال على هذا: يكتفي بالمطالبة في ميراث الحقِّ؛ كالشُّفعة.
-
ومنها: لو شهد أحد الغانمين بشيء من المغنم قبل القسمة، فإن قلنا: قد ملكوا؛ لم تقبل؛ كشهادة أحد الشَّريكين للآخر، وإن قلنا: لم يملكوا؛ قُبلت، ذكره القاضي في «خلافه» .
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وفي قبولها نظر؛ وإن قلنا: لم يملكوا؛ لأنَّها شهادة تجرُّ نفعاً.
ج ٣ ص ٣٦٩قلت: هذا ذكره القاضي في مسألة ما إذا وطئ أحد الغانمين جارية من المغنم، وذكر في مسألة السَّرقة من بيت المال والغنيمة: أنَّه لا تقبل شهادة أحد الغانمين بمال الغنيمة مطلقاً، وهو الأظهر، والله أعلم (١) .