قاعدة [٣٦] من استأجر عينا ممن له ولاية الإيجار، ثم زالت ولايته قبل انقضاء المدة؛ فهل تنفسخ الإجارة؟

٣٦ فقرة، ج ١ ص ٢٢٧

  1. هذا قسمان:

    ج ١ ص ٢٢٧
  2. أحدهما: أن تكون إجارته بولاية محضة:
  3. فإن كان وكيلاً محضاً؛ فالكلام في موكِّله دونه.

  4. وإن كان مستقلًّا بالتَّصرُّف؛ فإن انتقلت الولاية إلى غيره؛ لم تنفسخ الإجارة؛ لأنَّ الولي الثَّاني يقوم مقام الأوَّل، كما يقوم المالك الثَّاني مقام الأوَّل.

  5. وإن زالت الولاية عن المولَّى عليه بالكليَّة؛ كصبيٍّ يبلغ بعد إيجاره أو إيجار عقاره والمدَّة باقية؛ ففي الانفساخ وجهان:

    أشهرهما: عدمه، وهو قول القاضي وأصحابه؛ لأنَّه تصرَّف له تصرفاً لازماً؛ فلا تنفسخ ببلوغه، كما لو زوَّجه أو باع عقاره.

  6. والثَّاني: تنفسخ، ذكره في «المغني» وجهاً؛ لأنَّه آجره مدَّة لا ولاية له عليه فيها بالكليَّة، فأشبه إجارة البطن الأوَّل للوقف إذا انقرض قبل انقضاء المدَّة.

  7. وفارق البيع؛ لأنَّه ينبرم في الحال وتنقطع عُلَقه.

    ج ١ ص ٢٢٨
  8. نعم؛ لو كان بلوغه في مدَّة الخيار؛ ففيه نظر (١) .

  9. وكذلك النِّكاح ينبرم من حينه، ويستقرُّ المهر فيه بالدُّخول، بخلاف الإجارة؛ لأنَّ الأجرة تتقسَّط فيها على المدَّة، ولا يستقرُّ الملك فيها إلَّا باستيفاء المنافع شيئاً بعد شيء.

  10. وذكر في «المغني» وجهاً آخر خرجَّه (٢) (٣) : أنَّه إن آجره مدَّة يعلم بلوغه فيها قطعاً؛ لم يصحَّ في الزَّائد، ويخرج الباقي على تفريق الصَّفقة (٤) .

  11. ونحوه ذكر صاحب «التَّلخيص» .

  12. والقسم الثَّاني: أن تكون إجارته بملكٍ ثمَّ تنتقل إلى غيره، وهو أنواع:

    أحدها: أن تنتقل عنه إلى من يملك بالقهر ما يستولي عليه؛ فتنفسخ الإجارة؛ لملكه المنافع الباقية منها (٥) .

  13. ودخل تحت هذا: إذا آجر مسلم شيئاً، ثمَّ استولى عليه الكفَّار، وإذا آجر الحربيُّ شيئاً لحربيٍّ ثمَّ استولى عليه المسلمون.

    ج ١ ص ٢٢٩
  14. أمَّا إن آجر الحربيُّ شيئاً لمسلم أو ذميٍّ ثمَّ استولى عليه المسلمون؛ فالإجارة باقية؛ لأنَّ المنافع ملك لمعصوم؛ فلا تتملَّك.

  15. وثانيها: أن ينتقل الملك إلى من يخلفه في ماله ويقوم مقامه ويتلقَّى الملك عنه؛ فلا اعتراض له على عقوده، بل هو منفذ لها، وذلك كالوارث، والمشتري، والمتَّهب، والموصى له بالعين، والزَّوجة إذا أخذت العين صداقاً، وأخذه (١) الزَّوج منها عوضاً عن خلع، أو صلحًا (٢) ، أو غير ذلك.

  16. وثالثها: أن يكون (٣) مزاحماً للأوَّل في الاستحقاق ومتلقِّياً للملك عمَّن تلقَّاه الأوَّل، لكن لا حقَّ له في العين إلَّا بعد انتهاء استحقاقه؛ كالبطن الثَّاني من أهل الوقف إذا أَجَّر البطنُ الأوَّلُ، ثمَّ انقرض والإجارة قائمة.

