الفائدة الثانية الصفقة الواحدة؛ هل تتفرق، فيصح بعضها دون بعض، أم لا، فإذا بطل بعضها بطل كلها؟
٤٥ فقرة، ج ٣ ص ٤٠٢
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ٤٠٢
في المسألة روايتان، أشهرهما: أنَّها تتفرَّق.
- وللمسألة صور:
-
أحدها: أن يجمع العقد بين ما يجوز العقد عليه وما لا يجوز بالكلِّيَّة، إمَّا مطلقاً، أو في تلك الحال؛ فيبطل العقد فيما لا يجوز العقد عليه (١) بانفراده.
-
وهل (٢) يبطل في الباقي؟ على الروايتين.
-
ولا فرق في ذلك بين عقود المعاوضات وغيرها؛ كالرهن والهبة والوقف، ولا بين ما يبطل بجهالة عوضه؛ كالبيع، وما لا يبطل؛ كالنكاح، فإنَّ النِّكاح فيه روايتان منصوصتان عن أحمد.
-
غير أنَّ صاحب «المغني» اختار: أنَّ البيع إذا كان الثمن منقسماً عليه بالقيمة (٣) ؛ كعبدين أحدهما مغصوب: أنَّه لا يصحُّ العقد فيهما؛
- ج ٣ ص ٤٠٣
تعليلاً بجهالة العوض، بخلاف ما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء؛ كقفيزين من صبرة واحدة.
-
وهذا مأخذ للبطلان وراء تفريق الصفقة، كما قالوا فيما إذا باع معلوماً ومجهولاً: إنَّه لا يصحُّ رواية واحدة؛ لجهالة الثمن، فهذا هو المانع هنا من تفريقها.
-
وفي «التلخيص» : أنَّ للبطلان في الكلِّ مأخذين:
أحدهما: كون الصفقة لا تقبل التجزُّؤ والانقسام.
-
والثاني: جهالة العوض.
قال: فعلى الأول؛ يطَّرد الخلاف في كلِّ العقود، وعلى الثاني؛ لا يطَّرد فيما لا عوض فيه، أو لا يفسد بفساد عوضه؛ كالنكاح.
قال: وعلى الأول؛ لو قال: بعتك كلَّ واحد بكذا؛ لم يصحَّ، ويصحُّ على الثاني، انتهى.
-
ثمَّ إنَّه حكى في تعدُّد الصفقة بتفصيل الثمن وجهين، وصحَّح: تعدُّدها.
-
فعلى هذا: يصحُّ في قوله: «بعتك كلَّ واحد بكذا» على المأخذين.
-
ثمَّ إنَّه اختار: أنَّ المتبايعين إن عَلِمَا أنَّ بعض الصفقة غير قابل للبيع؛ لم يصحَّ رواية واحدة؛ لأنَّهما دخلا على جهالة الثمن، وإن جهلا ذلك؛ فهو محلُّ الروايتين؛ لأنَّ للجهل بمثل ذلك تأثيراً في الصِّحَّة، كما في شراء المعيب الذي يسقط أرشه بعد العقد.
-
وهذا ضعيف؛ فإنَّ البائع قد يعلم بالعيب في العقد، ولا يمنع
ج ٣ ص ٤٠٤الصحة، وكذا في بيع النجْش وإخبار البائع بزيادة على الثمن عمداً؛ فإنَّ البيع يصحُّ في ذلك كلِّه، ويسقط بعض الثمن.
-
وههنا طريقة ثانية لدفع جهالة الثمن: وهي تقسيطه على عدد المبيع، لا على القيمة (١) ، ذكره القاضي وابن عقيل وجهاً في باب الشَّركة والكتابة من «المجرَّد» و «الفصول» فيما إذا باع عبدين، أحدهما له والآخر لغيره: أنَّ الثمن يقسَّط (٢) عليهما نصفين، كما لو تزوَّج امرأتين في عقد.
