مخالفة النصارى لجميع الأنبياء وللعقل الصريح

٤ فقرات، ج ٢٠ ص ١٨٩

  1. وَأُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ لَمَّا أَصَّلُوا لَهُمْ دِينًا بِمَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْكَلَامِ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَعْرَاضِ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا هُوَ أُصُولُ الدِّينِ وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ حَقًّا لَكَانَ ذَلِكَ جُزْءًا مِنْ الدِّينِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ بَاطِلًا؟ وَقَدْ ذَكَرْت فِي الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ لِلْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ مَا يَظْهَرُ بِهِ مِنْ كُفْرِهِمْ مَا يَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قِيلَ فِيهِ " الْجَوَابُ الصَّحِيحُ لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ " وَخِطَابُهُمْ فِي مَقَامَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَبْدِيلُهُمْ لِدِينِ الْمَسِيحِ. وَالثَّانِي: تَكْذِيبُهُمْ لِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْيَهُودُ خِطَابُهُمْ فِي تَكْذِيبِ مَنْ بَعْدَ مُوسَى إلَى الْمَسِيحِ ثُمَّ فِي تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} ثُمَّ قَالَ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} إلَى أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ أَعْرَضُوا

    ج ٢٠ ص ١٩٠عَنْ كِتَابِ اللَّهِ مُطْلَقًا وَاتَّبَعُوا السِّحْرَ. فَقَالَ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} إلَى قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} . وَالنَّصَارَى نَذُمُّهُمْ عَلَى الْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ وَعَلَى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ والرهبانية الَّتِي ابْتَدَعُوهَا وَلَا نَحْمَدُهُمْ عَلَيْهَا إذْ كَانُوا قَدْ ابْتَدَعُوهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ لَكِنْ إذَا كَانَ صَاحِبُهَا قَاصِدًا لِلْحَقِّ فَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ فَيَبْقَى عَمَلُهُ ضَائِعًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الضَّلَالُ الَّذِي يُعْذَرُ صَاحِبُهُ فَلَا يُعَاقَبُ وَلَا يُثَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فَإِنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِ يُعَاقَبُ بِنَفْسِ الْغَضَبِ وَالضَّالَّ فَاتَهُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الرَّحْمَةُ وَالثَّوَابُ وَلَكِنْ قَدْ لَا يُعَاقَبُ كَمَا عُوقِبَ ذَلِكَ بَلْ يَكُونُ مَلْعُونًا مَطْرُودًا وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نفيل: أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لَهُ: لَنْ تَدْخُلَ فِي دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ نَصِيبَك مِنْ غَضَبِ اللَّهِ. وَقَالَ لَهُ النَّصَارَى: حَتَّى تَأْخُذَ نَصِيبَك مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَطَائِفَةٌ: إنَّ جَهَنَّمَ طَبَقَاتٌ فَالْعُلْيَا لِعُصَاةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا لِلنَّصَارَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا لِلْيَهُودِ. فَجَعَلُوا الْيَهُودَ تَحْتَ النَّصَارَى

    ج ٢٠ ص ١٩١وَالْقُرْآنُ قَدْ شَهِدَ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودَ يُوجِدُونَ أَشَدَّ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّا نَصَارَى وَشِدَّةُ الْعَدَاوَةِ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ فَالْيَهُودُ أَقْوَى كُفْرًا مِنْ النَّصَارَى وَإِنْ كَانَ النَّصَارَى أَجْهَلَ وَأَضَلَّ لَكِنَّ أُولَئِكَ يُعَاقَبُونَ عَلَى عَمَلِهِمْ إذْ كَانُوا عَرَفُوا الْحَقَّ وَتَرَكُوهُ عِنَادًا فَكَانُوا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ وَهَؤُلَاءِ بِالضَّلَالِ حُرِمُوا أَجْرَ الْمُهْتَدِينَ وَلُعِنُوا وَطُرِدُوا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْمُهْتَدُونَ ثُمَّ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ إذْ كَانَ اسْمُ الضَّلَالِ عَامًّا. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ {فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ} وَلَمْ يَقُلْ: وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ بَلْ يَضِلُّ عَنْ الْحَقِّ مَنْ قَصَدَ الْحَقَّ وَقَدْ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ فَعَجَزَ عَنْهُ فَلَا يُعَاقَبُ وَقَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ مَا أُمِرَ بِهِ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَخَطَؤُهُ الَّذِي ضَلَّ فِيهِ عَنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ مَغْفُورٌ لَهُ. وَكَثِيرٌ مِنْ مُجْتَهِدِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَدْ قَالُوا وَفَعَلُوا مَا هُوَ بِدْعَةٌ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بِدْعَةٌ إمَّا لِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ظَنُّوهَا صَحِيحَةً وَإِمَّا لِآيَاتِ فَهِمُوا مِنْهَا مَا لَمْ يُرَدْ مِنْهَا وَإِمَّا لِرَأْيٍ رَأَوْهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ.

