فصل: في أن القوم مستضعفون عن المحاقة إلى الغاية
فقرتان، ج ٤ ص ٢٤٣
- ج ٤ ص ٢٤٣
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَهُ: أَنَّ الْقَوْمَ مُسْتَضْعَفُونَ عَنْ الْمُحَاقَّةِ إلَى الْغَايَةِ - ابْنَ مَخْلُوفٍ وَغَيْرَهُ - وَقَدْ أَدَارُوا الرَّأْيَ بَيْنَهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ عِنْدَ الْمُحَاقَّةِ مَقْهُورُونَ مُتَهَوِّكُونَ. والطيبرسي طَلَبَ مِنِّي غَيْرَ مَرَّةٍ تَرْكَ الْمُحَاقَّةِ. فَقُلْت لَهُ: أَنَا مَا بَغَيْت عَلَى أَحَدٍ وَلَا قُلْت لِأَحَدِ: وَافِقْنِي عَلَى اعْتِقَادِي وَإِلَّا فَعَلْت بِك وَلَا أَكْرَهْت أَحَدًا بِقَوْلِ وَلَا عَمَلٍ، بَلْ مَا كَتَبْت فِي ذَلِكَ شَيْئًا قَطُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوَابَ اسْتِفْتَاءٍ بَعْدَ إلْحَاحِ السَّائِلِ وَاحْتِرَاقِهِ وَكَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ وَلَا عَادَتِي مُخَاطَبَةُ النَّاسِ فِي هَذَا ابْتِدَاءً. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ دَعَوْا النَّاسَ إلَى مَا دَعَوْهُمْ إلَيْهِ وَأَكْرَمُوهُمْ عَلَيْهِ: فَيُبَيِّنُونَ لِلنَّاسِ مَا الَّذِي أَمَرُوهُمْ بِهِ وَمَا الَّذِي نَهَوْهُمْ عَنْهُ. فَإِنْ كَانُوا أَمَرُوهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ: فَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِمَنْ أَمَرَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. وَإِنْ كَانُوا أَمَرُوا بِحَقِّ وَبَاطِلٍ وَنَهَوْا عَنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَأَمَرُوا وَنَهَوْا عَنْ أُمُورٍ لَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهَا. كَانُوا بِذَلِكَ مِنْ الْجَاهِلِينَ الظَّالِمِينَ وَكَانَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي النَّارِ وَلَمْ تَجُزْ طَاعَتُهُمْ فِي ذَلِكَ بَلْ تَحْرُمُ.
- ج ٤ ص ٢٤٤
وَأَنَا لَوْ شِئْت الْمُحَاقَّةَ كَانَتْ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ، لَكِنْ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا قُلْته فَلْيَقُلْ: إنِّي أُنْكِرُ كَذَا وَيَكْتُبُ خَطَّهُ بِمَا أَنْكَرَهُ وَيُوَجَّهُ إنْكَارُهُ لَهُ وَأَنَا أَكْتُبُ خَطِّي بِالْجَوَابِ وَيُعْرَضُ الْكَلَامَانِ عَلَى جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ - شَرْقًا وَغَرْبًا - وَأَنَا قَائِلٌ ذَلِكَ. وَقَدْ قُلْت قَبْلَ ذَلِكَ بِدِمَشْقَ: هَذِهِ الْإِنْكَارَاتُ الْمُجْمَلَةُ لَا تُفِيدُ شَيْئًا بَلْ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا فَلْيَكْتُبْ خَطَّهُ بِمَا أَنْكَرَهُ وَبِحُجَّتِهِ وَأَنَا أَكْتُبُ خَطِّي بِجَوَابِ ذَلِكَ وَيَرَى أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ الْكَلَامَيْنِ فَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ. وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الَّتِي لَا تُكْتَبُ فَيَكْثُرُ فِيهَا التَّخْلِيطُ وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ كَمَا قَدْ وَقَعَ وَقَدْ قُلْت فِيمَا قُلْته للطيبرسي: هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي عَمِلْتُمُوهُ فَسَادٌ فِي مِلَّتِكُمْ وَدَوْلَتِكُمْ وَشَرِيعَتِكُمْ وَالْكِتَابُ " السُّلْطَانِيُّ " الَّذِي كُتِبَ عَلَى لِسَانِ السُّلْطَانِ فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ عَلَيْكُمْ وَمُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ تَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ. وَكِتَابُ " غازان " الَّذِي قُرِئَ عَلَى مِنْبَرِ الشَّامِ أَقْرَبُ إلَى شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذَا الَّذِي كُتِبَ عَلَى لِسَانِ سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ وَقُرِئَ عَلَى مَنَابِرِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا كَانَ بِحُضُورِهِمْ يُكْتَبُ عَلَى الْكَذِبِ عَلَيْكُمْ وَعَلَى الْقُضَاةِ وَيُبَدَّلُ دِينُ الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا غَابَ عَنْكُمْ؟ وَكَذَلِكَ أَرْسَلْت مَعَ الْفَتَّاحِ إلَى نَائِبِ السُّلْطَانِ أَقُولُ هَذَا الِاعْتِقَادُ عِنْدَكُمْ وَهُوَ الَّذِي بَحَثَهُ عُلَمَاءُ الشَّامِ فَمَنْ كَانَ مُنْكِرًا مِنْهُ شَيْئًا فَلْيُبَيِّنْهُ.