-
وهذا بعيد جدًّا، ولا أظنُّه يطَّرد إلَّا فيما إذا كانا جنساً واحداً.
-
وذكرا في باب الضمان من كتابيهما طريقة ثالثة، وهي (٣) : أنَّه يمسك ما يصحُّ العقد عليه بكل الثمن، أو يردُّ.
-
وهذا في غاية الفساد، اللَّهمَّ إلَّا أن يخصَّ هذا بمن كان عالماً بالحال، وأنَّ بعض المعقود عليه لا يصحُّ العقد عليه؛ فيكون قد دخل على بذل الثمن في مقابلة ما يصحُّ العقد عليه خاصَّةً؛ كما نقول فيمن أوصى لحيٍّ وميت يعلم موته بشيء: أنَّ الوصية كلَّها للحيِّ (٤) .
-
ولبعضهم طريقة أخرى في المسألة، وهي: إن كان ما لا يجوز العقد عليه غير قابل للمعاوضة بالكلِّيَّة - كالطريق -؛ بطل البيع؛ لأنَّه
ج ٣ ص ٤٠٥غير قابل للتموُّل بالكلِّيَّة، وقياسه الخمر، وإن كان قابلاً للصِّحَّة؛ ففيه الخلاف، ذكره الأزجي.
-
ولا يثبت ذلك في المذهب.
-
وعلى القول بالتفريق: فللمشتري الخيار (١) لتبعُّض الصَّفقة عليه، وله أيضاً الأرش إذا أمسك بالقسط فيما ينقص بالتفريق؛ كالعبد الواحد، والثوب الواحد، ذكره صاحب «المغني» في الضمان.
-
الصورة الثانية: أن يكون التحريم في بعض أفراد الصفقة ناشئاً من الجمع بينه وبين الآخر؛ فههنا حالتان:
إحداهما: أن يمتاز بعض الأفراد بمزِيَّة؛ فهل يصحُّ العقد فيه بخصوصه، أم يبطل في الكلِّ؟ فيه خلاف، والأظهر: صحَّة ذي المزيَّة.
-
فمن صور ذلك: ما إذا جمع في عقد بين (٢) نكاح أمٍّ وبنت؛ فهل يبطل فيهما، أم يصحُّ في البنت؛ لصحَّة ورود عقدها على عقد الأمِّ من غير عكس؟ على وجهين.
-
ومنها: لو جمع حرٌّ واجدٌ للطَّول أو غيرُ خائف للعنت بين حرَّة وأَمَةٍ في عقدٍ؛ ففيه روايتان منصوصتان:
إحداهما: يبطل النكاحان معاً.
-
والثانية: يصحُّ نكاح الحرَّة وحدها، وهو أصحُّ، لأنَّها تمتاز بصحَّة ورود نكاحها على نكاح الأمة، من غير عكس؛ فهي كالبنت مع الأم،
ج ٣ ص ٤٠٦وأولى؛ لجواز دوام نكاح الأمة معها على الصحيح أيضاً.
-
ومنها: أن يتزوَّج حرٌّ خائف للعنت غيرُ واجد للطَّول حرَّةً تُعِفُّه بانفرادها وأمةً في عقد واحد، وفيه وجهان:
أحدهما: يصحُّ نكاح الحرَّة وحدها، وهو ظاهر كلام القاضي في «المجرد» ؛ لأنَّ الحرَّة تمتاز على الأمة بصحَّة ورود نكاحها عليها؛ فاختصَّت بالصِّحَّة.
-
والثاني: يصحُّ فيهما معاً، قاله القاضي وأبو الخطاب في «خلافيهما» (١) ؛ لأنَّ له في هذه الحال قبول نكاح كلِّ واحدة منهما على الانفراد؛ فيصحُّ الجمع بينهما؛ كما لو تزوَّج أمةً ثمَّ حرَّة.
