فصل: في بيان قول من قال: إن الحشوية على ضربين، أحدهما: لا يتحاشى من الحشو والتشبيه، والاخر تستر بمذهب السلف
٥ فقرات، ج ٥ ص ١٤٤
- ج ٥ ص ١٤٤
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الْحَشْوِيَّةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا: لَا يَتَحَاشَى مِنْ الْحَشْوِ وَالتَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ. وَالْآخَرُ: تَسَتُّرٌ بِمَذْهَبِ السَّلَفِ. وَمَذْهَبُ السَّلَفِ إنَّمَا هُوَ التَّوْحِيدُ وَالتَّنْزِيهُ؛ دُونَ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَكَذَا جَمِيعُ الْمُبْتَدِعَةِ يَزْعُمُونَ هَذَا فِيهِمْ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا لِلَيْلَى وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بذاكا فَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ. فَمِنْ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ: ذَمُّ مَنْ يُمَثِّلُ اللَّهَ بِمَخْلُوقَاتِهِ وَيَجْعَلُ صِفَاتِهِ مَنْ جِنْسِ صِفَاتِهِمْ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وَقَالَ: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} . وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَذَكَرْنَا الدَّلَالَاتِ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا كِتَابُ اللَّهِ فِي نَفْيِ ذَلِكَ وَبَيَّنَّا مِنْهُ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْنُّفَاةِ الَّذِينَ يَتَّسِمُونَ بِالتَّنْزِيهِ وَلَا يُوجَدُ فِي كُتُبِهِمْ وَلَا يُسْمَعُ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ؛ بَلْ عَامَّةُ حُجَجِهِمْ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا حُجَجٌ ضَعِيفَةٌ. لِأَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ إثْبَاتَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ فَلَا يَقُومُ عَلَى ذَلِكَ حُجَّةٌ مُطَّرِدَةٌ
ج ٥ ص ١٤٥سَلِيمَةٌ عَنْ الْفَسَادِ بِخِلَافِ مَنْ اقْتَصَدَ فِي قَوْلِهِ وَتَحَرَّى الْقَوْلَ السَّدِيدَ. فَإِنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ عَمَلَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} . وَفِيهِ مِنْ الْحَقِّ الْإِشَارَةُ إلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ انْتَحَلَ مَذْهَبَ السَّلَفِ مَعَ الْجَهْلِ بِمَقَالِهِمْ أَوْ الْمُخَالَفَةِ لَهُمْ بِزِيَادَةِ أَوْ نُقْصَانٍ. فَتَمْثِيلُ اللَّهِ بِخَلْقِهِ وَالْكَذِبُ عَلَى السَّلَفِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ سَوَاءٌ سُمِّيَ ذَلِكَ حَشْوًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ. وَهَذَا يَتَنَاوَلُ كَثِيرًا مِنْ غَالِيَةِ الْمُثْبِتَةِ الَّذِينَ يَرْوُونَ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً فِي الصِّفَاتِ مِثْلَ حَدِيثِ " عَرَقِ الْخَيْلِ " و " نُزُولُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ عَلَى الْجَمَلِ الْأَوْرَقِ حَتَّى يُصَافِحَ الْمُشَاةَ وَيُعَانِقَ الرُّكْبَانَ " " وَتَجَلِّيهِ لِنَبِيِّهِ فِي الْأَرْضِ " أَوْ " رُؤْيَتُهُ لَهُ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " أَوْ " رُؤْيَتُهُ إيَّاهُ فِي الطَّوَافِ " أَوْ " فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ " إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ. فَقَدْ رَأَيْت مِنْ ذَلِكَ أُمُورًا مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْكُفْرَانِ. وَأَحْضَرَ لِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْأَجْزَاءِ وَالْكُتُبِ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مِنْ الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ. وَقَدْ وَضَعَ لِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَسَانِيدَ؛ حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ عَمَدَ إلَى كِتَابٍ صَنَّفَهُ " الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ المقدسي " فِيمَا يُمْتَحَنُ بِهِ السُّنِّيُّ مِنْ الْبِدْعِيِّ. فَجَعَلَ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِمَّا أَوْحَاهُ اللَّهُ إلَى نَبِيِّهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْتَحِنَ بِهِ النَّاسَ فَمَنْ أَقَرَّ بِهِ فَهُوَ سُنِّيٌّ وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ فَهُوَ بِدْعِيٌّ وَزَادُوا فِيهِ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ أَشْيَاءَ لَمْ يَقُلْهَا هُوَ وَلَا عَاقِلٌ. وَالنَّاسُ الْمَشْهُورُونَ قَدْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ مِنْ الْمَسَائِلِ
ج ٥ ص ١٤٦وَالدَّلَائِلِ مَا هُوَ حَقٌّ أَوْ فِيهِ شُبْهَةُ حَقٍّ. فَإِذَا أَخَذَ الْجُهَّالُ ذَلِكَ فَغَيَّرُوهُ صَارَ فِيهِ مِنْ الضَّلَالِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِفْكِ وَالْمِحَالِ. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ حَقٌّ وَفِيهِ مِنْ الْبَاطِلِ أُمُورٌ: - (أَحَدُهَا قَوْلُهُ: " لَا يَتَحَاشَى مِنْ الْحَشْوِ وَالتَّجْسِيمِ " ذَمٌّ لِلنَّاسِ بِأَسْمَاءِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ. وَاَلَّذِي مَدْحُهُ زَيْنٌ وَذَمُّهُ شَيْنٌ: هُوَ اللَّهُ. وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَدْحُ وَالذَّمُّ مِنْ الدِّينِ: لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا سُلْطَانَهُ وَدَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَوْ الْإِجْمَاعُ كَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ وَالْمُقْتَصِدِ وَالْمُلْحِدِ. فَأَمَّا هَذِهِ " الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ " فَلَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا نَطَقَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا لَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا. وَأَوَّلُ مَنْ ابْتَدَعَ الذَّمَّ بِهَا " الْمُعْتَزِلَةُ " الَّذِينَ فَارَقُوا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ فَاتِّبَاعُ سَبِيلِ الْمُعْتَزِلَةِ دُونَ سَبِيلِ سَلَفِ الْأُمَّةِ تَرْكٌ لِلْقَوْلِ السَّدِيدِ الْوَاجِبِ فِي الدِّينِ وَاتِّبَاعٌ لِسَبِيلِ الْمُبْتَدِعَةِ الضَّالِّينَ. وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُوجَدُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ذَمُّهُ إلَّا لَفْظُ " التَّشْبِيهِ " فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَكَانَ لَهُ قُدْوَةٌ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَلَوْ ذَكَرَ الْأَسْمَاءَ الَّتِي نَفَاهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِثْلُ لَفْظِ " الْكُفُؤِ وَالنِّدِّ وَالسَّمِيِّ " وَقَالَ: " مِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَحَاشَى مِنْ التَّمْثِيلِ وَنَحْوِهِ " : لَكَانَ قَدْ ذُمَّ بِقَوْلِ نَفَاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَدَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى ذَمِّ قَائِلِهِ ثُمَّ يَنْظُرُ: هَلْ قَائِلُهُ مَوْصُوفٌ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِنْ الذَّمِّ أَمْ لَا؟ .
- ج ٥ ص ١٤٧
فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الَّتِي لَمْ يَدُلُّ الشَّرْعُ عَلَى ذَمِّ أَهْلِهَا وَلَا مَدْحِهِمْ فَيُحْتَاجُ فِيهَا إلَى مَقَامَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بَيَانُ الْمُرَادِ بِهَا.
-
وَالثَّانِي: بَيَانُ أَنَّ أُولَئِكَ مَذْمُومُونَ فِي الشَّرِيعَةِ. وَالْمُعْتَرِضُ عَلَيْهِ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الْمَقَامَيْنِ فَيَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الَّذِينَ عَنَيْتهمْ دَاخِلُونَ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي ذَمَمْتهَا وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى ذَمِّهَا وَإِنْ دَخَلُوا فِيهَا. فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَهُوَ مَذْمُومٌ فِي الشَّرْعِ.
