مسألة - ٢ - [الأسباب الشرعية]

فقرة واحدة، ج ١ ص ٢٩٩

  1. ذهبت الحنفية إلى أن صور الأسباب الشرعية هي المرعية المعتبرة في الأحكام دون معانيها واحتجوا في ذلك بأن المعاني لو كانت مرعية في ربط الأحكام بها لبطلت فائدة نصب الأسباب إذ لا فائدة في نصب الأسباب سوى إدارة الحكم عليها دفعا للعسر والحرج عن الناس ونفيا للتخبط والالتباس فان المعاني مما يختلف كمية في الزيادة والنقصان وكيفية في الظهور والخفاء قالوا ولهذا تعلقت رخص السفر بصورة السفر دون مضمونه حتى إن الملك الذي يتهادى في مهوره ويسري في سراياه وجنوده ثبت له من الرخص ما ثبت للساعي على قدمه نظرا منا إلى صورة السفر دون مضمونه ومعناه وكذلك النوم لما كان سببا لانتفاض الوضوء اعتبرت صورته من غير نظر إلى نفس الحدث وذهب الشافعي رضي الله عنه إلى إن لا عبرة بصورة الأسباب الشرعية الخالية عن المعاني الشرعية التي تتضمنها

    ج ١ ص ٣٠٠واحتج في ذلك بأن صور الأسباب لا تناسب الأحكام وإنما المناسب ما تتضمنه صور الأسباب وحيث اعتبرنا صور الأسباب دون مضمونها فذلك لتعذر الوقوف والإطلاع على مضمونها وإلا فمتى أمكن الإطلاع على مضمون السبب فهو المعتبر لا صورة السبب وعليه يجري ما استشهدوا به من السفر فإنا إنما أحلنا على صورة السفر لأن مقدار المشقة لا إطلاع لنا عليه وكذلك في فعل النوم لما تعذر الوقوف على مضمونه من حيث إن الخارج لطيف يمكن خروجه من غير أن يعلم أدرنا الحكم على صورة السبب دون مضمونه ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن المشرقي إذا تزوج بمغربية ثم أتت بولد لستة أشهر فصاعدا قال الشافعي رضي الله عنه لا أحكم بأنه لحق به لأن مضمون السبب أمكن الإطلاع عليه إذ قد علمنا قطعا أن من هو بالمشرق لا يحبل من هي بالمغرب فألغينا صورة السبب وعلقنا الحكم على

    ج ١ ص ٣٠١مضمونة وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يلحق به لوجود صورة السبب وهو الفراش ونحن نقول صورة الفراش إنما كان سببا في غير هذه الحالة لأنه تعذر علينا الوقوف على مضمونه فانا إذا رأينا انسانا يدخل على زوجته ويروح ويغدو إليها تعذر علينا العلم هل وطئها أو لا فإذا أتت بولد أدخلنا الحكم على صورة الفراش لتعذر الإطلاع على المضمون أما المشرقي مع المغربية فقد أمكننا الوقوف على مضمون السبب وقد علمنا قطعا إن الولد ليس منه فلم نعتبر صورة السبب ومنها انه إذا تزوج امرأة حاضرة وطلقها من ساعته في مجلس العقد من غير دخول ثم جاءت بولد لا يثبت نسبه منه عندنا وعندهم يثبت إذا جاءت به لسنة فصاعدا

    ج ١ ص ٣٠٢ومنها إذا نكح أمه أو أخته أو محرما من محارمه أو المطلقة ثلاثا أو المجوسية ثم وطئها في هذا العقد فإنه يحد عندنا ولا تصير صورة العقد الخالي عن مضمونه شبهة في درء الحد وعندهم لا يحد بناء على أن صورة العقد هي السبب المبيح في موضع الوفاق فيصير شبهة ههنا وإن لم يبح ومنها إذا أستأجر امرأة ليزني بها فزنى فإنه يحد عندنا وعندهم لا يحد لوجود صورة السبب والله أعلم

    ج ١ ص ٢٩٩