    ج ٢٠ ص ١٨٩
  2. وَإِذَا اتَّقَى الرَّجُلُ رَبَّهُ مَا اسْتَطَاعَ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: " قَدْ فَعَلْت " وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.

    ج ٢٠ ص ١٩٢
  3. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الرَّسُولَ بَيَّنَ جَمِيعَ الدِّينِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ - إجْمَاعُ الْأُمَّةِ - حَقٌّ؛ فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ حَقٌّ يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. وَالْآيَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى الْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى مَوْرِدِ النِّزَاعِ؛ فَإِنَّ الذَّمَّ فِيهَا لِمَنْ جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ أَوْ لِمَنْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي بِهَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَهِيَ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ أَوْ أَنَّ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ فَهَذَا وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَا تَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: بَلْ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا وَتَكَلَّفُوا لِذَلِكَ مَا تَكَلَّفُوهُ كَمَا قَدْ عُرِفَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَمْ يُجِيبُوا عَنْ أَسْئِلَةِ أُولَئِكَ بِأَجْوِبَةٍ شَافِيَةٍ.

  4. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ الْوَسَطُ: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَحْرِيمِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ وَلَكِنْ مَعَ تَحْرِيمِ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ كُلٍّ مِنْ هَذَا وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ لَا يَنْفِي تَلَازُمَهُمَا كَمَا ذُكِرَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الذَّمُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا لِمُشَاقَّةِ الرَّسُولِ فَقَطْ؛ أَوْ بِاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ فَقَطْ؛ أَوْ أَنْ يَكُونَ الذَّمُّ لَا يَلْحَقُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَلْ بِهِمَا إذَا اجْتَمَعَا؛ أَوْ يَلْحَقُ الذَّمُّ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ انْفَرَدَ عَنْ الْآخَرِ؛ أَوْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلْآخَرِ. وَالْأَوَّلَانِ بَاطِلَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُؤَثِّرُ أَحَدَهُمَا فَقَطْ كَانَ ذِكْرُ الْآخَرِ ضَائِعًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَكَوْنُ الذَّمِّ لَا يَلْحَقُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاطِلٌ قَطْعًا؛ فَإِنَّ مُشَاقَّةَ الرَّسُولِ مُوجِبَةٌ لِلْوَعِيدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّنْ اتَّبَعَهُ؛ وَلُحُوقُ الذَّمِّ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ انْفَرَدَ عَنْ الْآخَرِ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ؛ فَإِنَّ الْوَعِيدَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَجْمُوعِ. بَقِيَ الْقِسْمُ الْآخَرُ وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَصْفَيْنِ يَقْتَضِي الْوَعِيدَ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ كَمَا يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَمُخَالَفَةِ الْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ فَيُقَالُ: مَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ أَوْ مَنْ خَرَجَ عَنْ الْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} فَإِنَّ الْكُفْرَ بِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ بِغَيْرِهِ فَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ كَفَرَ

    ج ٢٠ ص ١٩٤بِالْجَمِيعِ وَمَنْ كَفَرَ بِالْمَلَائِكَةِ كَفَرَ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ فَكَانَ كَافِرًا بِاَللَّهِ إذْ كَذَّبَ رُسُلَهُ وَكُتُبَهُ وَكَذَلِكَ إذَا كَفَرَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ كَذَّبَ الْكُتُبَ وَالرُّسُلَ فَكَانَ كَافِرًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ذَمَّهُمْ عَلَى الْوَصْفَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُقْتَضٍ لِلذَّمِّ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ وَلِهَذَا نَهَى عَنْهُمَا جَمِيعًا فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} فَإِنَّهُ مَنْ لَبَّسَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ فَغَطَّاهُ بِهِ فَغَلِطَ بِهِ لَزِمَ أَنْ يَكْتُمَ الْحَقَّ الَّذِي تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ إذْ لَوْ بَيَّنَهُ زَالَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَبِسَ بِهِ الْحَقُّ. فَهَكَذَا مُشَاقَّةُ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ شَاقَّهُ فَقَدْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَمَنْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ فَقَدْ شَاقَّهُ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهُ مُدْخَلًا فِي الْوَعِيدِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَصْفٌ مُؤَثِّرٌ فِي الذَّمِّ فَمَنْ خَرَجَ عَنْ إجْمَاعِهِمْ فَقَدْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ قَطْعًا وَالْآيَةُ تُوجِبُ ذَمَّ ذَلِكَ. وَإِذَا قِيلَ: هِيَ إنَّمَا ذِمَّتُهُ مَعَ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ. قُلْنَا: لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَنْصُوصًا عَنْ الرَّسُولِ فَالْمُخَالِفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ لِلرَّسُولِ كَمَا أَنَّ الْمُخَالِفَ لِلرَّسُولِ مُخَالِفٌ لِلَّهِ وَلَكِنْ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ قَدْ بَيَّنَهُ الرَّسُولُ؛ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.

    ج ٢٠ ص ١٩٣