-
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ الَّذِي قُلْت: " إنَّهُ لَا يَتَحَاشَى مِنْ الْحَشْوِ وَالتَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ " إمَّا أَنْ تُدْخِلَ فِيهِ مُثْبِتَةَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَوْ لَا تُدْخِلَهُمْ. فَإِنْ أَدْخَلْتهمْ كُنْت ذَامًّا لِكُلِّ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ عَامَّةِ السَّلَفِ وَمَذْهَبُ أَئِمَّةِ الدِّينِ. بَلْ أَئِمَّةُ الْمُتَكَلِّمِينَ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ فِي الْجُمْلَةِ. وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهَا طُرُقٌ كَأَبِي سَعِيدٍ بْنِ كُلَّابٍ وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ: كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَأَبِي الْحَسَنِ الْبَاهِلِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بْنِ الْبَاقِلَانِي وَأَبِي إسْحَاقَ الإسفراييني وَأَبِي بَكْرٍ بْنِ فورك وَأَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ اللَّبَّانِ وَأَبِي عَلِيٍّ بْنِ شاذان وَأَبِي الْقَاسِمِ القشيري وَأَبِي بَكْرٍ البيهقي وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ. فَمَا مِنْ هَؤُلَاءِ إلَّا مَنْ
ج ٥ ص ١٤٨يُثْبِتُ مِنْ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَعِمَادُ الْمَذْهَبِ عَنْهُمْ: إثْبَاتُ كُلِّ صِفَةٍ فِي الْقُرْآنِ. وَأَمَّا الصِّفَاتُ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُهَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُثْبِتُهَا. فَإِذَا كُنْت تَذُمُّ جَمِيعَ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ مِنْ سَلَفِك وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَبْقَ مَعَك إلَّا الْجَهْمِيَّة: مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ: مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأَشْعَرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ. وَلَمْ تَذْكُرْ حُجَّةً تُعْتَمَدُ. فَأَيُّ ذَمٍّ لِقَوْمِ فِي أَنَّهُمْ لَا يَتَحَاشَوْنَ مِمَّا عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَأَئِمَّةُ الذَّامِّ لَهُمْ؟ وَإِنْ لَمْ تُدْخِلْ فِي اسْمِ " الْحَشْوِيَّةِ " مَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ لَمْ يَنْفَعْك هَذَا الْكَلَامُ بَلْ قَدْ ذَكَرْت أَنْتَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ هَذَا الْقَوْلَ. وَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ لَا يَخْرُجُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ أَنْ يَذُمَّ نَفْسَهُ أَوْ يَذُمَّ سَلَفَهُ - الَّذِينَ يُقِرُّ هُوَ بِإِمَامَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ اتَّبَعَهُمْ - كَانَ هُوَ الْمَذْمُومَ بِهَذَا الذَّمِّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَكَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَوَّلِهِمْ: {لَقَدْ خِبْت وَخَسِرْت إنْ لَمْ أَعْدِلْ} يَقُولُ: إذَا كُنْت مُقِرًّا بِأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنِّي أَظْلِمُ فَأَنْتَ خَائِبٌ خَاسِرٌ. وَهَكَذَا مَنْ ذَمَّ مَنْ يُقِرُّ بِأَنَّهُمْ خِيَارُ الْأُمَّةِ وَأَفْضَلُهَا وَأَنَّ طَائِفَتَهُ إنَّمَا تَلَقَّتْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ مِنْهُمْ. هُوَ خَائِبٌ خَاسِرٌ فِي هَذَا الذَّمِّ. وَهَذِهِ حَالُ الرَّافِضَةِ فِي ذَمِّ الصَّحَابَةِ.
- ج ٥ ص ١٤٩
الْوَجْهُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: " وَالْآخَرُ يَتَسَتَّرُ بِمَذْهَبِ السَّلَفِ " إنْ أَرَدْت بِالتَّسَتُّرِ الِاسْتِخْفَاءَ بِمَذْهَبِ السَّلَفِ؛ فَيُقَالُ: لَيْسَ مَذْهَبُ السَّلَفِ مِمَّا يُتَسَتَّرُ بِهِ إلَّا فِي بِلَادِ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ مِثْلُ بِلَادِ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ. فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُسْتَضْعَفَ هُنَاكَ قَدْ يَكْتُمُ إيمَانَهُ وَاسْتِنَانَهُ؛ كَمَا كَتَمَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ إيمَانَهُ؛ وَكَمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ. حِينَ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ فِي بَلَدٍ أَنْتَ لَك فِيهِ سُلْطَانٌ - وَقَدْ تَسَتَّرُوا بِمَذْهَبِ السَّلَفِ - فَقَدْ ذَمَمْت نَفْسَك؛ حَيْثُ كُنْت مِنْ طَائِفَةٍ يُسْتَرُ مَذْهَبُ السَّلَفِ عِنْدَهُمْ؛ وَإِنْ كُنْت مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمُسْتَتِرِينَ بِمَذْهَبِ السَّلَفِ فَلَا مَعْنَى لِذَمِّ نَفْسِك. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ الْمَلَأِ فَلَا وَجْهَ لِذَمِّ قَوْمٍ بِلَفْظِ " التَّسَتُّرِ " . وَإِنْ أَرَدْت بِالتَّسَتُّرِ: أَنَّهُمْ يَجْتَنُونَ بِهِ وَيَتَّقُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ وَيَتَظَاهَرُونَ بِهِ حَتَّى إذَا خُوطِبَ أَحَدُهُمْ قَالَ: أَنَا عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ - وَهَذَا الَّذِي أَرَادَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَيُقَالُ لَهُ: لَا عَيْبَ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مَذْهَبَ السَّلَفِ وَانْتَسَبَ إلَيْهِ وَاعْتَزَى إلَيْهِ بَلْ يَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ لَا يَكُونُ إلَّا حَقًّا. فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي هُوَ عَلَى الْحَقِّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ دُونَ الْبَاطِنِ: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِ. فَتُقْبَلُ مِنْهُ عَلَانِيَتُهُ وَتُوكَلُ سَرِيرَتُهُ إلَى اللَّهِ. فَإِنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا نَشُقَّ بُطُونَهُمْ.