العقل لا يناقض ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم

٣ فقرات، ج ١٣ ص ٨١

  1. النَّقْلَ الصَّحِيحَ وَلَكِنْ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَغْلَطُونَ إمَّا فِي هَذَا وَإِمَّا فِي هَذَا فَمَنْ عَرَفَ قَوْلَ الرَّسُولِ وَمُرَادَهُ بِهِ كَانَ عَارِفًا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ فِي الْمَعْقُولِ مَا يُخَالِفُ الْمَنْقُولَ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ عَلَى مَا قَالَهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهُ فِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِفْظِهِ أَيْ " مَعْرِفَتُهُ " بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ صَحِيحِهِ وَسَقِيمِهِ. " وَالْفِقْهُ فِيهِ " مَعْرِفَةُ مُرَادِ الرَّسُولِ وَتَنْزِيلُهُ عَلَى الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ والفروعية أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يُحْفَظَ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَفِقْهٍ. وَهَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ مَنْ احْتَجَّ بِلَفْظِ لَيْسَ بِثَابِتِ عَنْ الرَّسُولِ أَوْ بِلَفْظِ ثَابِتٍ عَنْ الرَّسُولِ وَحَمَلَهُ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ نَفْسِهِ.

    ج ١٣ ص ٨١
  2. وَكَذَلِكَ " الْعَقْلِيَّاتُ الصَّرِيحَةُ " إذَا كَانَتْ مُقَدِّمَاتُهَا وَتَرْتِيبُهَا صَحِيحًا لَمْ تَكُنْ إلَّا حَقًّا لَا تُنَاقِضُ شَيْئًا مِمَّا قَالَهُ الرَّسُولُ وَالْقُرْآنُ قَدْ دَلَّ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي بِهَا يُعْرَفُ الصَّانِعُ وَتَوْحِيدُهُ وَصِفَاتُهُ وَصِدْقُ رُسُلِهِ وَبِهَا يُعْرَفُ إمْكَانُ الْمَعَادِ. فَفِي الْقُرْآنِ مِنْ بَيَانِ أُصُولِ الدِّينِ الَّتِي تُعْلَمُ مُقَدَّمَاتُهَا بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ مَا لَا يُوجَدُ مَثَلُهُ فِي كَلَام أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ بَلْ عَامَّةُ مَا يَأْتِي بِهِ حُذَّاقُ النُّظَّارِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ يَأْتِي الْقُرْآنُ بِخُلَاصَتِهَا وَبِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} وَقَالَ: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} وَقَالَ: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} .

  3. وَأَمَّا الْحُجَجُ الدَّاحِضَةُ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا الْمَلَاحِدَةُ وَحُجَجُ الْجَهْمِيَّة مُعَطِّلَةِ الصِّفَاتِ وَحُجَجُ الدَّهْرِيَّةِ وَأَمْثَالُهَا كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ يُصَنِّفُونَ فِي الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ وَأَقْوَالِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَيَدَّعُونَ أَنَّهَا عَقْلِيَّاتٌ فَفِيهَا مِنْ الْجَهْلِ وَالتَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا رَبُّ الْعِبَادِ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ تَقْصِيرُ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ قُصُورُهُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَمَعْرِفَةِ الْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْكِتَابُ وَهَذَا هُوَ الْمِيزَانُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَحْتَمِلُ الْبَسْطَ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ؛ إذْ كَانَ الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَنَازِعِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ ثُمَّ تَفَرَّقُوا فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا عَيْنَ صِفَةِ الرَّبِّ الْخَالِقِ هِيَ عَيْنَ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ. ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: وَصِفَةُ الْمَخْلُوقِ مَخْلُوقَةٌ فَصِفَةُ الرَّبِّ مَخْلُوقَةٌ فَقَالَ هَؤُلَاءِ: صِفَةُ الرَّبِّ قَدِيمَةٌ فَصِفَةُ الْمَخْلُوقِ قَدِيمَةٌ ثُمَّ احْتَاجَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى طَرْدِ أَصْلِهِ فَخَرَجُوا إلَى أَقْوَالٍ ظَاهِرَةِ الْفَسَادِ: خَرَجَ الْنُّفَاةِ إلَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْقُرْآنِ وَلَا بِشَيْءِ مِنْ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ: لَا التَّوْرَاةِ وَلَا الْإِنْجِيلِ وَلَا غَيْرِهِمَا وَأَنَّهُ لَمْ

    ج ١٣ ص ٨٢