  17. وفي المسألة وجهان:

    أحدهما: وهو ما قال القاضي في «المجرَّد» إنَّه قياس المذهب: أنَّه لا ينفسخ؛ لأنَّ الثَّاني لا حقَّ له في العين إلَّا بعده؛ فهو كالوارث.

    ج ١ ص ٢٣٠
  18. والثَّاني: وهو المذهب الصَّحيح، وبه جزم القاضي في «خلافه» ، وقال: (إنَّه ظاهر كلام أحمد) ، وابنه أبو الحسين، وحكياه عن أبي إسحاق ابن شاقْلَا، واختاره ابن عقيل وغيره: أنه ينفسخ؛ لأنَّ الطَّبقة (١) الثَّانية تستحقُّ العين بجميع منافعها تلقِّياً عن الواقف بانقراض الطَّبقة الأولى؛ فلا حقَّ للأولى فيه بعد انقراضهم، بخلاف الورثة؛ فإنَّهم لا يتلقَّون عن موروثهم إلَّا ما خلَّفه في ملكه من الأموال، ولم يخلِّف هذه المنافع (٢) ، وحقُّ المالك لم ينقطع عن ميراثه بالكليَّة، بل آثاره باقية، ولهذا تُقضَى ديونه وتنفذ وصاياه من التَّركة، وهي ملكه على قولٍ إلى أن يُقضى دينه؛ فكيف يُتعرض عليه في تصرفاته بنفسه (٣) ؟!

  19. وأيضاً، فهو كان يملك التَّصرف في ماله (١) على التَّأبيد؛ بوقف عقاره، والوصيَّة به، وبما يحمل شجره أبداً، والموقوف عليه بخلافه في ذلك كلِّه (٢) .

    ج ١ ص ٢٣١
  20. وخرَّج صاحب «المغني» وجهاً آخر: ببطلان العقد من أصله؛ بناءً على تفريق الصَّفقة (٣) كما سبق، لكنَّ (٤) الأجرة إن كانت مقسَّطة على

    ج ١ ص ٢٣٢أشهر مدَّة الإجارة أو أعوامها؛ فهي صفقات متعدِّدة على أصحِّ الوجهين؛ فلا يبطل جميعها ببطلان بعضها، وإن لم تكن مقسَّطة؛ فهي صفقة واحدة، فيطَّرد فيها الخلاف المذكور.

  21. واعلم: أنَّ في ثبوت الوجه الأوَّل (١) نظراً؛ لأنَّ القاضي إنَّما فرضه فيما إذا أجَّر الموقوف عليه؛ لكون النَّظر مشروطاً (٢) له.

  22. وهذا (٣) محلُّ تردُّدٍ - أعني: إذا أجَّر بمقتضى النَّظر المشروط له -؛ هل يُلحق بالنَّاظر العامِّ فلا تنفسخ (٤) بموته الإجارات (٥) أم لا؟ فإنَّ من أصحابنا المتأخِّرين من ألحقه بالنَّاظر العامِّ في ذلك.

  23. وهكذا حكم المُقطَع إذا أجَّر إقطاعه، ثمَّ انتقلت عنه إلى غيره بإقطاع آخر.

  24. ورابعها: أن يكون (٦) مزاحماً للأوَّل في استحقاق التَّلقي عمَّن تلقَّى عنه الأوَّل؛ بسبق حقِّه وتقديمه عليه، وهو المشتري للشِّقص المشفوع

    ج ١ ص ٢٣٣إذا أَجَّر - وقلنا (١) بصحَّة تصرفاته بالإجارة وغيرها -، ثمَّ انتزعه الشَّفيع، وفيه ثلاثة أوجه:

    أحدها (٢) : وهو (٣) ما ذكره صاحب «المقنع» : لا تنفسخ الإجارة؛ لأنَّ ملك المؤجر ثابت، ويستحقُّ الشَّفيعُ الأجرةَ (٤) من يوم أخذه؛ لأنَّه يستحقُّ انتزاع العين والمنفعة، فإذا فات أحدهما؛ رجع إلى بدله وهو الأجرة ههنا؛ كما نقول في الوقف إذا انتقل إلى البطن الثَّاني، ولم تنفسخ إجارته: إنَّهم يستحقُّون الأجرة من يوم الانتقال.

