مذهب السلف: إثبات الصفات، ونفي المماثلة
٥ فقرات، ج ٦ ص ٣٢٩
- ج ٦ ص ٣٢٩
فَإِذَا قِيلَ: عِلْمُ زَيْدٍ وَنُزُولُ زَيْدٍ وَاسْتِوَاءُ زَيْدٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لَمْ يَدُلَّ هَذَا إلَّا عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ زَيْدٌ مِنْ عِلْمٍ وَنُزُولٍ وَاسْتِوَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. لَكِنْ لَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ زَيْدًا نَظِيرُ عَمْرٍو وَعَلِمْنَا أَنَّ عِلْمَهُ نَظِيرُ عِلْمِهِ وَنُزُولَهُ نَظِيرُ نُزُولِهِ وَاسْتِوَاءَهُ نَظِيرُ اسْتِوَائِهِ فَهَذَا عَلِمْنَاهُ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ وَالِاعْتِبَارِ لَا مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ؛ فَذَلِكَ فِي الْخَالِقِ أَوْلَى. فَإِذَا قِيلَ: عِلْمُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ وَنُزُولُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَوُجُودُهُ وَحَيَاتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى مُمَاثَلَةِ الْغَيْرِ لَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا دَلَّ فِي زَيْدٍ وَعَمْرٍو لِأَنَّا هُنَاكَ عَلِمْنَا التَّمَاثُلَ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِبَارِ وَالْقِيَاسِ لِكَوْنِ زَيْدٍ مِثْلَ عَمْرو؛ وَهُنَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا كُفُوَ وَلَا نِدَّ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَفْهَمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عِلْمَهُ مِثْلُ عِلْمِ غَيْرِهِ وَلَا كَلَامَهُ مِثْلُ كَلَامِ غَيْرِهِ وَلَا اسْتِوَاءَهُ مِثْلُ اسْتِوَاءِ غَيْرِهِ وَلَا نُزُولَهُ مِثْلُ نُزُولِ غَيْرِهِ وَلَا حَيَاتَهُ مِثْلُ حَيَاةِ غَيْرِهِ.
-
وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ وَنَفْيَ مُمَاثَلَتِهَا لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ. فَاَللَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ مُطْلَقًا وَمُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ غَيْرُهُ فِي صِفَاتِ كَمَالِهِ. فَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ جَمَعَا التَّنْزِيهَ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} {اللَّهُ الصَّمَدُ} . فَالِاسْمُ " الصَّمَدُ " يَتَضَمَّنُ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالِاسْمُ " الْأَحَدُ " يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْمِثْلِ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ.
- ج ٦ ص ٣٣٠
فَالْقَوْلُ فِي صِفَاتِهِ كَالْقَوْلِ فِي ذَاتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ؛ لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ نِسْبَةَ هَذِهِ الصِّفَةِ إلَى مَوْصُوفِهَا كَنِسْبَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ إلَى مَوْصُوفِهَا. فَعِلْمُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ وَنُزُولُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ هُوَ كَمَا يُنَاسِبُ ذَاتَهُ وَيَلِيقُ بِهَا كَمَا أَنَّ صِفَةَ الْعَبْدِ هِيَ كَمَا تُنَاسِبُ ذَاتَه وَتَلِيقُ بِهَا وَنِسْبَةُ صِفَاتِهِ إلَى ذَاتِهِ كَنِسْبَةِ صِفَاتِ الْعَبْدِ إلَى ذَاتِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا قَالَ لَك السَّائِلُ: كَيْفَ يَنْزِلُ أَوْ كَيْفَ اسْتَوَى أَوْ كَيْفَ يَعْلَمُ أَوْ كَيْفَ يَتَكَلَّمُ وَيُقَدِّرُ وَيَخْلُقُ؟ فَقُلْ لَهُ: كَيْفَ هُوَ فِي نَفْسِهِ؟ فَإِذَا قَالَ: أَنَا لَا أَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَاتِهِ؛ فَقُلْ لَهُ: وَأَنَا لَا أَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ صِفَاتِهِ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ الصِّفَةِ يَتْبَعُ الْعِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ الْمَوْصُوفِ. فَهَذَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ عَلَى وَجْهِ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْيِينِ - وَهَذَا هُوَ الْوَارِدُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - وَأَمَّا إذَا قِيلَتْ مُطْلَقَةً وَعَامَّةً - كَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ النُّظَّارِ: الْمَوْجُودُ يَنْقَسِمُ إلَى قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ وَالْعِلْمُ يَنْقَسِمُ إلَى قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَهَذَا مُسَمَّى اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ وَالْعَامِّ وَالْعِلْمُ مَعْنًى مُطْلَقٌ وَعَامٌّ وَالْمَعَانِي لَا تَكُونُ مُطْلَقَةً وَعَامَّةً إلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ؛ فَلَا يَكُونُ مَوْجُودٌ وُجُودًا مُطْلَقًا أَوْ عَامًّا إلَّا فِي الذِّهْنِ وَلَا يَكُونُ مُطْلَقٌ أَوْ عَامٌّ إلَّا فِي الذِّهْنِ وَلَا يَكُونُ إنْسَانٌ أَوْ حَيَوَانٌ مُطْلَقٌ وَعَامٌّ إلَّا فِي الذِّهْنِ؛ وَإِلَّا فَلَا تَكُونُ الْمَوْجُودَاتُ فِي أَنْفُسِهَا إلَّا مُعَيَّنَةً مَخْصُوصَةً مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِهَا. فَلْيَتَدَبَّرْ الْعَاقِلُ هَذَا الْمَقَامَ الْفَارِقَ فَإِنَّهُ زَلَّ فِيهِ خَلْقٌ مِنْ أُولِي النَّظَرِ الْخَائِضِينَ
ج ٦ ص ٣٣١فِي الْحَقَائِقِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الْعَامَّةَ الْمُطْلَقَةَ الْكُلِّيَّةَ تَكُونُ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ كَذَلِكَ؛ وَظَنُّوا أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ وَالْعَبْدَ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ؛ أَنَّهُ يَلْزَمُ وُجُودُ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرَّبُّ وَالْعَبْدُ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَوْجُودُ بِعَيْنِهِ فِي الْعَبْدِ وَالرَّبِّ بَلْ وَفِي كُلِّ مَوْجُودٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلرَّبِّ مَا يُمَيِّزُهُ عَنْ الْمَخْلُوقِ فَيَكُونُ فِيهِ جُزْءَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِكُلِّ مَخْلُوقٍ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ.
