الفائدة الأولى التصرفات للغير بدون إذنه؛ هل تقف على إجازته أم لا؟ ويعبر عنها بتصرف الفضولي.
٩٤ فقرة، ج ٣ ص ٣٨٦
الصفحة ١ من ٣
- وتحتها أقسام:
-
القسم الأول: أن تدعو الحاجة إلى التصرُّف في مال الغير أو حقِّه، ويتعذَّر استئذانه؛ إمَّا للجهل بعينه، أو لغيبته، أو مشقَّة (٢) انتظاره؛ فهذا التصرُّف مباح جائز موقوف على الإجازة.
-
وهو في الأموال غير مختلف فيه في المذهب، وغير محتاج إلى إذن حاكم على الصحيح.
-
وفي الأبضاع مختلف فيه، غير أنَّ الصحيح من المذهب جوازه
ج ٣ ص ٣٨٧أيضاً، وفي افتقاره إلى الحاكم خلاف.
-
فأمَّا الأموال: فكالتصدق باللُّقطة التي لا تملك، وكالتَّصدُّق بالودائع والغصوب التي لا يُعرَف ربُّها أو انقطع خبره، وقد سبق في القواعد استقصاء صور هذا النوع (١) ، ويكون ذلك موقوفاً، فإن أجازه المالك (٢) ؛ وقع له أجره، وإلَّا ضمنه المتصرِّف، وكان أجره له، صرَّح بذلك الصحابة رضي الله عنهم (٣) .
-
وأمَّا الأبضاع: فتزويج امرأة المفقود إذا كانت غيبته ظاهرها الهلاك، فإنَّ امرأته تتربَّص أربع سنين، ثمَّ تعتدُّ وتباح للأزواج، وفي توقُّف ذلك على الحاكم روايتان.
-
واختلف في مأخذه: فقيل: لأنَّ أمارات موته ظاهرة؛ فهو كالميت حكماً.
- ج ٣ ص ٣٨٨
وقيل: بل لأنَّ انتظاره يعظم به الضرر على زوجته؛ فيباح لها فسخ نكاحه؛ كما لو ضارَّها بالغيبة، وامتنع من القدوم مع المراسلة.
-
وعلى هذين المأخذين ينبني: أنَّ (١) الفرقة هل تنفذ ظاهراً وباطناً، أو ظاهراً فقط؟
-
وينبني الاختلاف في طلاق الوليِّ لها.
-
وله مأخذ ثالث - وهو الأظهر -: وهو أنَّ الحاجة دعت هنا إلى التصرُّف في حقِّه من بضع الزوجة بالفسخ عليه؛ فيصحُّ الفسخ وتزوُّجها بغيره ابتداءً؛ للحاجة، فإن لم يظهر؛ فالأمر على ما هو عليه، وإن ظهر؛ كان ذلك موقوفاً على إجازته، فإذا قدم؛ فإن شاء أمضاه، وإن شاء ردَّه.
-
القسم الثاني: ألَّا تدعو الحاجة إلى هذا التصرُّف ابتداءً، بل إلى صحَّته وتنفيذه؛ بأن تطول مدَّة التصرُّف (٢) ، ويتعذَّر استرداد أعيان أمواله؛ فللأصحاب فيه طريقان:
أشهرهما: أنَّه على الخلاف الآتي ذكره.
-
والثاني: أنَّه ينفذ ههنا بدون إجازة؛ دفعاً لضرر المالك بتفويت الربح، وضرر المشترين بتحريم ما قبضوه بهذه العقود، وهذه طريقة صاحب «التلخيص» في باب المضاربة، وصاحب «المغني» في (٣)
- ج ٣ ص ٣٨٩
موضع منه.
-
القسم الثالث: ألَّا تدعو الحاجة إلى ذلك ابتداءً ولا دواماً؛ فهذا القسم في (١) التصرُّف فيه من أصله ووقوفه على إجازة المالك وتنفيذه روايتان معروفتان.
- واعلم أنَّ لتصرف الشخص في مال غيره حالتين:
-
إحداهما: أن يتصرَّف فيه لمالكه؛ فهذا محلُّ الخلاف الذي ذكرناه، وهو ثابت في التصرُّف في ماله بالبيع والإجارة ونحوهما.
-
وأمَّا في النِّكاح؛ فللأصحاب فيه طريقان:
إحداهما: إجراؤه على الخلاف، وهو ما قال القاضي والأكثرون.
-
والثاني: الجزم ببطلانه قولاً واحداً، وهو طريق أبي بكر، وابن أبي موسى، ونصَّ أحمد على التفريق بينهما في رواية ابن القاسم؛ فعلى هذا لو زوَّج المرأة أجنبيٌّ، ثمَّ أجازه الوليُّ؛ لم ينفذ بغير خلاف؛ كما لو زوَّجت المرأة نفسها.
