فصل: في أن الأسماء مثل لفظ الظهر والمتن والساق والكبد ـ لا يجوز استعمالها إلا مقرونة بما يبين المضاف إليه
٨ فقرات، ج ٢١ ص ٤٣١
- ج ٢١ ص ٤٣١
وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ قَالَ: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} وَذَكَرَ عَنْ صَاحِبِ يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي} وَأَخْبَرَ عَنْ عِفْرِيتٍ مِنْ الْجِنِّ أَنَّهُ قَالَ: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} وَعَنْ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَّهُ قَالَ: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ} فَلَفْظُ أَنَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٌ لَيْسَ هُوَ مَدْلُولَهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ أَنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدًا. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ: إنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُشْتَرَكٌ وَلَا مَجَازٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ إلَّا بِقَرِينَةٍ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ.
- فَصْلٌ:
-
إذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَيُقَالُ لَهُ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي ذَكَرْتهَا مِثْلَ لَفْظِ الظَّهْرِ؛ وَالْمَتْنِ وَالسَّاقِ؛ وَالْكَبِدِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي اللُّغَةِ إلَّا مَقْرُونَةً بِمَا يُبَيِّنُ الْمُضَافَ إلَيْهِ وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ. فَقَوْلُك: ظَهْرُ الطَّرِيقِ وَمَتْنُهَا: لَيْسَ هُوَ كَقَوْلِك: ظَهْرُ الْإِنْسَانِ وَمَتْنُهُ بَلْ وَلَا كَقَوْلِك: ظَهْرُ الْفَرَسِ وَمَتْنُهُ وَلَا كَقَوْلِك: ظَهْرُ الْجَبَلِ.
- ج ٢١ ص ٤٣٢
وَكَذَلِكَ كَبِدُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِثْلَ كَبِدِ الْقَوْسِ وَلَا هَذَانِ مِثْلَ لَفْظِ كَبِدِ الْإِنْسَانِ.
-
وَكَذَلِكَ لَفْظُ السَّيْفِ فِي {قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ خَالِدًا سَيْفٌ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ} لَيْسَ مِثْلَ لَفْظِ السَّيْفِ فِي قَوْلِهِ: {مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْرُكُمْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ} فَكُلٌّ مِنْ لَفْظِ السَّيْفِ هَاهُنَا وَهَاهُنَا مَقْرُونٌ بِمَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ. نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: التَّشَابُهُ بَيْنَ مَعْنَى الرَّسُولِ وَالرَّسُولِ أَتَمُّ مِنْ التَّشَابُهِ بَيْنَ مَعْنَى الْكَبِدِ وَالْكَبِدِ وَالسَّيْفِ وَالسَّيْفِ. فَيُقَالُ: هَذَا الْقَدْرُ الْفَارِقُ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْمُخْتَصُّ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} وَفِي قَوْلِهِ: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} وَقَوْلِهِ: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ لَيْسَ مُمَاثِلًا فِي الْحَقِيقَةِ لِبَيْتِهِ وَلَا لِبَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا لِبَيْتِ فِي الْجَنَّةِ؛ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْبَيْتِ حَقِيقَةٌ فِي الْجَمِيعِ بِلَا نِزَاعٍ إذْ كَانَ الْمُخَصِّصُ هُوَ الْإِضَافَةَ فِي بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ وَبَيْتِ النَّبِيِّ دَلَّ عَلَى سُكْنَى صَاحِبِ الْبَيْتِ فِيهِ وَبَيْتُ اللَّهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سَاكِنٌ فِيهِ لَكِنَّ إضَافَةَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ بَلْ بَيْتُهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ لِذِكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ وَدُعَائِهِ فَهُوَ كَمَعْرِفَتِهِ بِالْقُلُوبِ وَذِكْرِهِ بِاللِّسَانِ وَكُلُّ مَوْجُودٍ فَلَهُ وُجُودٌ عَيْنِيٌّ؛ وَعِلْمِيٌّ؛ وَلَفْظِيٌّ؛ وَرَسْمِيٌّ. وَاسْمُ اللَّهِ يُرَادُ بِهِ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَامِ اللَّهِ.
