الغلط تارة من الجن وتارة من صاحبه

فقرة واحدة، ج ١٤ ص ٧٦

  1. هِيَ الْأَصْلُ لِيَعْتَبِرَ بِهَا وَالْحِسُّ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ صَاحِبِهِ عَقْلٌ وَإِلَّا فَقَدْ يَغْلَطُ. وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: غَلِطَ الْحِسُّ وَالْغَلَطُ تَارَةً مِنْ الْحِسِّ وَتَارَةً مِنْ صَاحِبِهِ؛ فَإِنَّ الْحِسَّ يَرَى أَمْرًا مُعَيَّنًا فَيَظُنُّ صَاحِبُهُ فِيهِ شَيْئًا آخَرَ فَيُؤْتَى مِنْ ظَنِّهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْعَقْلِ. وَلِهَذَا النَّائِمُ يَرَى شَيْئًا وَتِلْكَ الْأُمُورُ لَهَا وُجُودٌ وَتَحْقِيقٌ؛ وَلَكِنْ هِيَ خَيَالَاتٌ وَأَمْثِلَةٌ؛ فَلَمَّا عَزَبَ ظَنَّهَا الرَّائِي نَفْسَ الْحَقَائِقِ كَاَلَّذِي يَرَى نَفْسَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ يُكَلِّمُ أَمْوَاتًا وَيُكَلِّمُونَهُ وَيَفْعَلُ أُمُورًا كَثِيرَةً وَهُوَ فِي النَّوْمِ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ نَفْسَهُ الَّذِي يَقُولُ وَيَفْعَلُ لِأَنَّ عَقْلَهُ عَزَبَ عَنْهُ وَتِلْكَ الصُّورَةُ الَّتِي رَآهَا مِثَالُ صُورَتِهِ وَخَيَالُهَا؛ لَكِنْ غَابَ عَقْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْمِثَالَ هُوَ نَفْسُهُ فَلَمَّا ثَابَ إلَيْهِ عَقْلُهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ خَيَالَاتٌ ومثالات، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَغِيبُ عَقْلُهُ بَلْ يَعْلَمُ فِي الْمَنَامِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَنَامِ وَهَذَا كَاَلَّذِي يَرَى صُورَتَهُ فِي الْمِرْآةِ أَوْ صُورَةَ غَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ ضَعِيفَ الْعَقْلِ ظَنَّ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ هِيَ الشَّخْصُ حَتَّى أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَفْعَلُ بِالشَّخْصِ. وَهَذَا يَقَعُ لِلصِّبْيَانِ وَالْبُلْهِ كَمَا يُخَيَّلُ لِأَحَدِهِمْ فِي الضَّوْءِ شَخْصٌ يَتَحَرَّكُ وَيَصْعَدُ وَيَنْزِلُ فَيَظُنُّونَهُ شَخْصًا حَقِيقَةً وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَيَالٌ فَالْحِسُّ إذَا أَحَسَّ حِسًّا صَحِيحًا لَمْ يَغْلَطْ لَكِنْ مَعَهُ عَقْلٌ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ هَذَا الْعَيْنِ وَالْمِثَالِ؛ فَإِنَّ الْعَقْلَ قَدْ عَقَلَ قَبْلَ

