حديث توسل الأعرابي والكلام على متنه

٥٩ فقرة، ج ١ ص ٢٧٣

الصفحة ٢ من ٢

  1. وفي الرواية الأولى يقول الأعرابي] وجئتك مستغفراً] وفي رواية العتبي [وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي] . إنهما قد ترافقا تقريباً بين العبارتين المتعلقتين بالمجئ من أجل الاستغفار. وجاءت زيادة في رواية العتبي [مستشفعاً بك إلى ربي] .

    ج ١ ص ٢٨٣
  2. وهنا يجب الوقوف عند قول الروايتين: [وجئتك مستغفراً] وفي الرواية

    ج ١ ص ٢٨٤الأولى [وجئتك مستغفراً لذنبي] في رواية العتبي النظر عن الاختلاف والاضطراب في لفظ الروايتين .. إن خطر كبيراً يهون بجانبه خطر التوسل بذوات المخلوقين، قد ذر قرنه من قوله [وجئتك مستغفراً] أو [قد جئتك مستغفراً لذنبي] أن هذا الكلام الوارد في كلا الروايتين يوهم - إن لم نقل يؤكد - أن الأعرابي إنما جاء القبر ليستغفر الرسول من ذنبه ... ! بينما الآية التى يستشهدون بها تقول: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله) لا فاستغفروك!!! لأن استغفار الله عبادة له تعالى، فلا يجوز استغفار أحد من المخلوقين ... حتى ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستغفار رسول الله عبادة له والعبادة لا تليق إلا لله تعالى وحده لا شريك له , إذا فاستغفار الرسول شرك بالله تعالى.

  3. أما مراد الآية: فهو المجيء إلى مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واشهاده على استغفارهم الله من الذنب، ثم الطلب منه - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر الله لهم، وليس فيها قطعاً ذكر المجيء إليه - صلى الله عليه وسلم - من أجل أن يستغفروه هو من الذنب.

  4. ٥ - إن الزيادة الواردة في قول العتبي [مستشفعاً بك إلى ربك] ، هذا طلب لا يجوز توجيهه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته. إذ كيف يشفع وهو منقطع العمل بسبب وفاته ... ؟ ثم كيف يشفع ولم يصدر الإذن بالشفاعة من الله تعالى ولن يصدر الإذن إلا يوم القيامة لمن يشاء الله ويرضى .. وهذه ولا شك عقائد ومعلومات بدهية لا يعذر المسلم في الجهل بها ... فضلاً عن وقوع ذلك في زمن الصحابة الذين هم خير أمة أخرجت للناس وخاصة أمام علم شامخ من أعلامهم وهو على ابن أبي طالب - رضي الله عنه - وأرضاه.

  5. ٦ - قول الرواية الأولى: [فنودى من القبر ((انه قد غفر لك) )] بينما يقول العتيبي في الرواية الثانية: [ثم أنصرف الأعرابي فغلبتنى عيني ... فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم فقال: ((يا عتيبى إلحق بالأعرابي فبشره أن الله قد غفر له) )].

  6. لا شك يا أخي أنك قد أدركت الفارق بين اللفظين رواية تقول: أن الرسول قد ناداه من القبر ((انه قد غفر لك) ) ورواية تقول: أن الرسول أتى العتيبي في

    ج ١ ص ٢٨٥المنام وأهره أن يلحق بالأعرابي ويبشره بان الله قد غفر له.

  7. فإذا كان الرسول قد بلغه شفهياً بأن الله قد غفر له فما حاجته بتكليف العتبي أن يبشره بأنه قد غفر له ... .؟ فإما أن يكون الأعرابي سمع قول الرسول وبشارته مباشرة منه - صلى الله عليه وسلم - وأما أن يبلغها من العتبي، أما من الطرفين فيكون من التكرار الذي لا طائل تحته.

    وإذا كان من الممكن نداء الرسول للأعرابي وتبليغه مباشرة فلماذا يستعين بالعتبي ويأتيه بالمنام ويستلحقه بالأعرابي ليبشره ... ؟!

  8. أرأيت يا أخي هذا الاضطراب العظيم بين الروايتين مما يؤكد ولا شك أن الروايتين غير صحيحتين بالنسبة لعلل كل منهما.

  9. على أن واضع الحديث في الرواية الأولى يريد أن يوهم المسلمين إمكانية اتصال النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته بأحد من أمته، بينما هذا مستحيل وقوعه ولو أمكن لكان من الأحرى والأجدى أن يتصل بأمته - صلى الله عليه وسلم - في حوادث هامة .. لم يعرف فيها الحق أين هو .. ومع من هو ... ؟ وكم كانت تلك الوقائع المؤلمة سبباً لقتل آلاف من الصحابة.

    فيا سبحان الله يكلم رسول الله بعد وفاته الأعرابي .. ولا يكلم المسلمين فيما شجر بينهم من المشاكل ... ؟!!! إن مثل هذه العلل في متن الروايتين كافية للحكم على هذا الحديث بالوضع والسقوط.

