المقدمة
١٧٨ فقرة، ج ١ ص ٣
الصفحة ٣ من ٥
- ج ١ ص ١٠
أَحَادِيث كؤوس ورده عَن عَلْقَمَة، أَو ابْن الزلباني لقلى نَفسه بِنَار دهنه ودهن ناره المشتعلة، ولحرق بأصابعه لجين أَلْفَاظه، الَّتِي جهد أَن يقلبها إبريزا، فَمَا قعد مِنْهَا إِلَّا فِي شباك وسلسلة، أَو الشريف الجرواني لقَالَ: وَالله هَذِه مواهب إلهية، وفوائد سنية، ونقود ذهبية، يتعامل بهَا من الان فِي الديار المصرية، والممالك الاسلامة، وَإنَّهُ لكتاب ختمت بهكتب أهل هَذِه الصِّنَاعَة.
-
وأرجوا أَن يكون وَاسِطَة عقدهم، ورابطة مقتضياتهم، الَّتِي إِلَيْهَا يرجعُونَ فِي حلهم وعقدهم.
-
مَا تَأمله منصف خَبِير، فأمعن فِيهِ نظرا، وَرَأى وَجه الْمُنَاسبَة فِيهِ بَين الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة والوثائق الشَّرْعِيَّة وَجها مقمرا، إِلَّا تَيَقّن أَن طرفه الساري إِلَى أَبْوَاب هَذَا الْكتاب واثق من مَعْرُوف مُؤَلفه، وبشره بصباح عِنْده يحمده السرى، وَيَقُول - إِذا طالع مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْفَوَائِد -: لاجرم أَن كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا.
-
وَقد عزمت على أَن لَا أدع فِي بَاب من أبوابه فرعا يتَعَلَّق بمقصود إِلَّا ذكرته بِقصد حُصُول الْفَائِدَة.
-
والتزمت أَنِّي لَا آتِي على لفظ رَكِيك، وَلَا كلمة ذَات معنى غَرِيب، إِلَّا نبهت على مَعْنَاهَا، وأشرت إِلَيْهِ بِحَسب الامكان على الْقَاعِدَة سائقا مَا لَا يسْتَغْنى الْكتاب عَنهُ فِي الْجُمْلَة، من تناسق مقْصده فِي غَايَة، أَو مُنَاسبَة بَين كلمة وَكلمَة فِي بداية أَو نِهَايَة.
-
وبنيت الْمَقْصُود مِنْهُ على قَوَاعِد وأصول، ورتبته على أَبْوَاب الْفِقْه، وَقسمت الابواب إِلَى فُصُول، وأضفت إِلَى كل بَاب مِنْهَا مَا يتَعَلَّق بِهِ من المقتضيات الَّتِي هِيَ فِي حكمه، ليسهل تنَاولهَا، وضعا للشئ فِي مَحَله الَّذِي وضع برسمه.
-
وقدمت بَين يَدي ذَلِك كُله مُقَدّمَة كلهَا نتائج، وموضوع منطوقها يشْتَمل على ذكر مَا هُوَ شَرط فِي الشَّاهِد، وَمَا يَنْبَغِي أَن يَتَّصِف بِهِ من يُرِيد الدخوف فِي الْبَاب، فَلَا يكون عَنهُ خَارج، وَمَا أمكن أَن أسكت عَن ذكر الحلى الَّتِي ذكرهَا مُهِمّ، اعْتِمَادًا على وجودهَا
ج ١ ص ١١فِي كتب هَذَا الْفَنّ، وَإِمْكَان مراجعتها فِي الامر الملم، بل أختم الْكتاب بفصل يتَضَمَّن
-
ذكر الحلى والكنى والالقاب، إِذْ هم مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ أهل هَذِه الصِّنَاعَة وأذيله - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - بِذكر مَا اصْطلحَ عَلَيْهِ أهل هَذَا الْعَصْر، من ألقاب الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وَعُظَمَاء الْمُلُوك والسلاطين، وكفال الممالك الاسلامية، ونواب القلاع.
-
وَمن فِي معناهم من أَرْبَاب السيوف، وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْكَاتِب من معرفَة ألقاب أَرْبَاب الاقلام، وأركان الدولة الشَّرِيفَة على النظام، وَقَضَاء الْقُضَاة ومشايخ الاسلام.
-
وَمن فِي درجتهم من الْعلمَاء الاعلام.