- ج ٢١ ص ٤٣٣
فَإِذَا قَالَ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا} فَهُوَ اللَّهُ نَفْسُهُ وَإِذَا قَالَ: {لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ؛ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا؛ وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ؛ وَبِي يَبْطِشُ؛ وَبِي يَمْشِي} وَقَوْلُهُ: {عَبْدِي مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي فَيَقُولُ: رَبِّي كَيْفَ أَعُودُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ} فَاَلَّذِي فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمَثَلِ الْأَعْلَى؛ وَالْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ وَيُقَالُ: أَنْتَ فِي قَلْبِي كَمَا قِيلَ:
مِثَالُك فِي عَيْنِي؛ وَذِكْرُك فِي فَمِي … وَمَثْوَاك فِي قَلْبِي؛ فَأَيْنَ تَغِيبُ؟
وَيُقَالُ: سَاكِنٌ فِي الْقَلْبِ يَعْمُرُهُ … لَسْت أَنْسَاهُ فَأَذْكُرُهُ
وَمَا يُنْقَلُ {عَنْ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: أَنْتَ تَحُلُّ قُلُوبَ الصَّالِحِينَ} فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ أَنَّ نَفْسَ الْمَذْكُورِ الْمَعْلُومِ الْمَحْبُوبِ؛ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج ٢١ ص ٤٣٤يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ} فَقَوْلُهُ: " بِي " أَرَادَ أَنَّهَا تَتَحَرَّكُ بِاسْمِهِ لَمْ تَتَحَرَّكْ بِذَاتِهِ وَلَا مَا فِي الْقَلْبِ هُنَا ذَاتُهُ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ {أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: اللَّهُ سَطْرٌ؛ وَرَسُولُ سَطْرٌ؛ وَمُحَمَّدٌ سَطْرٌ} فَمَعْلُومٌ أَنَّ مُرَادَهُ بِلَفْظِ اللَّهِ هُوَ النَّقْشُ الْمَنْقُوشُ فِي الْخَاتَمِ الْمُطَابِقُ لِلَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ بِالْقَلْبِ الْمُطَابِقِ لِلْمَوْجُودِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْعَائِدَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ مَوْضِعٍ اقْتَرَنَ بِهَا مَا بَيَّنَ الْمُرَادَ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْتِبَاسٌ فَكَذَلِكَ لَفْظُ بَيْتِهِ. وَقُلْنَا: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فِيهَا مَا بُنِيَ لِلْقُلُوبِ وَالْأَلْسِنَةِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَالْأَنْوَارِ الَّتِي يَجْعَلُهَا فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ثُمَّ قَالَ: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} إلَى قَوْلِهِ: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا النُّورَ فِي هَذِهِ الْقُلُوبِ وَفِي هَذِهِ الْبُيُوتِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: " إنَّ الْمَسَاجِدَ تُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَوَاتِ كَمَا تُضِيءُ الْكَوَاكِبُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ " . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ حَقِيقَةً
ج ٢١ ص ٤٣٥فِيمَا ذَكَرَ لَكَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرِكًا يُقَالُ لَهُ: مَا تَعْنِي بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ؟ تَعْنِي بِهِ مَا هُوَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِك؟ حَيْثُ قُلْت فِي تَقْسِيمِ الْأَلْفَاظِ: الِاسْمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا؛ أَوْ مُتَعَدِّدًا. فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَمَفْهُومُهُ يَنْقَسِمُ عَلَى وُجُوهٍ. الْقِسْمَةُ الْأُولَى: إنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي مَفْهُومِهِ: أَوْ لَا يَصِحُّ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ طَلَبِيٌّ. وَذَكَرَ تَمَامَهُ بِكَلَامِ بَعْضُهُ حَقٌّ؛ وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ اتَّبَعَ فِيهِ الْمَنْطِقِيِّينَ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إنْ كَانَ مَفْهُومُهُ غَيْرَ صَالِحٍ لِاشْتِرَاكِ كَثِيرِينَ فِيهِ فَهُوَ الْجُزْئِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ الْعِلْمُ خَاصَّةً؛ وَقَسَّمَهُ تَقْسِيمَ النُّحَاةِ. ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَ الِاسْمُ وَاحِدًا وَالْمُسَمَّى مُخْتَلِفًا: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا عَلَى الْكُلِّ حَقِيقَةً بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ؛ أَوْ هُوَ مُسْتَعَارٌ فِي بَعْضِهَا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُسَمَّيَاتُ مُتَبَايِنَةً كَالْجُونِ لِلسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ أَوْ غَيْرَ مُتَبَايِنَةٍ كَمَا إذَا أَطْلَقْنَا اسْمَ الْأَسْوَدِ عَلَى شَخْصٍ بِطَرِيقِ الْعِلْمِيَّةِ وَبِطَرِيقِ الِاشْتِقَاقِ مِنْ السَّوَادِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ مَجَازٌ. فَإِنْ أَرَدْت هَذَا فَالْمُشْتَرَكُ هُوَ الِاسْمُ الْوَاحِدُ الَّذِي يَخْتَلِفُ مُسَمَّاهُ وَيَكُونُ مَوْضُوعًا عَلَى الْكُلِّ حَقِيقَةً بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ وَتَقْسِيمُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى وَاحِدًا وَيَكُونُ كُلِّيًّا وَجُزْئِيًّا كَمَا ذَكَرْته. وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ لَك: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ إذَا كَانَتْ حَقِيقَةً فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الصُّوَرِ كَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ إنَّمَا
