لا يوجد مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول

فقرتان، ج ٢٠ ص ١٩٥

  1. فَلَا يُوجَدُ قَطُّ مَسْأَلَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا إلَّا وَفِيهَا بَيَانٌ مِنْ الرَّسُولِ وَلَكِنْ قَدْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ وَيَعْلَمُ الْإِجْمَاعَ. فَيَسْتَدِلُّ بِهِ كَمَا أَنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِالنَّصِّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ دَلَالَةَ النَّصِّ وَهُوَ دَلِيلٌ ثَانٍ مَعَ النَّصِّ كَالْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ فِي الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ دَلِيلٌ آخَرُ كَمَا يُقَالُ: قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ مَعَ تَلَازُمِهَا؛ فَإِنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَعَنْ الرَّسُولِ أُخِذَ فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كِلَاهُمَا مَأْخُوذٌ عَنْهُ وَلَا يُوجَدُ مَسْأَلَةٌ يَتَّفِقُ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا إلَّا وَفِيهَا نَصٌّ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ النَّاسُ يَذْكُرُ مَسَائِلَ فِيهَا إجْمَاعٌ بِلَا نَصٍّ كَالْمُضَارَبَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُضَارَبَةُ كَانَتْ مَشْهُورَةً بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا سِيَّمَا قُرَيْشٌ؛ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ كَانَ عَلَيْهِمْ التِّجَارَةُ وَكَانَ أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ يَدْفَعُونَهَا إلَى الْعُمَّالِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَافَرَ بِمَالِ غَيْرِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَمَا سَافَرَ بِمَالِ خَدِيجَةَ وَالْعِيرُ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَبُو سُفْيَانَ كَانَ أَكْثَرُهَا مُضَارَبَةً مَعَ أَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُسَافِرُونَ بِمَالِ غَيْرِهِمْ مُضَارَبَةً وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ وَالسُّنَّةُ: قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ وَإِقْرَارُهُ. فَلَمَّا أَقَرَّهَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِالسُّنَّةِ.

    ج ٢٠ ص ١٩٥
  2. وَالْأَثَرُ الْمَشْهُورُ فِيهَا عَنْ عُمَرَ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ لَمَّا أَرْسَلَ أَبُو مُوسَى بِمَالٍ أَقْرَضَهُ لِابْنَيْهِ وَاتَّجَرَا فِيهِ وَرَبِحَا وَطَلَبَ عُمَرُ أَنْ يَأْخُذَ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ لِكَوْنِهِ خَصَّهُمَا بِذَلِكَ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: لَوْ خَسِرَ الْمَالَ كَانَ عَلَيْنَا فَكَيْفَ يَكُونُ لَك الرِّبْحُ وَعَلَيْنَا الضَّمَانُ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: اجْعَلْهُ مُضَارِبًا فَجَعَلَهُ مُضَارَبَةً وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ وَالْعَهْدَ بِالرَّسُولِ قَرِيبٌ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَهُ فَعَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ عَلَى عَهْدِ الرَّسُولِ كَمَا كَانَتْ الْفِلَاحَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الصِّنَاعَاتِ كَالْخِيَاطَةِ وَالْجِزَارَةِ. وَعَلَى هَذَا فَالْمَسَائِلُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا قَدْ تَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ لَمْ يَعْرِفُوا فِيهَا نَصًّا فَقَالُوا فِيهَا بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ الْمُوَافِقِ لِلنَّصِّ لَكِنْ كَانَ النَّصُّ عِنْدَ غَيْرِهِمْ. وَابْنُ جَرِيرٍ وَطَائِفَةٌ يَقُولُونَ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إلَّا عَنْ نَصٍّ نَقَلُوهُ عَنْ الرَّسُولِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ. وَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ عَلِمُوا النَّصَّ فَنَقَلُوهُ بِالْمَعْنَى كَمَا تُنْقَلُ الْأَخْبَارُ لَكِنْ اسْتَقْرَأْنَا مَوَارِدَ الْإِجْمَاعِ فَوَجَدْنَاهَا كُلَّهَا مَنْصُوصَةً وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَعْلَمْ النَّصَّ وَقَدْ وَافَقَ الْجَمَاعَةُ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَحْتَجُّ بِقِيَاسٍ وَفِيهَا إجْمَاعٌ لَمْ يَعْلَمْهُ فَيُوَافِقُ الْإِجْمَاعَ وَكَمَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ خَاصٌّ وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِيهَا بَعْضُهُمْ بِعُمُومِ كَاسْتِدْلَالِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:

    ج ٢٠ ص ١٩٧سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْد الطُّولَى أَيْ: بَعْدَ الْبَقَرَةِ؛ وَقَوْلُهُ: {أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} يَقْتَضِي انْحِصَارَ الْأَجَلِ فِي ذَلِكَ فَلَوْ أَوْجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعُدَّ بِأَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ لَمْ يَكُنْ أَجْلُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا أَدْخَلُوهَا فِي عُمُومِ الْآيَتَيْنِ وَجَاءَ النَّصُّ الْخَاصُّ فِي قِصَّةِ سبيعة الأسلمية بِمَا يُوَافِقُ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَكَذَلِكَ لَمَّا تَنَازَعُوا فِي الْمُفَوَّضَةِ إذَا مَاتَ زَوْجُهَا: هَلْ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ؟ أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ فِيهَا بِرَأْيِهِ أَنَّ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ ثُمَّ رَوَوْا حَدِيثَ بروع بِنْتِ وَاشِقٍ بِمَا يُوَافِقُ ذَلِكَ وَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَغَيْرُهُمَا فَقَالُوا: لَا مَهْرَ لَهَا. فَثَبَتَ أَنَّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ قَدْ يُفْتِي بِعُمُومٍ أَوْ قِيَاسٍ وَيَكُونُ فِي الْحَادِثَةِ نَصٌّ خَاصٌّ لَمْ يَعْلَمْهُ فَيُوَافِقُهُ وَلَا يَعْلَمُ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً اتَّفَقُوا عَلَى إنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا؛ بَلْ عَامَّةُ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ كَانَ بَعْضُهُمْ يَحْتَجُّ فِيهِ بِالنُّصُوصِ أُولَئِكَ احْتَجُّوا بِنَصٍّ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلُ وَهَؤُلَاءِ احْتَجُّوا بِشُمُولِ الْآيَتَيْنِ لَهَا وَالْآخَرِينَ قَالُوا: إنَّمَا يَدْخُلُ فِي آيَةِ الْحَمْلِ فَقَطْ وَأَنَّ آيَةَ الشُّهُورِ فِي غَيْرِ الْحَامِلِ كَمَا أَنَّ آيَةَ الْقُرُوءِ فِي غَيْرِ الْحَامِلِ. وَكَذَلِكَ لَمَّا تَنَازَعُوا فِي الْحَرَامِ احْتَجَّ مَنْ جَعَلَهُ يَمِينًا بِقَوْلِهِ: {لِمَ تُحَرِّمُ

    ج ٢٠ ص ١٩٦