-
وسميته: جَوَاهِر الْعُقُود، ومعين الْقَضَاء ز الموقعين وَالشُّهُود، وَمَا هُوَ إِلَّا عقد من الْجَوْهَر فِي تناسبه وانتظامه، لَا، بل كالجوهر الْفَرد فِي انتظامه، يشبه عدم انقسامه.
-
وَأَنا أعْتَذر إِلَى كل وَاقِف عَلَيْهِ، وناظر إِلَيْهِ، من اتقصير، سَائِلًا بسط الْعذر فميا طَغى بِهِ الْقَلَم وَجرى بِهِ اللِّسَان، الَّذِي هُوَ فِي هَذَا الاسلوب قصير.
-
وَمن الله أسأَل - وَهُوَ أجل مسؤول، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب فِيمَا آل من الامر وفميا يؤول - أَن يمدني بالمعونة على مَا قصدته، والتوفيق إِلَى سَبِيل الرشاد فِيمَا أردته، فَلَيْسَ الا عَلَيْهِ اعتمادي، وَإِلَيْهِ تفويضي واستنادي، وأسأله النَّفْع بِهِ لي ولسائر الْمُسلمين، أَقُول: شَرط الشَّاهِد، مُسلم مُكَلّف حر، عدل، ذُو مُرُوءَة غير مُتَّهم، وَشرط الْعَدَالَة، اجْتِنَاب الْكَبَائِر والاصرار على صَغِيرَة، وَيجب على الموثق أَن يَتَّقِي الله، وَيكْتب كَمَا علمه الله، وَينْصَح فِيهِ لمن اسْتَعْملهُ، مَعَ الِاحْتِرَاز من الالفاظ المحتملة والمبهمة.
-
وَيسْتَحب أَن يكون من أهل الْعلم وَالدّين، متحليا بحلية الامانة، عَالما بالامور الشَّرْعِيَّة، حاويا طرفا كَبِيرا من العربة، سالكا مَسْلَك الْفُضَلَاء، مَاشِيا على نهج الْعُقَلَاء، عَارِفًا بقسمة الْفَرَائِض، ومراتب الْحساب، متصرفا فِي بسط مجموعها وموضوعها، وتبيين أُصُولهَا وفروعها،
-
وَيَنْبَغِي للموثق: أَن لَا يعود لِسَانه بِالْكَذِبِ، فَإِن الْعَدَالَة ملكة فِي النَّفس تمنعها عَن اقتراب الْكَبَائِر والرذائل الْمُبَاحَة، وَأَن يجْتَنب معاشرة الاراذل والاسافل ومحادثتهم، إِلَّا
ج ١ ص ١٢لضَرُورَة، لابد لَهُ مِنْهَا، فَإِن صناعته شريفة، ورتبته منيفة، بهَا يطلع على غوامض الامور، وأسرار الْمُلُوك، وأحوال الْجُمْهُور، وَبهَا يحفظ دِمَاء النَّاس وَأَمْوَالهمْ، وتنبني عَلَيْهَا أَقْوَالهم وأفعالهم، وَيَنْبَغِي أَن لَا يتَكَلَّم مَعَ الاخصام من الشُّهُود، إِلَّا الْعَارِف بالقضايا، وَأَن يُمَيّز بَين الْخَصْمَيْنِ، وَيعرف المشعود عَلَيْهِ من الْمَشْهُود لَهُ، وَلَا يبطن قَضِيَّة مَعَ أحد الْخَصْمَيْنِ يكون للاخر فِيهَا حَقًا، فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى الاتهام فِي النَّصِيحَة.
-
وَرُبمَا أدَّت المباطنة مَعَ أحد الْخَصْمَيْنِ إِلَى زِيَادَة مخاصمة، وَرُبمَا عَاد ضَرَر ذَلِك على الشَّاهِد فِي الْحَال والمآل.
-
وَإِذا كَانَ أحد الشَّاهِدين مَعَ الْخَصْمَيْنِ، أَو مَعَ أَحدهمَا فِي مَسْأَلَة، فَلَا يتَكَلَّم فِيهَا الشَّاهِد الثَّانِي حَتَّى يَنْتَهِي كَلَام الاول.
