حقيقة المعطلة للصفات
٤ فقرات، ج ٦ ص ٣٢٦
- ج ٦ ص ٣٢٦
حَيَوَانٌ وَاخْتِلَافٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا نَاطِقٌ وَهَذَا صَاهِلٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ؛ كَانَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مِنْ التَّشَابُهِ وَالِاخْتِلَافِ بِحَسَبِ مَا بَيْنَ الذَّاتَيْنِ: وَذَلِكَ أَنَّ الذَّاتَ الْمُجَرَّدَةَ عَنْ الصِّفَةِ لَا تُوجَدُ إلَّا فِي الذِّهْنِ فَالذِّهْنُ يُقَدِّرُ ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنْ الصِّفَةِ وَيُقَدِّرُ وُجُودًا مُطْلَقًا لَا يَتَعَيَّنُ وَأَمَّا الْمَوْجُودَاتُ فِي أَنْفُسِهَا فَلَا يُمْكِنُ فِيهَا وُجُودُ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ كُلِّ صِفَةٍ وَلَا وُجُودٌ مُطْلَقٌ لَا يَتَعَيَّنُ وَلَا يَتَخَصَّصُ.
-
وَإِذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لِلصِّفَاتِ: " أَنَا أُثْبِتُ صِفَاتِ اللَّهِ زَائِدَةً عَلَى ذَاتِهِ " : فَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنَّا نُثْبِتُهَا زَائِدَةً عَلَى مَا أَثْبَتَهَا الْنُّفَاةِ مِنْ الذَّاتِ. فَإِنَّ الْنُّفَاةِ اعْتَقَدُوا ثُبُوتَ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ الصِّفَاتِ فَقَالَ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ: نَحْنُ نَقُولُ بِإِثْبَاتِ صِفَاتٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا أَثْبَتَهُ هَؤُلَاءِ. وَأَمَّا الذَّاتُ نَفْسُهَا الْمَوْجُودَةُ فَتِلْكَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَتَحَقَّقَ بِلَا صِفَةٍ أَصْلًا بَلْ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: أُثْبِتُ إنْسَانًا؛ لَا حَيَوَانًا وَلَا نَاطِقًا وَلَا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَا لَهُ قُدْرَةٌ وَلَا حَيَاةٌ وَلَا حَرَكَةٌ وَلَا سُكُونٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ أَوْ قَالَ: أُثْبِتُ نَخْلَةً لَيْسَ لَهَا سَاقٌ وَلَا جِذْعٌ وَلَا لِيفٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا يُثْبِتُ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ وَلَا يُعْقَلُ.
-
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يُسَمُّونَ نفاة الصِّفَاتِ " مُعَطِّلَةً " لِأَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ تَعْطِيلُ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَإِنْ كَانُوا هُمْ قَدْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ قَوْلَهُمْ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّعْطِيلِ؛ بَلْ يَصِفُونَهُ بِالْوَصْفَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ فَيَقُولُونَ: هُوَ مَوْجُودٌ قَدِيمٌ وَاجِبٌ؛ ثُمَّ يَنْفُونَ
ج ٦ ص ٣٢٧لَوَازِمَ وُجُودِهِ؛ فَيَكُونُ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمَوْجُودِ حَقٌّ لَيْسَ بِحَقِّ خَالِقٌ لَيْسَ بِخَالِقِ فَيَنْفُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ: إمَّا تَصْرِيحًا بِنَفْيِهِمَا وَإِمَّا إمْسَاكًا عَنْ الْإِخْبَارِ بِوَاحِدِ مِنْهُمَا. وَلِهَذَا كَانَ مُحَقِّقُوهُمْ " وَهُمْ الْقَرَامِطَةُ " يَنْفُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ فَلَا يَقُولُونَ: مَوْجُودٌ وَلَا لَا مَوْجُودٌ وَلَا حَيٌّ وَلَا لَا حَيٌّ وَلَا عَالِمٌ وَلَا لَا عَالِمٌ. قَالُوا: لِأَنَّ وَصْفَهُ بِالْإِثْبَاتِ تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْمَوْجُودَاتِ وَوَصْفَهُ بِالنَّفْيِ فِيهِ تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْمَعْدُومَاتِ. فَآلَ بِهِمْ إغْرَاقُهُمْ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ إلَى أَنْ وَصَفُوهُ بِغَايَةِ التَّعْطِيلِ. ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَخْلُصُوا مِمَّا فَرُّوا مِنْهُ بَلْ يَلْزَمُهُمْ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ شَبَّهُوهُ بِالْمُمْتَنِعِ الَّذِي هُوَ أَخَسُّ مِنْ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ. فَفَرُّوا فِي زَعْمِهِمْ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ وَوَصَفُوهُ بِصِفَاتِ الْمُمْتَنِعَاتِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْوُجُودَ بِخِلَافِ الْمَعْدُومَاتِ الْمُمْكِنَاتِ. وَتَشْبِيهُهُ بِالْمُمْتَنِعَاتِ شَرٌّ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ الْمُمْكِنَاتِ. وَمَا فَرَّ مِنْهُ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ لَيْسَ بِمَحْذُورِ. فَإِنَّهُ إذَا سُمِّيَ حَقًّا مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ حَيًّا عَلِيمًا رَءُوفًا رَحِيمًا وَسُمِّيَ الْمَخْلُوقُ بِذَلِكَ؛ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لِلْمَخْلُوقِ أَصْلًا. وَلَوْ كَانَ هَذَا حَقًّا لَكَانَ كُلُّ مَوْجُودٍ مُمَاثِلًا لِكُلِّ مَوْجُودٍ؛ وَلَكَانَ كُلُّ مَعْدُومٍ مُمَاثِلًا لِكُلِّ مَعْدُومٍ. وَلَكَانَ كُلُّ مَا يُنْفَى عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الصِّفَاتِ مُمَاثِلًا لِكُلِّ مَا يُنْفَى عَنْهُ ذَلِكَ الْوَصْفُ.
- ج ٦ ص ٣٢٨
فَإِذَا قِيلَ: السَّوَادُ مَوْجُودٌ كَانَ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ قَدْ جَعَلْنَا كُلَّ مَوْجُودٍ مُمَاثِلًا لِلسَّوَادِ. وَإِذَا قُلْنَا: الْبَيَاضُ مَعْدُومٌ كُنَّا قَدْ جَعَلْنَا كُلَّ مَعْدُومٍ مُمَاثِلًا لِلْبَيَاضِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَيَكْفِي هَذَا خِزْيًا لِحِزْبِ الْإِلْحَادِ. وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي السَّوَادِ الَّذِي لَهُ أَمْثَالٌ بِلَا رَيْبٍ؛ فَإِذَا قِيلَ فِي خَالِقِ الْعَالَمِ إنَّهُ مَوْجُودٌ لَا مَعْدُومٌ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَيُّومٌ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لِكُلِّ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ وَحَيٍّ وَقَائِمٍ؛ وَلِكُلِّ مَا يُنْفَى عَنْهُ الْعَدَمُ وَمَا يُنْفَى عَنْهُ صِفَةُ الْعَدَمِ وَمَا يُنْفَى عَنْهُ الْمَوْتُ وَالنَّوْمُ كَأَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا يَنَامُونَ وَلَا يَمُوتُونَ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الْعَامَّةَ الْمُتَوَاطِئَةَ الَّتِي تُسَمِّيهَا النُّحَاةُ أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ مَعَانِيهَا فِي مَحَالِّهَا أَوْ تَفَاضَلَتْ كَالسَّوَادِ وَنَحْوِهِ؛ وَسَوَاءٌ سُمِّيَتْ مُشَكِّكَةً وَقِيلَ: إنَّ الْمُشَكِّكَةَ نَوْعٌ مِنْ الْمُتَوَاطِئَةِ - إمَّا أَنْ تُسْتَعْمَلَ " مُطْلَقَةً وَعَامَّةً " كَمَّا إذَا قِيلَ الْمَوْجُودُ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ وَقَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ وَخَالِقٍ وَمَخْلُوقٍ وَالْعِلْمُ يَنْقَسِمُ إلَى قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ. وَإِمَّا أَنْ تُسْتَعْمَلَ " خَاصَّةً مُعَيَّنَةً " كَمَا إذَا قِيلَ: وُجُودُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَعِلْمُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَذَاتُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. فَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ خَاصَّةً مُعَيَّنَةً دَلَّتْ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُسَمَّى لَمْ تَدُلَّ عَلَى مَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ فِي الْخَارِجِ؛ فَإِنَّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُسَمَّى لَا شَرِكَةَ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.