  10. الكلام على سند الحديث

    ليس لرواية / حديث العتبي / أى سند يستأنس به للحكم بصحة الرواية أو اعتلالها .. ولكن رأينا بصيصاً من الضوء على ذلك، وهو:

    إنه وإن كان العقد منفرطاً إلى العتبي .. وغير معروف من رواه عنه، إنما نكتفي بالاستدلال على كذب الحديث .. أو على الأقل على علة الانقطاع فيه أن العتبي الذي يروى هذه الرواية عن الأعرابي كشاهد عيان!!! أن بينه وبين الأعرابي انقطاعاً يربو على مائتي سنة تقريباً وإليك البيان:

    ج ١ ص ٢٨٦١ - قال زين الدين أبو بكر بن الحسين بن عمر أبى الفخر المراغي المتوفي سنة / ٨١٦ / هجرية: تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة ص ١١١ / في / ترجمة العتبي / قال: (أسمه محمد بن عبد الله بن عمر بن معاوية بن عمر بن عتبة أبن أبي سفيان صخر بن حرب توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين) .

  11. ٢ - وقال ابن الأثير في كتابه: اللباب في تهذيب الأنساب / ج ١ ص ١١٩: (((والعتبي وهي أيضاً نسبة إلى عتبة بن أبى سفيان صخر ابن أمية بن عبد شمس أخي معاوية بن أبي سفيان. وينسب إليه جماعة، منهم محمد بن عبد الله بن عمر بن معاوية بن عتبة بن أبي سفيان العتبي البصري يكنى أبا عبد الرحمن صاحب أخبار وآداب، حدث عن أبيه وابن عيينة وروى عنه أبو حاتم السجستانى) .

  12. ٣ - وقال أبن خلكان في / وفيات الأعيان / ج ١ ص ٥٢٢ - ٥٢٣ (أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن عمر بن معاوية بن عمر بن عتبة بن أبي سفيان صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس القريشى الأموي المعروف بالعتبي للشاعر البصروى المشهور كان أديباً فاضلاً، وشاعراً مجيداً وكان يروى الأخبار وأيام العرب ... . إلى أن قال: روى عن أبيه وعن سفيان بن عيينة، ولوط بن مخنف وروى عنه أبو حاتم السجستاني وأبو الفضل الرياشى وإسحاق بن محمد النعنعي وغيرهم وقدم بغداد وحدث بها وأخذ عنه أهلها ... . إلى أن قال: وتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين رحمة الله تعالى.

    ٤ - ولعل أحداً من (القوم ... ) يقول: وما يدريك أن هذا هو العتبي، المعنى بالرواية عن الأعرابي فأقول:

    وإنني أؤكد أنه هو نفسه الذي تزعمون أنه رأى الأعرابي صاحب القصة ودليلنا على ذلك ما حكى عنه المؤرخون وخاصة اعتراف رجل منكم ممن يجوزون التوسل بذوات المخلوقين وهو: الشيخ السبكي مؤلف كتاب / شفاء السقام / (الذي رد عليه ابن عبد الهادي في / كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي / قال في الصفحة / ٢٣٦ / منه:

    ج ١ ص ٢٨٧(قال السبكي في كتابه / شفاء السقام في زيارة خير الأنام / العتبي، وأسمه محمد ابن عبد الله بن عمر بن معاوية بن عمر بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب كان من افصح الناس رواية للأداب وحدث عن أبيه، وسفيان بن عيينة توفى سنة ثمان وعشرين ومائتين يكنى أبا عبد الرحمن) أهـ. كلام السبكي). وذلك طبعاً يعد أن ذكر حكاية العتبي وروايته عن الأعرابي مستدلاً بها في كتابه على جواز التوسل بذوات المخلوقين.

  13. إذا ... فالعتبي الذي تزعمون أنه صاحب الرواية عن الأعرابي .. هو نفسه المترجم في الكتب المذكورة بشهادة شيخكم السبكي في كتابه: / شفاء السقام في زيارة خير الأنام /، (وشهد شاهد من أهلها) بينما في الحقيقة أن العتبي هذا ... تأخر عن العتبي الذي يريدون إقحامه في الرواية عن الأعرابي .. بما يردي على المائتي سنة تقريباً ... فتأمل.

    قال ابن عبد الهادي في كتابه: / الصارم المنكي في الرد على السبكي.

    (وأما حكاية العتبي التى أشار إليها - أى السبكي - حكاية ذكرها بعض الفقهاء والمحدثين، وليست بصحيحه ولا ثابتة إلى العتبي ... .!!

    وقد رويت عن غيره بإسناد مظلم ... وهي في الجملة حكاية لا يثبت بها حكم شرعي، ولا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً، لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم وبالله التوفيق) أهـ.

  14. الرواية الثالثة:
  15. وقد رويت هذه القصة ... . لا عن العتبي ... إنما رويت أيضاً عن محمد بن حرب الهلالي عن الأعرابي وتارة عن محمد بن حرب الهلالي عن أبي محمد الحسن الزعفراني عن الأعرابي.

    والزعفراني هذا من أجلة أصحاب الشافعي وأعيانهم توفي سنة / ٢٤٩ / رحمه الله فكيف يمكنه الرواية عن الأعرابي الذي تقدمه كل هذا الزمن ... !!؟

    وإنك يا أخي لترى هذا الاضطراب البالغ فتارة يروون هذه القصة عن على ... . وتارة عن العتبي الذي كلفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المنام أن يلحق بالأعرابي ويبشره

    ج ١ ص ٢٨٨بالمغفرة وتارة أخرى يقولون أن محمد بن حرب الهلالي هو الذي رأى الأعرابي وهو الذي رأى الرسول في المنام وكلفه أن يبشر الأعرابي بالمغفرة. وطوراً يقولون بل الحسن الزعفراني هو الذي رأى الأعرابي ورأى المنام ...

  16. ثم اضطراب في اسم محمد بن حرب الهلالي فتارة يقولون هو محمد بن حرب الهلالي وتارة يذكره الزبيدى في كتابه شرح أحياء علوم الدين انه محمد بن كعب الهلالي.

    ثم إن الهلالي تأخر والله أعلم في الوفاة عن شيخه الزعفراني الذي توفى سنة ٢٤٩ فكيف يمكنه الرواية عن الأعرابي الذي يعزون زمن قصته إلى ثلاثة أيام خلت بعد دفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... !!!؟؟.

    قال ابن عبد الهادي رحمه الله:

    (هذه الحكاية التى ذكرها السبكي، بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد!!! وبعضهم يرويها عن محمد حرب الهلالي عن الأعرابي، ,بعضهم يرويها عن محمد ابن حرب عن الحسن الزعفراني عن الأعرابي. وقد ذكرها البيهقي في كتاب / شعب الإيمان / بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي - ويرويها بنحو ما تقدم ... . - وقد وضع لها بعض الذابين إسناداً إلى على بن أبي طالب - رضي الله عنه - ... وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي ... مما تقوم به حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم وبالله التوفيق) أهـ.

    قلت: ولا ندرى من هو هذا الأعرابي الذي أقاموا الدنيا وأقعدوها بقصته إنهم لا يسمونه ولا في رواية من جميع رواياتهم فيمون الأعرابي أخيراً مجهولاً غير معروف.

  17. وعلى فرض صحة الروايات ... وأنها قصة واقعة فأي احتجاج ينهض من عمل هذا الأعرابي المجهول؟ ومتى كان الأعرابي يؤخذ عنهم العلم؟ اللهم إلا إذ كان الأعرابي صحابياً، فعلى الرأس فالأعرابي الصحابي نأخذ عنه ولو كان مجهول الاسم فهذا لا يضر الصحابي في شئ ... وأروني صحابياً واحداً ثبت أنه فعل

    ج ١ ص ٢٨٩فعل ذلك الأعرابي المزعوم ثم وعلى فرض أن الحادثة واقعية ... أى حجة (للقوم ... ) على جواز ما يزعمون من التوسل بذوات المخلوقين ... إن عمل الأعرابي من أوله إلى آخره صحيحاً كان أو موضوعاً ليس فيه أى دليل على جواز التوسل بالمخلوقين وإن عمله لم يكن قط توسلاً بالرسول - صلى الله عليه وسلم -. وكل ما في الآمر أنه أتى تأولا للآية (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ... ) ظاناً أنه يمكن أن يستغفر له الرسول بعد وفاته ... وأن يشفع له ... في الوقت الذي لما يحن بعد زمن الشفاعة، وما وقتها وزمنها إلا بعد يوم القيامة وبعد الإذن منه تعالى لمن يشاء ويرضى. وحق أن في بعض الروايات عن الأعرابي زيادة بيت على البيتين اللذين أنشدهما أمام قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ففي هذه الرواية ينشد الأعرابي ثلاثة أبيات:

    يا خير من دفنت في القاع أعظمه

    نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه

    أنت النبي الذي ترجي شفاعته ... * ... فطاب من طيبهن القاع والأكم

    فيه العفاف وفيه الجود والكرم

    عند الصراط إذا ما زلت القدم

    * ...

  18. *

    وهكذا ترى يا أخي أن الأعرابي هذا يروون عنه أنه أنشد الأبيات الثلاثة وفي آخرها كما ترى:

    أنت النبي الذي ترجي شفاعته عند الصراط إذا ما زلت القدم

    فإن الأعرابي يقر بان الشفاعة لا ترجي من الرسول إلا عند الصراط وذلك يوم القيامة فكيف يطلبها في الدنيا ... .؟ هذا تناقض واضح، واضطراب في الروايات بالغ، يدل كما قلنا على عدم صحة الرواية عن الأعرابي.

  19. والحقيقة ... إنه ليس هناك أعرابي ولا غيره ولا وقعت تلك الحادثة أصلاً إنما حي موجودة في مخيلات من اخترعوها ووضعوها وكذبوا بها على الله وعلى رسوله وعلى الناس أجمعين، فإن كانوا قد تابوا إلى الله مما فعلوا .. وإلا فندعوا الله تعالى أن يعاملهم بما يستحقون من عدله جزاء ما أقترفوا من الآثام فضلوا وأضلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.