-
وَالثَّانِي: يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ الْمُمَيِّزُ لَهُ عَنْ سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ ثُمَّ لَا يَذْكُرُونَ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ إلَّا مَا يَلْزَمُ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ.
-
فَإِذَا قَالُوا: يَمْتَازُ بِذَاتِهِ أَوْ بِحَقِيقَتِهِ أَوْ مَاهِيَّتِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ يَمْتَازُ بِوُجُودِهِ؛ فَإِنَّ الذَّاتَ وَالْحَقِيقَةَ وَالْمَاهِيَّةَ تُسْتَعْمَلُ مُطْلَقًا وَمُعَيَّنًا كَلَفْظِ الْوُجُودِ سَوَاءً. وَهَذَا الْمَقَامُ حَارَ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ أَئِمَّةِ النُّظَّارِ حَتَّى قَالَ طَائِفَةٌ: إنَّ لَفْظَ الْوُجُودِ وَغَيْرَهُ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ فَقَطْ وَحَكَوْا ذَلِكَ عَنْ كُلِّ مَنْ قَالَ بِنَفْيِ الْأَحْوَالِ - وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ - فَصَارَ مَضْمُونُ نَقْلِهِمْ أَنَّ مَذْهَبَ عَامَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمُتَكَلِّمَةِ الْإِثْبَاتِ - كَابْنِ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ كَرَّامٍ وَغَيْرِهِمْ بَلْ وَمُحَقِّقِي الْمُعْتَزِلَةِ: كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ - أَنَّ لَفْظَ الْمَوْجُودِ وَغَيْرِهِ - مِمَّا يُسَمَّى اللَّهُ بِهِ وَيُسَمَّى بِهِ الْمَخْلُوقُ - إنَّمَا يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ مَعْنًى عَامٌّ: كَلَفْظِ الْمُشْتَرِي إذَا سُمِّيَ بِهِ الْمُبْتَاعُ وَالْكَوْكَبُ وَلَفْظِ سُهَيْلٍ الْمَقُولِ عَلَى الْكَوْكَبِ وَالرَّجُلِ
ج ٦ ص ٣٣٢وَهَذَا النَّقْلُ غَلَطٌ عَظِيمٌ عَمَّنْ نَقَلُوهُ عَنْهُ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ عَامَّةٌ مُتَوَاطِئَةٌ - كَالتَّوَاطُؤِ الْعَامِّ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْمُشَكِّكُ - تَقْبَلُ التَّقْسِيمَ وَالتَّنْوِيعَ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ كَمَا نَقُولُ: الْمَوْجُودُ يَنْقَسِمُ إلَى قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ وَوَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ. بَلْ هَؤُلَاءِ النَّاقِلُونَ بِأَعْيَانِهِمْ: كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَجْمَعُونَ فِي كَلَامِهِمْ بَيْنَ دَعْوَى الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ فَقَطْ وَبَيْنَ هَذَا التَّقْسِيمِ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ؛ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ التَّقْسِيمَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَلْفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ الْمُشْتَرَكَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى لَا يَكُونُ فِي الْمُشْتَرَكِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا. وَمِنْ جُمْلَتِهَا الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُشَكِّكَةَ لَا يَكُونُ التَّقْسِيمُ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَيْسَ بَيْنَهَا مَعْنًى مُشْتَرَكٌ عَامٌّ. فَهَذَا تَنَاقُضُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَشْهَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ - بِالنَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ لِلْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ قَدْ ضَلُّوا فِي هَذَا النَّقْلِ - وَهَذَا الْبَحْثُ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَصْلِ ضَلَالٌ لَا يَقَعُ فِيهِ أَضْعَفُ الْعَوَامِّ - وَذَلِكَ لِمَا تَلَقَّوْهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَنْطِقِ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي هِيَ عَنْ الْهُدَى وَالرُّشْدِ حَائِدَةٌ؛ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْمُطْلَقَةَ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ جُزْءًا مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْكِيبَ الْمُعَيَّنِ مِنْ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ وَمِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ؛ فَلَزِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ تَعَالَى الْوَاجِبُ الْوُجُودِ مُرَكَّبًا مِنْ الْوُجُودِ الْمُشْتَرَكِ وَمِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْوُجُوبِ أَوْ الْوُجُودِ أَوْ الْمَاهِيَّةِ. مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ إنَّمَا تَكُونُ كُلِّيَّاتٍ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.