-
فَإِن كَانَ صَوَابا وَإِلَّا رده عَلَيْهِ الثَّانِي، ونبهه على الصَّوَاب بِرِفْق، وَلَا يتنازعان فِي الْمجْلس بِحَضْرَة الاخصام، فَإِن ذَلِك يكسر الْحُرْمَة، ويهزيل الابهة ٠ وَيَنْبَغِي للشَّاهِد: أَن لَا يسْرع فِي الْكِتَابَة، حَتَّى يُوقع الشَّهَادَة بِمَا يَقع عَلَيْهِ الِاتِّفَاق، فَإِن ذَلِك يقطع التَّنَازُع بَين الْخَصْمَيْنِ، وَرُبمَا الْمَشْهُود عَلَيْهِ ضَعِيفا، فَإِذا اشْتغل الشَّاهِد فِي الْكتاب رُبمَا أُغمي عَلَيْهِ، وَاسْتمرّ مغمورا إِلَى أَن يَمُوت، فَيفوت الْمَقْصُود.
-
وَلَا يكْتب الشَّاهِد على ظهر مَكْتُوب قبل تَحْرِير مَا يَقع بِهِ الاشهاد، فَرُبمَا حصل خلف بَينهمَا، فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى فَسَاد الْمَكْتُوب على صَاحبه، وتتطرق الرِّيبَة إِلَيْهِ، بل يلخص الْمَشْهُود بِهِ فِي مسودة، ثمَّ يُوقع الاشهاد بِهِ، ثمَّ يكْتب على ظهر الْمَكْتُوب، بعد أَن يُوقف عَلَيْهِ رَفِيقه الَّذِي يشْهد مَعَه فِي الْقَضِيَّة، ثمَّ يَنْقُلهُ إِلَى الْكتاب الَّذِي يُرِيد أَن يَكْتُبهُ، فَإِنَّهُ إِذا لم يفعل ذَلِك، وَشرع فِي الْكِتَابَة، مُعْتَمدًا على جودة ذهنه، وبادي
-
بديهته، ووثوقه من نَفسه بِعَدَمِ الْخَطَأ فِي الْغَالِب.
-
فقد يذهل وَيجْرِي الْقَلَم - الَّذِي هُوَ لِسَان الْيَد، وبهجة الضَّمِير، وسفير الْعُقُول، ووحي الْفِكر، ورائد الامور - بِغَيْر مُرَاد الْكَاتِب، فَإِن كَانَ الْمَكْتُوب إنْشَاء فَيحْتَاج إِلَى كشط، أَو إِلْحَاق.
-
فَيكون ذَلِك عَيْبا فِي الْمَكْتُوب، لَا سِيمَا إِن ذهل عَن الِاعْتِذَار عَنهُ.
-
وَخرج الْمَكْتُوب من يَده، فَيصير فِيهِ رِيبَة إِن بعد الزَّمَان، وَمَات الشَّاهِد أَو غَابَ، وَإِن غير امكتوب، فقد كلف نَفسه غرم ذَلِك، وَإِن كَانَت الْكِتَابَة على ظهر مَكْتُوب قديم قد توالت عَلَيْهِ خوطوط بالاحكام وَالثنَاء فِيهِ، فَيجْرِي الْقَلَم بِغَيْر الْمَقْصُود.
-
فَيحْتَاج إِلَى تَغْيِير ذَلِك الْفَصْل فِي فصل آخر.
-
فقد تتعذر الْكِتَابَة على الْمَكْتُوب، لضيقه أَو لضيق الزَّمَان.
-
فَإِن أبقاه على الْخَطَأ، أَو إصلحه بِالْمَقْصُودِ على عسر فِي الْكِتَابَة، وضيق فِي الْمَكْتُوب، أُدي ذَلِك إل يالكلام فِي الْمَكْتُوب وَالْكَاتِب.
-
وَهَذَا فِي حق موقعي الحكم العزير آكِد، من كَون أَن غَالب القضايا الْحكمِيَّة،
ج ١ ص ١٣والوقائع الَّتِي تقع بَين النَّاس ترد عَلَيْهِم بِقصد إِثْبَاتهَا وَالْحكم بهَا عِنْد حكام الشَّرِيعَة المطهرة.
-
فَالَّذِي يَنْبَغِي للموقع: إِنَّه إِذا استأدي مَكْتُوبًا ليثبته عِنْد الْحَاكِم: أَن لَا يدْخل بِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَسْتَوْفِيه بِالْقِرَاءَةِ، ويتأمله، وَيسْأل عَن شُهُوده، وَعَن المُرَاد بإثباته، ليَكُون على بَصِيرَة من أمره، فَإِذا فعل ذَلِك كَانَ مستعدا للجواب.