-
نعم، لو زوَّج غيرُ الأب من الأولياء الصغيرةَ بغير (٢) إذنها، أو زوَّج الوليُّ البكرَ (٣) بدون إذنها؛ فهل يبطل من أصله، أو يقف على إجازتها؟ على روايتين، ذكر ذلك ابن أبي موسى.
-
الحالة الثانية: أن يتصرَّف فيه لنفسه، وهو الغاصب، ومن يتملَّك مال غيره لنفسه، فيجيزه له المالك.
- ج ٣ ص ٣٩٠
فأمَّا الغاصب: فذكر أبو الخطَّاب في جميع تصرُّفاته الحكميَّة روايتين:
إحداهما: البطلان.
-
والثانية: الصِّحَّة.
قال: (وسواء في ذلك العبادات؛ كالطهارة والصلاة والزكاة والحجِّ، والعقود؛ كالبيع والإجارة والنكاح) .
-
وتبعه على ذلك جماعة ممَّن بعده.
-
ثمَّ منهم من أطلق هذا الخلاف غير مقيَّد بالوقف على الإجازة، ومنهم من قيَّده بها؛ كالقاضي في «خلافه» ، وابن عقيل وصاحب «المغني» في موضع من كلامهما.
-
فإن أريد بالصِّحَّة من غير وقف على الإجازة؛ وقوعُ التصرُّف عن المالك، وإفادة ذلك للملك له؛ فهو الطريق الثانية في القسم الثاني الذي سبق ذكره.
-
وإن أريد الوقوع للغاصب من غير إجازة؛ ففاسد قطعاً، إلَّا في صورة شرائه في الذِّمَّة إذا نقد المال من المغصوب؛ فإنَّ الملك يثبت له فيها، نصَّ عليه في رواية المروذي.
-
ولا ينافي ذلك قولنا: إنَّ الربح للمالك؛ لأنَّه فائدة ماله وثمرته؛ فيختصُّ به، وإن كان أصل الملك لغيره، صرح به القاضي في «خلافه» .
-
ومن فروع ذلك في العبادات المالية: لو أخرج الزكاة عن ماله من
ج ٣ ص ٣٩١مال حرام؛ فالمشهور: أنَّه يقع باطلاً.
-
وحُكِيَ عن أحمد: أنَّه إن أجازه المالك؛ أجزأته، وإلَّا فلا.
-
ومنها: لو تصدَّق الغاصب بالمال؛ فإنَّه لا تقع الصَّدقة له، ولا يثاب عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاةً بغير طُهور، ولا صدقةً من غُلول» (١) .
-
ولا يثاب المالك على ذلك أيضاً؛ لعدم تسبُّبه إليه، ذكره ابن عقيل في «فنونه» ، ونقل نحوه عن سعيد بن المسيب.
-
ومن الناس من قال: يثاب المالك عليه، ورجَّحه بعض شيوخنا (٢) ؛ لأنَّ هذا البرَّ تولَّد من مال اكتسبه؛ فيؤجر عليه وإن لم يقصده؛ كما يؤجر على المصائب التي تولِّد له خيراً، وعلى عمل ولده الصالح، وعلى ما ينتفع به الناس والدَّواب من زروعه وثماره.
-
ومنها: لو غصب شاةً، فذبحها لمتعتِه أو قرانِه - مثلاً -؛ فإنَّه لا يجزئه (٣) ، صرَّح به الأصحاب، ونصَّ عليه أحمد في رواية علي بن سعيد؛ لأنَّ أصل الذَّبح لم يقع قربةً من الابتداء؛ فلا ينقلب قربةً بعده؛ كما لو ذبحها للحمها، ثمَّ نوى بها المتعة.
-
وحكى الأصحاب رواية: بوقفه على إجازة المالك؛ كالزكاة.
- ج ٣ ص ٣٩٢
ونصَّ أحمد على الفرق بين أن يعلم أنَّها لغيره؛ فلا تجزئه، وبين أن يظنَّها لنفسه؛ فتجزئه، في رواية ابن القاسم وسندي.
-
وسوَّى كثير من الأصحاب بينها في حكاية الخلاف، ولا يصحُّ.
-
ومنها: لو أنكح (١) الأمة المغصوبة، وفي وقفه على الإجازة الخلاف.
-
وعلى طريقة أبي بكر، وابن أبي موسى: هو باطل قولاً واحداً.
-
ويبعد ههنا القول بنفوذه مطلقاً بدون إجازة، بل هو باطل مخالف لنصِّ السُّنَّة (٢) ، ولنصوص أحمد المتكاثرة (٣) .