مسألة - ١ - [في اقتضاء الأمر المطلق المجرد عن القرائن، الفور]

فقرة واحدة، ج ١ ص ١٠٨

  1. مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الأمر المطلق المجرد عن القرائن يقتضي الفور وأحتج في ذلك بأنه لو جاز التأخير لجاز إما إلى غاية معينة أو لا إلى غاية معينة والأول باطل لأنه خرق الإجماع والثاني أيضا باطل لأن التأخير لا إلى غاية معينة يتضمن جواز الترك لا إلى غاية وذلك ينافي القول بوجوبه وذهب كثير من أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه وطائفة من علماء الأصول إلى أنه على التراخي واحتجوا في ذلك بأن الأمر له دلالة على استدعاء الفعل ولا دلالة له على الزمان بل الأزمنة كلها بالإضافة

    ج ١ ص ١٠٩إليه سواء فتعين الزمان بعد ذلك اعتبارا ولا دلالة عليه بل حظ الفعل من الوقت الثاني كحظه من الوقت الأول فكما جاز في الأول جاز في الثاني ويتفرع عن هذا الأصل مسائل

    ج ١ ص ١١٠منها أن الزكاة تجب على الفور عند الشافعي رضي الله عنه وعندهم على التراخي ومنها أن المال إذا حال عليه الحول ووجبت الزكاة وتمكن من أدائها ثم تلف لم تسقط الزكاة عندنا لأنه عصى بالمنع فتنزل منزلة ما لو تلف أو المودع إذا أمتنع من ردها ثم تلف وعندهم تسقط إذ لا عصيان مع جواز التأخير مسألة ٢ معتقد الشافعي رضي الله عنه أن الزكاة مؤونة مالية وجبت للفقراء على الأغنياء بقرابة الإسلام على سبيل المواساة

    ج ١ ص ١١١ومعنى العبادة تبع فيها وإنما أثبته الشرع ترغيبا في أدائها حيث كانت النفوس مجبولة على الضنة والبخل فأمر بالتقرب إلى الله تعالى بها ليطمع في الثواب ويبادر إلى تحقيق المقصود وأحتج في ذلك بحصول مقصودها مع الإمتناع قهرا وجواز التوكيل في أدائها وتحمل الزوج عن زوجته والسيد عن عبده وقال أبو حنيفة رضي الله عنه الزكاة وجبت عبادة لله تعالى ابتداء وشرعت ارتياضا للنفس بتنقيص المال من حيث إن الاستغناء بالمال سبب للطغيان ووقوعه في الفساد قال الله تعالى ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ والطغيان أثر في استحقاق العقاب في الآخرة وبالزكاة يحصل الإرتياض والامتناع من الطغيان قال ولا يلزم وجوبها على الأنبياء مع إنتفاء استحقاق العقاب في حقهم لكونهم معصومين فإنا لا نعتبر العقاب باعتبار

    ج ١ ص ١١٢ذاته بل باعتبار سببه وسبب العقاب يصح منهم ولكن لا يوجد منهم باعتبار العصمة ولهذا صح نهيهم عن استحقاق العقوبات والنهي إنما يصح تعلقه بالممكن دون الممتنع وأحتج في ذلك بقوله ﷺ بني الإسلام على خمس وزعم إن الإسلام عبادة محضة وكذا سائر أركانه والزكاة من جملتها فيجب إن تكون كذلك ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن الزكاة تجب على الصبي والمجنون عندنا كما تجب عليهما سائر المؤن المالية وعندهم لا تجب إذ لا عقاب ولا طغيان في حقهما فتتمحض الزكاة إضرارا ومنها أن الزكاة لا تسقط بموت من هي عليه عندنا بل تخرج

    ج ١ ص ١١٣من رأس المال وعندهم لا تؤخذ من تركته لإمتناع حصول الابتلاء في حقه ووقوع العقاب ومنها إن الزكاة تجب على المديون عندنا لاستغنائه بما في يده وتعلق الدين بذمته وعندهم لا تجب لامتناع الارتياض في حقه لكونه مقهورا بالدين ممتنعا عن الطغيان ومنها إن الزكاة تجب في مال الضمان والإخراج بعد عود المال وعندهم لا تجب لأن هذا المال ليس سببا لوقوعه في الطغيان ومنها إن الزكاة لا تجب في الحلي المباح عندنا لأنه متعلق

    ج ١ ص ١١٤حاجة المالك وفي ايجابها إبطال لمعنى المواساة وعندهم تجب لأن حاجة التحلي لا تمنع من الوقوع في الطغيان فتجب الزكاة ليحصل الارتياض ومنها أن المستفاد في أثناء الحول لا يضم ما عنده بل يستأنف له حول عندنا وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يضم إلى ما عنده وصورة المسألة ما إذا ملك نصابا وفي ملكه نصاب قد مضت عليه ستة أشهر مثلا فعندنا يفرد ما يملكه ثانيا بحول مستأنف تحقيقا لمعنى الرفق بالمالك في المؤن المالية إذ الوجوب في باب المؤن والنفقات إنما يتعلق بالفاضل من أصناف الحاجات وأنواع المهمات على سبيل اليسر والسهولة مقدرا بقدر الضرورة وفي تكليف الأداء قبل مظنة الإستنماء عسر وحرج

    ج ١ ص ١١٥وعندهم إذا تم حول الأصل زكى الجميع تحقيقا لمعنى العبادة بالابتلاء والامتحان ومنها أن أحد النقدين لا يضم إلى الآخر في كمال النصاب عندنا إتباعا لقاعدة اليسر لأن الضم بالقيمة يتضمن عسرا وحرجا وعندهم يضم أحدهما للآخر لاشتراكهما في المعنى المطلوب منهما وهو الإعداد للنماء ومنها أن الخلطة مؤثرة في الزكاة فتجعل المالين كمال واحد والمالكين كمالك واحد حتى لو كان لأحدهما عشرون من الغنم وللآخر عشرون وخلطاهما واجتمعت شرائطهما وجبت عليهما الزكاة بعد الحول فيخرجان شاة من الأربعين بناء على ما ذكرنا من كونها مؤونة مالية والركن فيها المال ولا نظر إلى المالك بل إلى المال

    ج ١ ص ١١٦وعندهم لا تجب لأنها عبادة والركن فيها الشخص المتعبد فإذا لم يكن غنيا يملك النصاب لم يكن من أهل هذه العبادة ومنها أن العشر لا يجب فيما عدا الأقوات عندنا لأن شرع الزكاة لدفع الضرورات وسد الجوعات والضرورات تتعلق بالأقوات دون البقول والخضروات وعندهم يجب في كل ما ينبته الآدميون وكل ما يؤكل قوتا وتحليا وتفكها سوى الحشيش والقصب الفارسي مراعاة لمعنى الابتلاء والامتحان والله تعالى أعلم

    ج ١ ص ١٠٨