-
وَيَنْبَغِي لَهُ: أَنه إِذا استقضى مَكْتُوبًا بِظَاهِرِهِ فصل، يُرِيد مَالِكه ثُبُوته، وَالْحكم بِمُوجبِه عِنْد الْحَاكِم فِي الْفَصْل المكتتب على ظَاهر الْمَكْتُوب - قبل الْوُقُوف على مَا فِي بَاطِنه وتأمله - فِيهِ تهاون، لِأَنَّهُ قد يكون الْحَاكِم الَّذِي ثَبت الْفَصْل المسطر على ظَاهر الْمَكْتُوب لَا يرى صِحَة الَّذِي فِي الْبَاطِن، والفصل الَّذِي بِظَاهِرِهِ مُتَعَلق بباطنه، فَإِذا ثَبت هَذَا الْفَصْل، ثمَّ تبين فَسَاد الْبَاطِن، الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ الْفَصْل الْمَذْكُور - فيتطرق من ذَلِك الْخلَل فِي الحكم، وَالْكَلَام فِي الْمَكْتُوب وَالْكَاتِب وَالْحَاكِم وَلذَلِك صور.
-
مِنْهَا: إِذا تزوج رجل امْرَأَة، وَطَلقهَا ثَلَاثًا، ثمَّ إِن رجلا حللها لَهُ، ثمَّ عَادَتْ إِلَى الاولى بعد الْمُحَلّل فِي فصل بِظَاهِر الْكتاب الاول، وَآل الْأَمر إِلَى ثُبُوت عقد هَذَا النِّكَاح.
-
وَالْحكم بِمُوجبِه عِنْد من لَا يرى صِحَة الاستحلال، وَلَا صُحْبَة الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ.
-
وَمِنْهَا: إِذا صالحت الْمَرْأَة الْوَرَثَة على صَدَاقهَا وعَلى مِيرَاثهَا من زَوجهَا صَفْقَة وَاحِدَة، بِفِضَّة عَن فضَّة وَذهب ومصاغ وقماش وحيوان وَغير ذَلِك، وَلم تقبضه.
-
وَكتب الاشهاد الاول، وَكتب بعده إِبْرَاء.
-
وَقصد الْوَرَثَة ثُبُوت الْقَبْض وَالْإِبْرَاء.
-
وَمِنْهَا: إِذا طلق الرجل امْرَأَته طَلْقَتَيْنِ، وعادت إِلَيْهِ، وَبقيت مَعَه بِطَلْقَة وَاحِدَة، ثمَّ خلعها خلعا عَارِيا عَن لفظ الطَّلَاق وَنِيَّته، وَلم يثبت ذَلِك عِنْد من يرى صِحَّته، ثمَّ أعادتها من ذَلِك الْخلْع بِظَاهِر كتابها، وَلم يحكم بِصِحَّتِهِ حَاكم، وَآل الْأَمر إِلَى ثُبُوته وَالْحكم بِمُوجبِه عِنْد من يرى أَن الْخلْع طَلَاق.
-
وَمِنْهَا: إِن الرجل إِذا صَالح صلحا على إِنْكَار بمبلغ على حكم الْحُلُول - وَلم يحكم بِصِحَّتِهِ حَاكم، ثمَّ قبض الْمبلغ وَكتب بِهِ فصل بِظَاهِر الْمَكْتُوب وَضَمنَهُ إبارء وَأَرَادَ إِثْبَات ذَلِك وَالْحكم بِمُوجبِه عِنْد من يرى بطلَان الصُّلْح على الْإِنْكَار.
-
وَمِنْهَا: إِن الرجل إِذا أسلم إِلَى رجل مائَة دِرْهَم فِي شئ من الطَّعَام الْمكيل أَو الْمَوْزُون.
-
فَحل الاجل وَقبض نصفه، ثمَّ تَقَايلا فِي النّصْف الثَّانِي، وَتَأَخر نصف رَأس
ج ١ ص ١٤المَال، وَكتب بذلك إِشْهَاد، ثمَّ اعْترف مُسْتَحقّ نصف رَأس المَال بِقَبض بِظَاهِر الْمَكْتُوب.
-
وَكتب بعد ذَلِك إِبْرَاء وَقصد الحكم بالابراء وَالْقَبْض.
-
وَمِنْهَا: إِذا صَالح إِنْسَان على حِصَّته من مِيرَاثه بمبلغ حَال قبل أَن يعلم مِقْدَار حِصَّته من التَّرِكَة، وَكتب بالمبلغ الْمصَالح بِهِ إِشْهَاد، ثمَّ بعد مُدَّة قبض الْمبلغ الْمصَالح بِهِ بِظَاهِر الاشهاد، وَأَرَادَ ثُبُوته وَالْحكم بِمُوجبِه على حَاكم يرى بطلَان هَذَا الصُّلْح.