من أسباب تغير الفطرة
فقرتان، ج ٥ ص ١٤١
- ج ٥ ص ١٤١
بِالْحَقَائِقِ وَأَقْوَمَهُمْ قَوْلًا وَحَالًا: لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ أَعْظَمُهُمْ مُوَافَقَةً لَهُ وَاقْتِدَاءً بِهِ أَفْضَلَ الْخَلْقِ. وَلَا يُقَالُ: هَذِهِ الْفِطْرَةُ يُغَيِّرُهَا مَا يُوجَدُ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ تَفْرِيطٍ وَعُدْوَانٍ لِأَنَّهُ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ أَكْثَرُ وَالْوَاجِبُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ فِي الْمَحْمُودِ وَالْمَذْمُومِ هَذِهِ هِيَ الْمُقَابَلَةُ الْعَادِلَةُ. وَإِنَّمَا غَيْرُ الْفِطْرَةِ قِلَّةُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّبَاعِ ذَلِكَ مَعَ مَا يُوجَدُ فِي الْمُخَالِفِينَ لَهَا مِنْ نَوْعِ تَحْقِيقٍ لِبَعْضِ الْعِلْمِ وَإِحْسَانٍ لِبَعْضِ الْعَمَلِ. فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي قَبُولِ غَيْرِهِ وَتَرْجِيحِ صَاحِبِهِ. وَلَا غَرَضَ لَنَا فِي ذِكْرِ الْأَشْخَاصِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ " مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ " وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْأُمُورِ الْمُبَيِّنَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ: ذِكْرُ نَفْسِ الطَّرِيقَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ الَّتِي تُعْرَفُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ الْخَبَرِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ وَتُوَصِّلُ إلَى حَقَائِقِ الْأُمُورِ الْإِرَادِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ. فَمَتَى كَانَ غَيْرُ الرَّسُولِ قَادِرًا عَلَى عِلْمٍ بِذَلِكَ أَوْ بَيَانٍ لَهُ أَوْ مَحَبَّةٍ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ؟ فَالرَّسُولُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ وَأَحْرَصُ عَلَى الْهُدَى وَأَقْدَرُ عَلَى بَيَانِهِ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَأَتْبَاعُهُمْ. وَهَذِهِ صِفَاتُ الْكَمَالِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْإِحْسَانِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ:
ج ٥ ص ١٤٢{اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ. فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} . فَعَلَّمَنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَخِيرَ اللَّهَ بِعِلْمِهِ فَيُعَلِّمَنَا مَنْ عِلْمِهِ مَا نَعْلَمُ بِهِ الْخَيْرَ وَنَسْتَقْدِرَهُ بِقُدْرَتِهِ فَيَجْعَلَنَا قَادِرِينَ. إذْ الِاسْتِفْعَالُ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْته فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ} . فَاسْتِهْدَاءُ اللَّهِ طَلَبُ أَنْ يَهْدِيَنَا وَاسْتِطْعَامُهُ طَلَبُ أَنْ يُطْعِمَنَا هَذَا قُوتُ الْقُلُوبِ وَهَذَا قُوتُ الْأَجْسَامِ وَكَذَلِكَ اسْتِخَارَتُهُ بِعِلْمِهِ وَاسْتِقْدَارُهُ بِقُدْرَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: {وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ} فَهَذَا السُّؤَالُ مِنْ جُودِهِ وَمَنِّهِ وَعَطَائِهِ وَإِحْسَانِهِ الَّذِي يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحَنَانِهِ. وَلِهَذَا قَالَ: {فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ} وَلَمْ يَقُلْ: إنِّي لَا أَرْحَمُ نَفْسِي؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الِاسْتِخَارَةِ يُرِيدُ الْخَيْرَ لِنَفْسِهِ وَيَطْلُبُ ذَلِكَ. لَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُعْلِمْهُ اللَّهُ إيَّاهُ وَيُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْحَقَائِقِ الْخَبَرِيَّةِ وَالطَّلَبِيَّةِ وَأَحَبَّ الْخَلْقِ لِلتَّعْلِيمِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِفَادَةِ وَأَقْدَرَ الْخَلْقِ عَلَى الْبَيَانِ وَالْعِبَارَةِ: امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَنْ هُوَ دُونَهُ أَفَادَ خَوَاصَّهُ مَعْرِفَةَ الْحَقَائِقِ أَعْظَمَ مِمَّا أَفَادَهَا الرَّسُولُ لِخَوَاصِّهِ؛
- ج ٥ ص ١٤٣
فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الطَّوَائِفِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقَائِقِ مَا لَيْسَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الطَّوَائِفِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْحَقَائِقِ وَأَبْيَنُ لَهَا مِنْهُ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يُذَمُّونَ بِهِ مِنْ جَهْلِ بَعْضِهِمْ هُوَ فِي طَائِفَةِ الْمُخَالِفِ الذَّامِّ لَهُمْ أَكْثَرُ. فَيَكُونُ الذَّامُّ لَهُمْ جَاهِلًا ظَالِمًا فِيهِ شُعْبَةُ نِفَاقٍ؛ إذَا كَانَ مُؤْمِنًا. وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ. ثُمَّ إنَّ هَذَا الَّذِي بَيَّنَّاهُ مَشْهُودٌ بِالْقَلْبِ أَعْلَمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ أَعْرِفُ مُفَصَّلًا. وَهَذِهِ جُمْلَةٌ يُمْكِنُ تَفْصِيلُهَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ؛ لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.