    ج ١٤ ص ٧٧هَذَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ مِثَالًا وَقَدْ عَقَلَ لَوَازِمَ الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْهَوَاءِ وَلَا فِي الْمِرْآةِ وَلَا يَكُونُ بَدَنُهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَأَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ مُكَاشَفَاتٌ وَمُخَاطَبَاتٌ يَرَوْنَ وَيَسْمَعُونَ مَا لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَمَا لَا يَكُونُ مَوْجُودًا إلَّا فِي أَنْفُسِهِمْ كَحَالِ النَّائِمِ وَهَذَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَلَكِنْ قَدْ يَرَوْنَ فِي الْخَارِجِ أَشْخَاصًا يَرَوْنَهَا عِيَانًا وَمَا فِي خَيَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ وَيُخَاطِبُهُمْ أُولَئِكَ الْأَشْخَاصُ وَيَحْمِلُونَهُمْ وَيَذْهَبُونَ بِهِمْ إلَى عَرَفَاتٍ فَيَقِفُونَ بِهَا وَإِمَّا إلَى غَيْرِ عَرَفَاتٍ وَيَأْتُوهُمْ بِذَهَبِ وَفِضَّةٍ وَطَعَامٍ وَلِبَاسٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَخْرُجُونَ إلَى النَّاسِ وَيَأْتُونَهُمْ أَيْضًا بِمَنْ يَطْلُبُونَهُ مِثْلَ مَنْ يَكُونُ لَهُ إرَادَةٌ فِي امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ فَيَأْتُونَهُ بِذَلِكَ إمَّا مَحْمُولًا فِي الْهَوَاءِ وَإِمَّا بِسَعْيٍ شَدِيدٍ وَيُخْبِرُ أَنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْبَاعِثِ الْقَوِيِّ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُقَامُ مَعَهُ أَوْ يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ خِطَابًا وَقَدْ يَقْتُلُونَ لَهُ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ أَوْ يُمَرِّضُونَهُ. فَهَذَا كُلُّهُ مَوْجُودٌ كَثِيرًا؛ لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ وَأَنَّهُ مِنْ السِّحْرِ وَأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِمَا قَالَهُ وَعَمِلَهُ مِنْ السِّحْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْجِنِّ وَيَقُولُ: هَذَا كَرَامَةٌ أَكْرَمَنَا بِتَسْخِيرِ الْجِنِّ لَنَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَظُنُّ أُولَئِكَ الْأَشْخَاصَ إلَّا آدَمِيِّينَ أَوْ

    ج ١٤ ص ٧٨مَلَائِكَةً فَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَعْرُوفِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ رِجَالُ الْغَيْبِ وَإِنْ تَسَمَّوْا فَقَالُوا: هَذَا هُوَ الْخَضِرُ وَهَذَا هُوَ إلْيَاسُ وَهَذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَهَذَا هُوَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ أَوْ الشَّيْخُ عَدِيٌّ أَوْ الشَّيْخُ أَحْمَد الرِّفَاعِيُّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ. فَهُنَا لَمْ يَغْلَطْ لَكِنْ غَلِطَ عَقْلُهُ حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ هَذِهِ شَيَاطِينُ تَمَثَّلَتْ عَلَى صُوَرِ هَؤُلَاءِ وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَظُنُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الصَّالِحِينَ يَأْتِيهِ فِي الْيَقَظَةِ وَمَنْ يَرَى ذَلِكَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الشَّيْخِ وَهُوَ صَادِقٌ فِي أَنَّهُ إيَّاهُ مَنْ قَالَ إنَّهُ النَّبِيُّ أَوْ الشَّيْخُ أَوْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ لَكِنْ غَلِطَ حَيْثُ ظَنَّ صِدْقَ أُولَئِكَ. وَاَلَّذِي لَهُ عَقْلٌ وَعِلْمٌ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَارَةً لِمَا يَرَاهُ مِنْهُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ مِثْلَ أَنْ يَأْمُرُوهُ بِمَا يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَارَةً يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَأْتِي أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْيَقَظَةِ وَلَا كَانَ يُخَاطِبُهُمْ مِنْ قَبْرِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا لِي وَتَارَةً يَعْلَمُ أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَقُمْ مِنْ قَبْرِهِ وَأَنَّ رُوحَهُ فِي الْجَنَّةِ لَا تَصِيرُ فِي الدُّنْيَا هَكَذَا. وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا لِكَثِيرِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَيُسَمُّونَ تِلْكَ الصُّورَةَ رَقِيقَةَ

    ج ١٤ ص ٧٦