- ج ٢١ ص ٤٣٦
يَصِحُّ فِي وَاحِدٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ إمَّا وَاحِدًا وَإِمَّا مُتَعَدِّدًا وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَوْرِدَ النِّزَاعِ دَاخِلٌ فِيمَا ذَكَرْته فَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا إذَا كَانَ اللَّفْظُ وَاحِدًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ هُوَ لَفْظُ ظَهْرِ الطَّرِيقِ وَمَتْنِهَا وَجَنَاحِ السَّفَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ؛ لَيْسَ مَعْنَاهُ مُتَعَدِّدًا مُخْتَلِفًا: بَلْ حَيْثُ وُجِدَ هَذَا اللَّفْظُ كَانَ مَعْنَاهُ وَاحِدًا كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ. فَإِنْ قُلْت: لَكِنَّ لَفْظَ الظَّهْرِ وَالْمَتْنِ وَالْجَنَاحِ يُوجَدُ لَهُ مَعْنًى غَيْرُ هَذَا. قِيلَ: لَفْظُ ظَهْرِ الطَّرِيقِ وَجَنَاحِهَا لَيْسَ هُوَ لَفْظَ ظَهْرِ الْإِنْسَانِ وَجَنَاحِ الطَّائِرِ وَلَا أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ وَلَفْظُ الظَّهْرِ وَالطَّرِيقِ مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعْرُوفٍ يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَهْرُ الْإِنْسَانِ مَثَلًا؛ لَيْسَ هُوَ مِثْلَ لَفْظِ ظَهْرِ الطَّرِيقِ بَلْ هَذَا اللَّفْظُ مُغَايِرٌ لِهَذَا اللَّفْظِ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: اللَّفْظُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّ لَفْظَ الظَّهْرِ يُسْتَعْمَلُ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ حَقِيقَةً بِالِاتِّفَاقِ وَمَعَ هَذَا فَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ قَدْ لَا يَسْبِقُ إلَى ذِهْنِهِمْ إلَّا ظَهْرُ الْإِنْسَانِ لَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ ظَهْرُ الْكَلْبِ؛ وَلَا ظَهْرُ الثَّعْلَبِ وَالذِّئْبِ وَبَنَاتِ عِرْسٍ وَظَهْرُ النَّمْلَةِ وَالْقَمْلَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ ظَهْرَ الْإِنْسَانِ هُوَ الَّذِي يَتَصَوَّرُونَهُ وَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ كَثِيرًا فِي عَامَّةِ كَلَامِهِمْ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ؛ يَنْصَرِفُ إلَى الظَّهْرِ الْمَعْرُوفِ.
- ج ٢١ ص ٤٣٧
وَلِهَذَا كَانَتْ الْأَيْمَانُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ تَنْصَرِفُ إلَى مَا يَعْرِفُهُ الْمُخَاطَبُ بِلُغَتِهِ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ حَقِيقَةً أَيْضًا كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ رُءُوسُ الْأَنْعَامِ: أَوْ رُءُوسُ الْغَنَمِ؛ أَوْ الرَّأْسُ الَّذِي يُؤْكَلُ فِي الْعَادَةِ وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْبَيْضِ؛ يُرَادُ بِهِ الْبَيْضُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ. فَأَمَّا رَأْسُ النَّمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَدْخُلُ فِي اللَّفْظِ وَلَا يَدْخُلُ بَيْضُ السَّمَكِ فِي الْيَمِينِ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً إذَا قِيلَ: بَيْضُ النَّمْلِ وَبَيْضُ السَّمَكِ بِالْإِضَافَةِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: بِعْتُك بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ: انْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَى مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ مُسَمَّى هَذَا اللَّفْظِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَقْدِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى إنَّهُ فِي الْمَكَانِ الْوَاحِدِ يَكُونُ لَفْظُ الدِّينَارِ يُرَادُ بِهِ فِي ثَمَنِ بَعْضِ السِّلَعِ الذَّهَبُ الْخَالِصُ؛ وَفِي سِلْعَةٍ أُخْرَى ذَهَبٌ مَغْشُوشٌ؛ وَفِي سِلْعَةٍ أُخْرَى مِقْدَارٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَيُحْمَلُ الْعَقْدُ الْمُطْلَقُ عَلَى مَا يَعْرِفُهُ الْمُتَبَايِعَانِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ بِمَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ فَكَيْفَ إذَا كَانَ نَفْسُ اللَّفْظِ مُتَغَايِرًا كَلَفْظِ ظَهْرِ الْإِنْسَانِ؛ وَظَهْرِ الطَّرِيقِ؛ وَرَأْسِ الْإِنْسَانِ وَرَأْسِ الدَّرْبِ؛ وَرَأْسِ الْمَالِ؛ أَوْ رَأْسِ الْعَيْنِ؛ أَوْ قُيِّدَ أَحَدُهُمَا بِالتَّعْرِيفِ كَلَفْظِ الظَّهْر؛ وَقُيِّدَ الْآخَرُ بِالْإِضَافَةِ؛ وَكَانَ اللَّامُ يُوجِبُ إرَادَةَ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ؛ وَالْإِضَافَةُ تُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ. فَالْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ لَيْسَ هُوَ الْمُعَرَّفَ بِالْإِضَافَةِ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى.