بيان قوله تعالى: " إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم " الآية
٣ فقرات، ج ٢١ ص ٤٢٥
- ج ٢١ ص ٤٢٥
وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي أَنْكَرَهَا اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِتَسْمِيَتِهِمْ أَوْثَانَهُمْ بِهَا مِنْ هَذَا الْبَابِ حَيْثُ قَالَ: {إنْ هِيَ إلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} فَإِنَّهُمْ سَمَّوْهَا آلِهَةً فَأَثْبَتُوا لَهَا صِفَةَ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُوجِبُ اسْتِحْقَاقَهَا أَنْ تُعْبَدَ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِسُلْطَانِ - وَهُوَ الْحُجَّةُ - وَكَوْنُ الشَّيْءِ مَعْبُودًا تَارَةً يُرَادُ بِهِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِعِبَادَتِهِ فَهَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِكِتَابٍ مُنَزَّلٍ وَتَارَةً يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْخَلْقِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِحْقَاقِ الْعُبُودِيَّةِ؛ فَهَذَا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ ثُبُوتُهُ وَانْتِفَاؤُهُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وَقَالَ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إلَّا غُرُورًا} فَطَالَبَهُمْ بِحُجَّةِ عَقْلِيَّةٍ عيانية وَبِحُجَّةِ سَمْعِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ فَقَالَ: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} ثُمَّ قَالَ: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ} كَمَا قَالَ هُنَاكَ: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} ثُمَّ قَالَ: {ائْتُونِي بِكِتَابٍ
ج ٢١ ص ٤٢٦مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ.} فَالْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ؛ وَالْأَثَارَةُ مَا يُؤْثَرُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ بِالرِّوَايَةِ وَالْإِسْنَادِ. وَقَدْ يُقَيَّدُ فِي الْكُتُبِ؛ فَلِهَذَا فُسِّرَ بِالرِّوَايَةِ وَفُسِّرَ بِالْخَطِّ. وَهَذَا مُطَالَبَةٌ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ فَيُجْعَلَ شَفِيعًا أَوْ يُتَقَرَّبَ بِعِبَادَتِهِ إلَى اللَّهِ وَبَيَانُ أَنَّهُ لَا عِبَادَةَ أَصْلًا إلَّا بِأَمْرِ مِنْ اللَّهِ؛ فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} {مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} . وَالسُّلْطَانُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ: الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ كَمَا قَالَ: {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ} {فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وَقَالَ: {إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} .
- ج ٢١ ص ٤٢٧
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَلْفَاظِ مَا يَكُونُ مَعْنَاهُ وَاحِدًا كَالْجُلُوسِ وَالْقُعُودِ - وَهِيَ الْمُتَرَادِفَةُ - وَمِنْهَا مَا تَتَبَايَنُ مَعَانِيهَا كَلَفْظِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمِنْهَا مَا يَتَّفِقُ مِنْ وَجْهٍ وَيَخْتَلِفُ مِنْ وَجْهٍ كَلَفْظِ الصَّارِمِ وَالْمُهَنَّدِ وَهَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى هَذَا مُبَايِنًا لِمَعْنَى ذَاكَ كَمُبَايَنَةِ السَّمَاءِ لِلْأَرْضِ وَلَا هُوَ مُمَاثِلًا لَهَا كَمُمَاثَلَةِ لَفْظِ الْجُلُوسِ لِلْقُعُودِ: فَكَذَلِكَ الْأَسْمَاءُ الْمُتَّفِقَةُ اللَّفْظُ قَدْ يَكُونُ مَعْنَاهَا مُتَّفِقًا وَهِيَ الْمُتَوَاطِئَةُ وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهَا مُتَبَايِنًا وَهِيَ الْمُشْتَرِكَةُ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا كَلَفْظِ سُهَيْلٍ الْمَقُولِ عَلَى الْكَوْكَبِ وَعَلَى الرَّجُلِ وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهَا مُتَّفِقًا مِنْ وَجْهٍ مُخْتَلِفًا مَنْ وَجْهٍ فَهَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ لَيْسَ هُوَ كَالْمُشْتَرَكِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا وَلَا هُوَ كَالْمُتَّفِقَةِ الْمُتَوَاطِئَةِ فَيَكُونُ بَيْنَهَا اتِّفَاقٌ هُوَ اشْتِرَاكٌ مَعْنَوِيٌّ مِنْ وَجْهٍ وَافْتِرَاقٌ هُوَ اخْتِلَافٌ مَعْنَوِيٌّ مِنْ وَجْهٍ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا إذَا خُصَّ كُلُّ لَفْظٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمُخْتَصِّ. وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كَثِيرَةٌ فِي الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ؛ أَوْ هِيَ أَكْثَرُ الْأَلْفَاظِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ كُلُّ مُتَكَلِّمٍ؛ فَإِنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي يُقَالُ: إنَّهَا مُتَوَاطِئَةٌ كَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ؛ مِثْلَ لَفْظِ الرَّسُولِ وَالْوَالِي وَالْقَاضِي؛ وَالرَّجُلِ؛ وَالْمَرْأَةِ وَالْإِمَامِ وَالْبَيْتِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ: قَدْ يُرَادُ بِهَا الْمَعْنَى الْعَامُّ وَقَدْ يُرَادُ بِهَا مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ مِمَّا يَقْتَرِنُ بِهَا تَعْرِيفُ الْإِضَافَةِ أَوْ اللَّامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {إنَّا أَرْسَلْنَا إلَيْكُمْ رَسُولًا
ج ٢١ ص ٤٢٨شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} فَلَفْظُ الرَّسُولِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَفْظٌ وَاحِدٌ مَقْرُونٌ بِاللَّامِ لَكِنْ يَنْصَرِفُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَمَّا قَالَ هُنَا: {كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} كَانَ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ رَسُولِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَلَمَّا قَالَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} كَانَ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الرَّسُولِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِالْقُرْآنِ الْمَأْمُورِينَ بِأَمْرِهِ الْمُنْتَهِينَ بِنَهْيِهِ وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَجَازٌ فِي أَحَدِهِمَا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُشْتَرَكٌ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا مَحْضًا كَلَفْظِ الْمُشْتَرِي لِلْمُبْتَاعِ وَالْكَوْكَبِ وَسُهَيْلٍ لِلْكَوْكَبِ وَالرَّجُلِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُتَوَاطِئٌ دَلَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فَقَطْ؛ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ مُحَمَّدٌ وَفِي الْآخَرِ مُوسَى مَعَ أَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ وَاحِدٌ. وَلَكِنَّ هَذَا اللَّفْظَ تَكَلَّمَ بِهِ فِي سِيَاقِ كَلَامٍ مِنْ مَدْلُولِ لَامِ التَّعْرِيفِ وَهَكَذَا جَمِيعُ أَسْمَاءِ الْمَعَارِفِ؛ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ نَوْعَانِ: مَعْرِفَةٌ؛ وَنَكِرَةٌ.
- ج ٢١ ص ٤٢٩
وَالْمَعَارِفُ مِثْلُ: الْمُضْمَرَاتِ؛ وَأَسْمَاءُ الْإِشَارَةِ مِثْلُ: أَنَا وَأَنْتَ؛ وَهُوَ وَمِثْلُ: هَذَا؛ وَذَاكَ. وَالْأَسْمَاءُ الْمَوْصُولَةُ مِثْلُ: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} . وَأَسْمَاءُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّامِ كَالرَّسُولِ. وَالْأَسْمَاءُ الْأَعْلَامُ مِثْلُ: إبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ: وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ؛ وَيُوسُفُ وَمِثْلُ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَالْمُضَافُ إلَى الْمَعْرِفَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} وَقَوْلِهِ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ} وَمِثْلُ: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} وَمِثْلُ قَوْلِهِ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} . وَمِثْلُ الْمُنَادَى الْمُعَيَّنِ مِثْلَ قَوْلِ يُوسُفَ: {يَا أَبَتِ إنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} وَقَوْلُ ابْنَةِ صَاحِبِ مَدْيَنَ: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} فَإِنَّ لَفْظَ الْأَبِ هُنَاكَ أُرِيدَ بِهِ يَعْقُوبُ وَهُنَا أُرِيدَ بِهِ صَاحِبُ مَدْيَنَ الَّذِي تَزَوَّجَ مُوسَى ابْنَتَهُ وَلَيْسَ هُوَ شُعَيْبًا كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الغالطين بَلْ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ يَعْرِفُونَ أَنَّهُ لَيْسَ شُعَيْبًا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الْمَعَارِفَ - وَهِيَ أَصْنَافٌ - كُلُّ
ج ٢١ ص ٤٣٠نَوْعٍ مِنْهَا لَفْظُهُ وَاحِدٌ كَلَفْظِ أَنَا وَأَنْتَ؛ وَلَفْظِ هَذَا وَذَاكَ وَمَعَ هَذَا فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَدُلُّ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ الْمُعَيَّنِ وَالْمُخَاطَبِ وَالْغَائِبِ الْمُعَيَّنِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هِيَ مُشْتَرَكَةٌ كَلَفْظِ سُهَيْلٍ وَلَا مُتَوَاطِئَةٌ كَلَفْظِ الْإِنْسَانِ بَلْ بَيْنَهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ وَقَدْرٌ مُمَيَّزٌ فَبِاعْتِبَارِ الْمُشْتَرَكِ تُشْبِهُ الْمُتَوَاطِئَةَ وَبِاعْتِبَارِ الْمُمَيَّزِ تُشْبِهُ الْمُشْتَرَكَةَ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا وَهِيَ لَا تُسْتَعْمَلُ قَطُّ إلَّا مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِمَّا تُعَيِّنُ الْمُضْمَرَ وَالْمُشَارَ إلَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَصَارَتْ دَلَالَتُهَا مُؤَلَّفَةً مِنْ لَفْظِهَا وَمِنْ قَرِينَةٍ تَقْتَرِنُ بِهَا تُعَيِّنُ الْمَعْرُوفَ وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ لَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إنَّ هَذِهِ مَجَازٌ مَعَ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ قَطُّ إلَّا مَعَ قَرِينَةٍ تُبَيِّنُ تَعْيِينَ الْمَعْرُوفِ الْمُرَادِ. فَإِذَا قِيلَ: لَفْظُ أَنَا؛ قِيلَ: يَدُلُّ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ مُطْلَقًا وَلَكِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ أَحَدٌ قَطُّ مُطْلَقًا؛ إذْ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ مُتَكَلِّمٌ مُطْلَقٌ كُلِّيٌّ مُشْتَرَكٌ بَلْ كُلُّ مُتَكَلِّمٍ هُوَ مُعَيَّنٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ فَإِذَا طُلِبَ مَعْرِفَةُ مَدْلُولِهَا وَمَعْنَاهَا قِيلَ: مَنْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ وَمَنْ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِأَنْتَ وَإِيَّاكَ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا هُوَ اللَّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا} وَنَحْوِ ذَلِكَ: كَانَ هَذَا اللَّفْظُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ اسْمًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَلَا يُمْكِنُ مَخْلُوقٌ أَنْ يَقُولَ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}