  25. وكذلك نصَّ أحمد في رواية جعفر بن محمَّد على مثل ذلك في بيع العين المؤجرة، وأنَّ المشتري يستحقُّ الأجرة من حين العقد (٥) .

  26. وهو مُشْكِلٌ؛ لأنَّ المنافع مدَّة الإجارة غير مملوكة للبائع؛ فلا

    ج ١ ص ٢٣٤تدخل في عقد البيع (١) .

  27. ويجاب عنه: بأنَّ البائع يملك عوضها، وهو الأجرة، ولم تستقرَّ بعدُ، ولو انفسخ العقد لرجعت المنافع إليه، فإذا باع العين (٢) ولم يستثنِ شيئاً؛ لم يكن تلك المنافع ولا عوضها (٣) مستحقًّا له (٤) ؛ لشمول البيع للعين ومنافعها، فيقوم المشتري مقام البائع فيما كان يستحقُّه منها، وهو استحقاق عوض المنافع مع بقاء الإجارة، وفي رجوعها إليه مع الانفساخ.

  28. وهذا هو أحد الوجهين للأصحاب، وهو قياس نصِّ أحمد المذكور أوَّلاً.

  29. وما ذكرناه قبل ذلك من رجوع المنافع إلى البائع عند الانفساخ هو الَّذي ذكره صاحب «المغني» (٥) .

  30. والثَّاني (٦) : أنَّه تنفسخ الإجارة بأخذه، وهو المجزوم به في

    ج ١ ص ٢٣٥«المحرَّر» (١) ؛ لما قلنا من ثبوت حقِّه في العين والمنفعة، فيملك انتزاع كلٍّ منهما ممَّن هو في يده.

  31. وفارق إجارة الوقف على وجه (٢) ؛ لأنَّ البطن الثَّاني لا حقَّ لهم قبل انقراض الأوَّل، وهنا حقُّ الشَّفيع ثابت قبل إيجار المشتري، فتنفسخ بأخذه؛ لسبق حقِّه، ولهذا قلنا على رواية: إنَّ تصرُّف المشتري في مدَّة الخيار مراعًى، فإن فسخ البائع بَطَل.

  32. وأيضاً: فلو لم تنفسخ الإجارة؛ لوجب ضمان المنافع على المشتري (٣) بأجرة المثل لا بالمسمَّى؛ لأنَّه ضمان حيلولة (٤) ، كما قلنا في أحد الوجهين: إذا أعتق عبده المستأجَرَ؛ لزمه ضمان قيمة منافعه فيما بقي من المدَّة (٥) .

  33. والثَّالث: أنَّ الشَّفيع بالخيار بين أن يفسخ الإجارة أو يتركها، وهو ظاهر كلام القاضي في «خلافه» في مسألة إعارة (٦) العارية، وهو أظهر؛

  34. فإنَّ الإجارة بيع المنافع، ولو باع المشتري العين أو بعضها؛ كان الشَّفيع مخيَّراً بين الأخذ ممَّن هي في يده وبين الفسخ ليأخذ من المشتري.

    ج ١ ص ٢٣٦
  35. وخامسها: أن ينفسخ ملك المؤجر، ويعود إلى من انتقل الملك إليه منه؛ فالمعروف من المذهب: أنَّ الإجارة لا تنفسخ بذلك؛ لأنَّ فسخ العقد رفع له من حينه لا من أصله (١) .

  36. وصرَّح أبو بكر في «التَّنبيه» : بانفساخ النِّكاح لو أنكحها المشتري ثمَّ ردَّها بعيب؛ بناءً على أنَّ الفسخ رفع للعقد من أصله.

    وقال القاضي وابن عقيل في «خلافيهما» : الفسخ بالعيب رفع للعقد من حينه، والفسخ بالخيار رفع له من أصله؛ لأنَّ الخيار يمنع اللُّزومَ (٢) بالكليَّة، ولهذا يُمنَعُ معه من التَّصرُّف في المبيع وثمنه، بخلاف العيب (٣) .