أقوال السلف أنفع من أقوال المتأخرين في جميع علوم الدين

فقرتان، ج ١٤ ص ٢٤

  1. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فَمَنْ اتَّبَعَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ كَانَ مِنْهُمْ وَهُمْ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وَأُولَئِكَ خَيْرُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ} . وَلِهَذَا كَانَ مَعْرِفَةُ أَقْوَالِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَأَعْمَالِهِمْ خَيْرًا وَأَنْفَعَ مِنْ مَعْرِفَةِ أَقْوَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَعْمَالِهِمْ فِي جَمِيعِ عُلُومِ الدِّينِ وَأَعْمَالِهِ كَالتَّفْسِيرِ وَأُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ خَيْرٌ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ بَعْدَهُمْ وَمَعْرِفَةُ إجْمَاعِهِمْ وَنِزَاعِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ خَيْرٌ وَأَنْفَعُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا يُذْكَرُ مِنْ إجْمَاعِ غَيْرِهِمْ وَنِزَاعِهِمْ. وَذَلِكَ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ لَا يَكُونُ إلَّا مَعْصُومًا وَإِذَا تَنَازَعُوا فَالْحَقُّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ فَيُمْكِنُ طَلَبُ الْحَقِّ فِي بَعْضِ أَقَاوِيلِهِمْ وَلَا يُحْكَمُ بِخَطَأِ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَ دَلَالَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى خِلَافِهِ قَالَ تَعَالَى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ

    ج ١٤ ص ٢٥فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} . وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ الَّذِينَ لَمْ يَتَحَرَّوْا مُتَابَعَتَهُمْ وَسُلُوكَ سَبِيلِهِمْ وَلَا لَهُمْ خِبْرَةٌ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ بَلْ هُمْ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ فِي الْعِلْمِ وَيَعْمَلُونَ بِهِ لَا يَعْرِفُونَ طَرِيقَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ وَالزُّهْدِ وَالتَّصَوُّفِ. فَهَؤُلَاءِ تَجِدُ عُمْدَتَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِي الدِّينِ إنَّمَا هُوَ عَمَّا يَظُنُّونَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالَ السَّلَفِ أَلْبَتَّةَ أَوْ عَرَفُوا بَعْضَهَا وَلَمْ يَعْرِفُوا سَائِرَهَا فَتَارَةً يَحْكُونَ الْإِجْمَاعَ وَلَا يَعْلَمُونَ إلَّا قَوْلَهُمْ وَقَوْلَ مَنْ يُنَازِعُهُمْ مِنْ الطَّوَائِفِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ طَائِفَةٍ أَوْ طَائِفَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَتَارَةً عَرَفُوا أَقْوَالَ بَعْضِ السَّلَفِ، وَالْأَوَّلُ كَثِيرٌ فِي " مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ " كَمَا تَجِدُ كُتُبَ أَهْلِ الْكَلَامِ مَشْحُونَةً بِذَلِكَ يَحْكُونَ إجْمَاعًا وَنِزَاعًا وَلَا يَعْرِفُونَ مَا قَالَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ قَوْلُ السَّلَفِ خَارِجًا عَنْ أَقْوَالِهِمْ كَمَا تَجِدُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ أَقْوَالِ اللَّهِ وَأَفْعَالِهِ وَصِفَاتِهِ؛ مِثْلَ مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْقَدَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهُمْ إذَا ذَكَرُوا إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِهَذَا الْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ الْعِلْمُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِأَقْوَالِ السَّلَفِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَعَذَّرُ الْقَطْعُ

    ج ١٤ ص ٢٦بِإِجْمَاعِهِمْ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ بِخِلَافِ السَّلَفِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِإِجْمَاعِهِمْ كَثِيرًا. وَإِذَا ذَكَرُوا نِزَاعَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَكُنْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي يَكُونُ كُلُّ قَوْلٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ سَائِغًا لَمْ يُخَالِفْ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أُصُولِ الْمُتَأَخِّرِينَ مُحْدَثٌ مُبْتَدَعٌ فِي الْإِسْلَامِ مَسْبُوقٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ وَالنِّزَاعُ الْحَادِثُ بَعْدَ إجْمَاعِ السَّلَفِ خَطَأٌ قَطْعًا كَخِلَافِ الْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ مِمَّنْ قَدْ اشْتَهَرَتْ لَهُمْ أَقْوَالٌ خَالَفُوا فِيهَا النُّصُوصَ الْمُسْتَفِيضَةَ الْمَعْلُومَةَ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ. بِخِلَافِ مَا يُعْرَفُ مِنْ نِزَاعِ السَّلَفِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا يُرَدُّ بِالنَّصِّ وَإِذَا قِيلَ: قَدْ أَجْمَعَ التَّابِعُونَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ فَارْتَفَعَ النِّزَاعُ. فَمِثْلُ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: " إحْدَاهُمَا " الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْأُمَّةِ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ الْآخَرِ وَهَذَا مُتَعَذِّرٌ.

    ج ١٤ ص ٢٤
  2. " الثَّانِيَةُ " أَنَّ مِثْلَ هَذَا هَلْ يَرْفَعُ النِّزَاعَ. . . (١) مَشْهُورٌ فَنِزَاعُ السَّلَفِ