-
والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ قدرته على نكاح الحرَّة تمنعه من نكاح الأمة؛ فمقارنة نكاح الحرَّة أولى بالمنع.
-
أمَّا إن كان المتزوِّج عبداً، وقلنا بمنعه من نكاح الأمة على الحرَّة التي تعفُّه؛ ففيه وجهان:
أحدهما: أنَّه كالحرِّ سواء، قاله القاضي في «الجامع» ، وصاحب «المحرر» .
-
والثاني: يصحُّ جمعه بينهما في عقد بغير خلاف، وهو ظاهر كلام أبي الخطاب وصاحب «المغني» ؛ لأنَّ العبد لا تمنعه القدرة على نكاح الحرَّة من نكاح الأمة؛ فلا يمنعه مقارنة نكاحها، وإنَّما يمتنع بسبق نكاح الحرَّة.
- ج ٣ ص ٤٠٧
الحالة الثانية: ألَّا يمتاز بعضها عن بعض بمزية؛ فالمشهور: البطلان في الكل؛ إذ ليس بعضها أولى من بعض بالصِّحَّة.
-
مثل: أن يتزوَّج أختين في عقد، أو خمساً في عقد؛ فالمذهب: البطلان في الكل، ونصَّ عليه أحمد في رواية صالح وأبي الحارث.
-
ونقل عنه ابن منصور: إذا تزوَّج أختين في عقد: (يختار إحداهما) (١) .
-
وتأوَّله القاضي: على أنَّه يختارها بعقد مستأنف. وهو بعيد.
-
وخرَّج القاضي فيما إذا زوَّج الوليَّان من رجلين، ووقعا معاً: أنَّه يقرع بينهما، فمن قَرَع؛ فهي زوجته. ويخرَّج ههنا مثله.
-
الصورة الثالثة: أن تجمع الصفقة شيئين يصحُّ العقد فيهما، ثمَّ يبطل العقد في أحدهما قبل استقراره؛ فإنَّه يختصُّ بالبطلان دون الآخر.
قال القاضي وابن عقيل: رواية واحدة؛ لأنَّ التفريق وقع ههنا (٢) دواماً لا ابتداءً، والدوام أسهل من الابتداء.
-
ومع هذا؛ فقد حكوا فيما إذا تفرَّق المتصارفان عن قبض بعض الصرف: أنَّه يبطل العقد فيما لم يقبض، وفي الباقي روايتا تفريق الصفقة، وهذا تفريق في الدوام، إلَّا أن يقال: القبض في الصرف شرط لانعقاد العقد، لا لدوامه، وأنَّ العقد مراعىً بوجوده، كما صرَّح به جماعة من الأصحاب؛ فيكون التفريق حينئذ في الابتداء؛ غير أنَّ القاضي في «خلافه» حكى الخلاف في تفريق الصفقة في السَّلَم
ج ٣ ص ٤٠٨والصرف، مع تصريحه في المسألة: بأنَّ القبض شرط للدوام دون الانعقاد، وهذا يقتضي - ولا بدَّ - تخريج الخلاف في تفريق الصفقة دواماً قبل استقرار العقد.
-
وذكر أبو بكر في «الشافي» : أنَّ مال الزكاة إذا بِيع ثمَّ أعسر البائع بالزكاة؛ فللساعي الفسخ في قدرها، فإذا فسخ في قدرها؛ فهل ينفسخ في الباقي؟ يُخرَّج على روايتي تفريق الصفقة.
-
وهذا تصريح بإجراء الخلاف في التفريق في الدوام؛ فإنَّ الفسخ هنا بسبب سابق على العقد؛ فلا يستقرُّ العقد معه، فهذا في البيع ونحوه.
-
فأمَّا في النكاح:
فإن طرأ ما يقتضي تحريم إحدى المرأتين بعينها؛ كردَّة أو رضاع؛ اختصَّت بانفساخ النكاح وحدها بغير خلاف.